ختام الحديث السادس

شاطر

الرسالة
Admin

عدد المساهمات : 3125
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

ختام الحديث السادس

مُساهمة من طرف الرسالة في الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 13:37


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ ختام الحديث السادس ] ●

عَنِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ - رَضي الله عنهُما - قال : سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ : ( إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ ، وبَينَهُما أُمُورٌ مُشتَبهاتٌ ، لا يَعْلَمُهنّ كثيرٌ مِن النَّاسِ ، فَمَن اتَّقى الشُّبهاتِ استبرأ لِدينِهِ وعِرضِه ، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ ، كالرَّاعي يَرعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرتَعَ فيهِ ، ألا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ محارِمُهُ ، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إذا صلَحَتْ صلَحَ الجَسَدُ كلُّه ، وإذَا فَسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كلُّه ، ألا وهِيَ القَلبُ ).
رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ(1).

متابعة الشرح
القسم الثاني : من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهةً عنده ، فأمَّا مَنْ أتى شيئاً مما يظنُّه الناس شبهةً ، لعلمه بأنَّه حلال في نفس الأمر ، فلا حَرَج عليه من الله في ذلك ، لكن إذا خشيَ من طعن الناس عليه بذلك ، كان تركُها حينئذ استبراءً لعرضه ، فيكون حسناً ، وهذا كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لمن رآه واقفاً مع صفية : ( إنَّها صفيَّةُ بنتُ حُيي(1) ) . وخرج أنس إلى الجمعة ، فرأى الناسَ قد صلَّوا ورجعوا ، فاستحيى ، ودخل موضعاً لا يراهُ النَّاس فيه ، وقال : ( من لا يستحيي من الناس ، لا يستحيي من الله ) . وخرّجه الطبراني مرفوعاً ، ولا يصحُّ(2) .
وإنْ أتى ذلك لاعتقاده أنَّه حلال ، إمَّا باجتهادٍ سائغٍ ، أو تقليدٍ سائغٍ ، وكان مخطئاً في اعتقاده ، فحكمهُ حكمُ الذي قبلَه ، فإنْ كان الاجتهادُ ضعيفاً ، أو التقليدُ غيرَ سائغٍ ، وإنَّما حمل عليه مجرّد اتباع الهوى ، فحكمُهُ حكمُ من أتاه مع اشتباهه عليه ، والذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه ، فقد أخبر عنه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه وقع في الحرام ، وهذا يفسر بمعنيين :
أحدهما : أنَّه يكونُ ارتكابُهُ للشبهة مع اعتقاده أنَّها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنَّه حرام بالتدريج والتسامح .
-------------------------
(1) أخرجه : البخاري 3/64 ( 2035 ) و3/65 ( 2039 ) و4/99 ( 3101 ) و4/150 ( 3281 ) و8/60 ( 6219 )، ومسلم 7/8 ( 2175 ) ( 24 ) ، وأبو داود ( 4994 ) ، وابن ماجه ( 1779 ) ، وابن حبان ( 3671 ) .
(2) في " الأوسط " ( 7159 ) ، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " 8/27 ، قال : ( وفيه جماعة لم أعرفهم ) . وانظر : فيض القدير 6/312 ( 9095 ).
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي رواية في " الصحيحين " (1) لهذا الحديث : ( ومن اجترأَ على ما يشكُّ فيه مِنَ الإثمِ ، أوْشَكَ أنْ يُواقِعَ ما استبانَ ) . وفي رواية : ( ومَنْ يُخالطِ الرِّيبةَ ، يوشِكُ أن يَجْسُرَ(2) ) ، أي : يَقرُب أنْ يقدم على الحرام المحضِ ، والجسورُ : المقدام الذي لا يهابُ شيئاً، ولا يُراقب أحداً ، ورواه بعضهم : ( يجشُر ) بالشِّين المعجمة ، أي : يرتع(3) ، والجَشْر : الرعي ، وجشرتُ الدابة : إذا رعيتها . وفي مراسيل أبي المتوكل الناجي ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( مَنْ يرعى بجنباتِ الحرامِ ، يوشكُ أنْ يخالطهُ ، ومن تهاون بالمحقِّرات ، يُوشِكُ أنْ يُخالِطَ الكبائر ) (4).
والمعنى الثاني : أنَّ من أقدم على ما هو مشتبهٌ عنده ، لا يدري : أهو حلالٌ أو حرام ، فإنَّه لا يأمن أنْ يكون حراماً في نفس الأمر ، فيُصادِفُ الحرام وهو لا يدري أنَّه حرامٌ . وقد رُوي من حديث ابن عمر عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّن وبينهما(5) مُشتبهاتٌ ، فمن اتَّقاها ، كان أنزَه لدينِهِ وعِرضه ، ومن وقعَ في الشُّبهَاتِ أوشَكَ أنْ يقع في الحَرامِ ، كالمرتع حَولَ الحِمى ، يُوشِكُ أنْ يُواقعَ الحِمى وهو لا يشعر ) خرَّجه الطبراني(6) وغيره .
-------------------------
(1) صحيح البخاري 3/70 ( 2051 ) ، ولم أقف عليه في " صحيح مسلم " .
(2) أخرجه : أبو داود ( 3329 ) ، والبزار ( 3268 ) ، والنسائي 8/327 ، وابن حبان ( 721 ) ، من حديث النعمان بن بشير ، به .
(3) عبارة : ( أي : يرتع ) سقطت من ( ص ) .
(4) وهو ضعيف لإرساله .
(5) زاد بعدها في ( ص ) : ( أمور ) .
(6) في " الأوسط " ( 2889 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
واختلف العلماء : هل يُطيع والديه في الدُّخول في شيءٍ من الشُّبهة أم لا يُطيعهما ؟ فرُوي عن بشر بن الحارث ، قال : لا طاعة لهما في الشُّبهةِ ، وعن محمد ابن مقاتل العبَّادانيِّ قال : يُطيعهما، وتوقف أحمد في هذه المسألة ، وقال : يُداريهما، وأبى أنْ يُجيبَ فيها .
وقال أحمد : لا يشبعُ الرَّجل مِنَ الشُّبهة ، ولا يشتري الثوبَ للتَّجمُّل من الشُّبهة ، وتوقف في حدِّ ما يُؤكل وما يُلبس منها ، وقال في التَّمرة يلقيها الطيرُ : لا يأكلها ، ولا يأخذها ، ولا يتعرَّضُ لها .
وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلُسَ أو الدَّراهِم : أحبُّ إليَّ أنْ يتنزَّه عنها ، يعني : إذا لم يدرِ من أين هي . وكان بعضُ السَّلف لا يأكلُ إلا شيئاً يعلمُ من أينَ هو ، ويسأل عنه حتّى يقفَ على أصله . وقد رُويَ في ذلك(1) حديثٌ مرفوعٌ ، إلا أنَّ فيه ضعفاً(2)
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) لعله الحديث الذي أخرجه : ابن أبي الدنيا في " الورع " ( 115 ) ، والطبراني في " الكبير " 25/( 428 ) ، والحاكم 4/125-126 ، وأبو نعيم في " الحلية " 6/105 من حديث أم عبد الله أخت شداد بن أوس ، أنَّها بعثت إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بقدح لبن عند فطره وهو صائم ، وذلك في طول النهار وشدة الحر ، فرد إليها الرَّسول : ( أنى لك هذا اللبن ؟ ) قالت : من شاةٍ لي ؛ فرد إليها رسولها : ( أنى لك هذا الشاة ؟ ) قالت : أشتريتها من مالي ؛ فشرب، فلما كان من غد ، أتت أم عبد الله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقالت : يا رسول الله : بعثت إليك بذلك اللبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحرِّ، فرددت فيه إليَّ الرسول ! فقال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( بذلك أُمِرت الرسل قبلي، أنْ لا تأكل إلاّ طيباً ، ولا تعمل إلاّ صالحاً ) بلفظ ابن أبي الدنيا .
ذكره الهيثمي في " المجمع " 10/291 قال : ( وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف ) ، وقال الذهبي في " تلخيص المستدرك " 4/126 : ( ابن أبي مريم واهٍ ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( كالرَّاعي يرعى حولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يرتَعَ فيه ، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حِمى، وإنَّ حِمى اللهِ محارمه ) : هذا مَثَلٌ ضربه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لمن وقع في الشُّبهات، وأنَّه يقرُب وقوعه في الحرام المحض ، وفي بعض الروايات أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ( وسأضرب لذلك مثلاً ) ، ثم ذكر هذا الكلامَ ، فجعل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَ المحرمات كالحِمى الذي تحميه الملوكُ ، ويمنعون غيرهم من قُربانه ، وقد جعل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حول مدينته(1) اثني عشر ميلاً حمى محرَّماً لا يُقطعُ شجرُه ولا يُصادُ صيدُه(2) ، وحمى عمرُ وعثمان أماكنَ ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة(3)
-------------------------
(1) عبارة : ( حول مدينته ) سقطت من ( ص ) .
(2) أخرجه : أحمد 2/279 ، ومسلم 4/116 ( 1372 ) ( 472 ) من حديث أبي هريرة .
(3) أخرجه : البخاري 3/ 148 ( 2370 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، أنَّ الصعب ابن جثامة ، قال : إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا حمى إلا لله ورسوله ) . وقال بلغنا أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حمى النقيع ، وأنَّ عمر حمى السرف والربذة .
وأخرجه : ابن أبي شيبة ( 23193 ) من حديث ابن عمر: أنَّ عمر حمى الربذة لنعم الصدقة .
وأخرجه : ابن أبي شيبة ( 37690 ) ، والبيهقي 6/147 من حديث أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري ، قال: سمع عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنَّ وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم فلما سمعوا به أقبلوا نحوه ، قال : وكره أنْ يقدموا عليه بالمدينة فأتوه فقالوا له : ادع المصحف وافتح السابعة وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأها حتّى أتى على هذه الآية { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ } ، وقالوا له: قف . أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك أم على الله تفترون ؟ فقال : امضه ، نزلت في كذا وكذا ، فأما الحمى ، فإنَّ عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة ، فلما وليت زادت إبل الصدقة ، فزدت في الحمى لما زاد في الصدقة . بلفظ البيهقي .
● [ الصفحة التالية ] ●
والله - عز وجل - حمى هذه المحرَّمات ، ومنع عباده من قربانها وسمَّاها حدودَه ، فقال : { تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } (1) ، وهذا فيه بيان أنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهم وما حرَّم عليهم ، فلا يقربوا الحرامَ ، ولا يتعدَّوا الحلال ، ولذلك قال في آية أخرى : { تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (2) ، وجعل من يرعى حول الحمى ، أو قريباً منه جديراً بأنْ يدخُلَ الحِمى ويرتع فيه ، فكذلك من تعدَّى الحلال ، ووقع في الشبهات ، فإنَّه قد قارب الحرام غايةَ المقاربة ، فما أخلقَهُ بأنْ يُخالِطَ الحرامَ المحضَ ، ويقع فيه ، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّه(3) ينبغي التباعد عن المحرَّماتِ ، وأنْ يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزاً .
وقد خرّج الترمذي(4) وابن ماجه(5) مِنْ حديثِ عبد الله بن يزيد ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا يبلغُ العبدُ أنْ يكونَ من المتَّقين حَتّى يَدَعَ ما لا بأسَ به حذراً مما به بأسٌ (6) ) .
-------------------------
(1) البقرة : 187 .
(2) البقرة : 229 .
(3) إلى أنّه ) سقطت من ( ص ) .
(4) في " الجامع الكبير " ( 2451 ) ، وقال : ( حسن غريب ) على أنَّ في إسناده عبد الله بن يزيد الدمشقي وهو ضعيف .
(5) في " سننه " ( 4215 ) .
وأخرجه : عبد بن حميد ( 484 ) ، والطبراني في " الكبير " 17/( 446 ) ، والحاكم 4/319 من حديث عطية السعدي .
(6) عبارة : ( حذراً مما به بأس ) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقال أبو الدرداء : تمامُ التقوى أنْ يتقي الله العبدُ ، حتّى يتقيَه مِنْ مثقال ذرَّة ، وحتّى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلال ، خشيةَ أنْ يكون حراماً ، حجاباً بينه وبينَ الحرام(1) .
وقال الحسنُ : مازالتِ التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام .
وقال الثوري : إنما سُموا المتقين ؛ لأنَّهم اتَّقَوْا مالا يُتَّقى(2) . وروي عن ابن عمر قال : إنِّي لأحبُّ أنْ أدعَ بيني وبين الحرام سترةً من الحلال لا أخرقها .
وقال ميمون بن مهران : لا يسلم للرجل الحلالُ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال(3) .
وقال سفيان بن عيينة : لا يصيب عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبينَ الحرام حاجزاً من الحلال(4) ، وحتى يدعَ الإثم وما تشابه منه(5) .
ويستدلُّ بهذا الحديثِ مَنْ يذهب إلى سدِّ الذرائع إلى المحرَّمات وتحريم الوسائل إليها ، ويَدُلُّ على ذلك أيضاً من قواعدِ الشَّريعة تحريمُ قليلِ ما يُسكر كثيرُه(6)
-------------------------
(1) أخرجه : نعيم بن حماد في " زياداته " على كتاب " الزهد " لابن المبارك ( 79 ) ، وابن أبي الدنيا في " التقوى " كما في " فتح الباري " 1/68 .
(2) لم أقف على قول الثوري ؛ ولكن وجدته من كلام ابن عيينة . انظر: حلية الأولياء 7/284 .
(3) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 4/84 .
(4) من قوله : ( وقال سفيان بن عيينة ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
(5) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 7/288 .
(6) لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما أسكر كثيرة فقليله حرام ) .
أخرجه : أحمد 3/343 ، واللفظ له ، وأبو داود ( 3681 ) ، وابن ماجه ( 3393 ) ، والترمذي ( 1865 ) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 4/217 ، وابن حبان ( 5382 ) ، والبيهقي 8/296 من حديث جابر بن عبد الله ، به ، قال الترمذي : ( حسن غريب ) .
وله شواهد عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ،عن جده عند أحمد 2/167 و171 ، وابن ماجه ( 3394 ) .
وعن ابن عمر عند أحمد 2/91 ، وابن ماجه ( 3392 ) ، والبيهقي 8/296 .
● [ الصفحة التالية ] ●
، وتحريمُ الخلوة بالأجنبية ، وتحريمُ الصَّلاة بعد الصُّبح وبعدَ العصرِ سدَّاً لذريعة الصَّلاة عند طُلوع الشَّمس وعندَ غروبها(1) ، ومنعُ الصَّائم من المباشرة إذا كانت تحرِّكُ شهوتَه ، ومنع كثيرٍ من العلماءِ مباشرةَ الحائضِ فيما بين سرّتها ورُكبتها إلا مِنْ وراء حائلٍ ، كما كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يأمر امرأتَه إذا كانت حائضاً أنْ تَتَّزر ، فيباشِرُها مِنْ فوق الإزار(2) .
ومن أمثلة ذلك وهو شبيه(3) بالمثل الذي ضربه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : من سيَّب دابَّته ترعى بقُرْب زرع غيرِه ، فإنَّه ضامن لما أفسدته من الزرع ، ولو كان ذلك
نهاراً(4)
-------------------------
(1) ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنَّ الصلاة لا تجوز في هذه الأوقات بإطلاق لا فريضة مقضية ولا سنة ولا نافلة إلا عصر يومه ، قالوا : فإنَّه جوّز أنْ يقضيه عند غروب الشمس إذا نسيه ، انظر : بداية المجتهد 1/191 ، والمفصّل 1/338 .
(2) عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر إحدانا إذا حاضت تأتزر ، ثم يباشرها .
أخرجه : الطيالسي ( 1375 ) ، وأحمد 6/134 ، واللفظ له ، والبخاري 1/82 ( 300 ) ، ومسلم 1/166 ( 293 ) ( 1 ) ، وأبو داود ( 268 ) ، وابن ماجه ( 635 ) و( 636 ) ، وابن الجارود ( 106 ) ، وابن حبان ( 1364 ) و( 1367 ) ، والبيهقي 1/310 ، والبغوي ( 317 ) .
(3) عبارة : ( وهو شبيه ) سقطت من ( ص ) .
(4) عن حرام بن سعد ، قال : إنَّ ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً لقوم فأفسدت فيه فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أهل الأموال حفظها بالنهار ، وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها .
... أخرجه : الشافعي في " مسنده " ( 1691 ) بتحقيقي ، واللفظ له ، وأحمد 5/435-436 ، وابن ماجه ( 2332 ) ، والبيهقي 8/341 ، والبغوي ( 2169 ) .
جاء في كتاب ابن سحنون أنَّ الحديث إنَّما جاء في أمثال المدينة التي لها حيطان محدقة ، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة وبساتين كذلك فيضمن أرباب الغنم ما أفسدت من ليل أو نهار . انظر : المحرر الوجيز لابن عطية : 1289 .
● [ الصفحة التالية ] ●
، هذا هو الصحيح ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ بإرسالها في هذه الحال .
وكذا الخلاف لو أرسل كلبَ الصَّيدِ قريباً من الحرم ، فدخل الحرمَ فصاد فيه ، ففي ضمانه روايتان عن أحمد(1) ، وقيل : يضمنه بكلِّ حال(2) .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا وإنَّ في الجسد مضغةً ، إذا صَلَحَتْ ، صَلَحَ الجسدُ كلُّه ، وإذا فسدت فسد الجسدُ كلُّه ، ألا وهي القلب ) ، فيه إشارةٌ إلى أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارحه ، واجتنابه للمحرَّمات واتَّقاءه للشُّبهات بحسب صلاحِ حركةِ قلبِه .
فإنْ كان قلبُه سليماً ، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله ، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه ، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها ، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرَّمات كلها ، وتوقي للشبهات حذراً مِنَ الوقوعِ في المحرَّمات .
وإنْ كان القلبُ فاسداً ، قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه ، وطلب ما يحبُّه ، ولو كرهه الله ، فسدت حركاتُ الجوارح كلها ، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتِّباع هوى القلب .
ولهذا يقال : القلبُ مَلِكُ الأعضاء ، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه ، وهم مع هذا(3) جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره ، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحاً كانت هذه الجنود صالحةً ، وإنْ كان فاسداً كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً ، ولا ينفع عند الله إلاّ القلبُ السليم(4)
-------------------------
(1) انظر : الهداية للكلوذاني 1/229 بتحقيقي ، والمغني لابن قدامة 3/354-355.
(2) وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي ، وانظر : المغني لابن قدامة 3/354-355 .
(3) عبارة : ( جنوده وهم مع هذا ) سقطت من ( ص ) .
(4) ورد في هذا حديث عن أبي هريرة موقوف .
أخرجه : معمر في " جامعه " ( 20375 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 109 ) .
وانظر : نوادر الأصول للحكيم الترمذي 2/192-193 و3/150 ، وفيض القدير للمناوي ( 6191 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
، كما قال تعالى : { يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } (1) ، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه : ( اللهم إني(2) أسألُكَ قلباً سليماً )(3) ، فالقلب السليم : هو السالم من الآفات والمكروهات كلِّها ، وهو القلبُ الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يحبُّه الله ، وخشية الله ، وخشية ما يُباعد منه .
وفي " مسند الإمام أحمد " (4) عن أنس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه ) .
والمراد باستقامة إيمانه : استقامةُ أعمال جوارحه ، فإنَّ أعمالَ الجوارحِ لا تستقيمُ إلا باستقامة القلب ، ومعنى استقامة القلب : أنْ يكونَ ممتلئاً مِنْ محبَّةِ الله(5) ، ومحبَّة طاعته ، وكراهة معصيته .
-------------------------
(1) الشعراء : 88-89 .
(2) عبارة : ( اللهم إني ) لم ترد في ( ج ) .
(3) أخرجه : أحمد 4/123 و125 ، والترمذي ( 3407 ) ، والنسائي 3/54 وفي " الكبرى " ، له ( 10648 ) ، وابن حبان ( 1974 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 7135 ) و( 7175 ) ، والحاكم 1/508 من حديث شداد بن أوس ، به . وإسناده ضعيف .
(4) 3/198 ، وإسناده ضعيف لضعف علي بن مسعدة .
وأخرجه القضاعي في " مسند الشهاب " ( 887 ) عن أنس . وله شاهد عن الحسن ، عن بعض أصحاب النبي عند البيهقي في " شعب الإيمان " ( 8 ) .
(5) في ( ص ) : ( ممتلئاً من خشية الله ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقال الحسن(1) لرجل : داوِ قلبكَ؛ فإنَّ حاجة الله إلى العباد صلاحُ قلوبهم(2) ، يعني : أنَّ مراده منهم ومطلوبه صلاحُ قلوبهم ، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه(3) ومحبَّتُه وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليهِ ، وتمتلئَ مِنْ ذَلِكَ ، وهذا هوَ حقيقةُ التوحيد ، وهو معنى ( لا إله إلا الله ) ، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألَهُه وتعرفه وتحبُّه وتخشاه هوَ الله وحده لا شريكَ لهُ ، ولو كانَ في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى الله ، لفسدت بذلك(4) السماوات والأرض ، كما قالَ تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا } (5) .
فعلم بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَم العلويِ والسُّفليّ(6) معاً حتى تكونَ حركاتُ أهلها كلُّها لله (7) ، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلب وإرادته ، فإنْ كانت حركتُه وإرادتُه لله وحدَه ، فقد صَلَحَ وصَلَحَتْ حركاتُ الجسدِ كلِّه(8) ، وإنْ كانت حركةُ القلب وإراداته لغيرِ الله تعالى فسدَ ، وفسدت حركاتُ الجسد بحسب فسادِ(9) حركة القلب .
وروى الليثُ ، عن مجاهدٍ في قوله تعالى : { لا تُشْرِكوا به شيئاً } (10) قال : لا تحبُّوا غيري .
-------------------------
(1) أخرجه : أبو نعيم في " حلية الأولياء " 2/154 .
(2) في ( ص ) : ( فإن مراد الله في العباد القلوب ) .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) الأنبياء : 22 .
(6) في ( ص ) : ( والعالم السفلي ) .
(7) في ( ص ) : ( لله وحده لا شريك له ) .
(8) من قوله : ( وإن كانت حركته ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
(9) سقطت من ( ص ) .
(10) النساء : 36 ، والأنعام : 151 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي " صحيح الحاكم " عن عائشة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الشِّركُ أخفى من دبيب الذرِّ(1) على الصفا في اللَّيلة الظَّلماء ، وأدناهُ أنْ تُحِبَّ على شيءٍ من الجور ، وأنْ تُبغض على شيءٍ من العدل ، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغض ؟ قال الله - عز وجل - : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله } (2) ) (3) فهذا يدلُّ على أنَّ محبةَ ما يكرهه الله ، وبغضَ ما يُحبه متابعةٌ للهوى ، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيِّ ، ويدل على ذلك قوله : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله } فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباعَ رسولِهِ ، فدلَّ على أنَّ المحبة لا تتمُّ بدون الطاعة والموافقة .
قال الحسن : قال أصحابُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، إنّا نُحِبُّ ربنا حباً شديداً . فأحبَّ الله أنْ يجعل لحبه عَلَماً(4) ، فأنزل الله هذه الآية : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله } . ومن هنا قال الحسن : اعلم أنَّك لن تُحِبَّ الله حتى تُحِبَّ طاعته .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( النمل ) .
(2) آل عمران : 31 .
(3) أخرجه : الحاكم 2/291 ، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " 2/823 ( 1378 ) وهو حديث ضعيف ضعفه الدارقطني وابن الجوزي والذهبي .
(4) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 5385 ) ، وطبعة التركي 5/325 ، وانظر : تفسير ابن أبي حاتم ( 3402 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وسئل ذو النون : متى أُحِبُّ ربي ؟ قالَ : إذا كانَ ما يُبغضه عندك أمرَّ من الصبر(1) . وقال بشر بن السَّرِي : ليس من أعلام الحبِّ أنْ تُحبَّ ما يُبغِضُه حبِيبك(2) . وقال أبو يعقوب النهرجوري : كلُّ من ادَّعى محبة الله - عز وجل - ، ولم يُوافق الله في أمره ونهيه (3)، فدعواه باطل . وقال رُويم : المحبة الموافقة في كلِّ الأحوال ، وقال يحيى بنُ معاذ : ليس بصادقٍ من ادَّعى محبة الله ولم يحفظ حدوده ، وعن بعض السَّلف قال : قرأتُ في بعض الكتب السالفة : من أحبَّ الله لم يكن عنده شيء آثرَ من رضاه ، ومن أحبَّ الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه .
وفي " السنن " عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَنْ أعطى للهِ ، ومنع لله ، وأحب لله ، وأبغض لله ، فقد استكمل الإيمان ) (4) ومعنى هذا أنَّ حركات القلب والجوارح إذا كانت كلُّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهراً وباطناً ، ويلزمُ من صلاح حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح ، فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه ، وعما يخشى أنْ يكونَ مما يكرهه(5) وإنْ لم يتيقن ذلك .
قال الحسن : ما نظرتُ ببصري ، ولا نطقتُ بلساني ، ولا بطشتُ بيدي ، ولا نهضتُ على قدمي حتّى أنظر على طاعةٍ أو على معصية ، فإنْ كانت طاعةٌ تقدمت ، وإنْ كانت معصية تأخَّرت .
-------------------------
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 3/363 و392 .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 8/300 .
(3) سقطت من ( ج ) .
(4) تقدم تخريجه .
(5) عبارة : ( وعما يخشى أن يكون مما يكرهه ) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقال محمد بن الفضل البَلخي : ما خطوتُ منذ أربعين سنة خطوةً لغير الله - عز وجل - . وقيل لداود الطائي : لو تنحيتَ من الظلِّ إلى الشمس ، فقال : هذه خُطا لا أدري كيف تكتب(1) .
فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبُهم ، فلم يبق فيها إرادةٌ لغير الله - عز وجل - ، صلحت جوارحُهم ، فلم تتحرّك إلا لله - عز وجل - ، وبما فيه رضاه ، والله تعالى أعلم .
-------------------------
(1) انظر : صفوة الصفوة لابن الجوزي 3/69 .


جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 4:56