ختام الجزء الأول من رحلة إبن بطوطة

avatar
الرسالة
Admin

عدد المساهمات : 3397
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

ختام الجزء الأول من رحلة إبن بطوطة Empty ختام الجزء الأول من رحلة إبن بطوطة

مُساهمة من طرف الرسالة في الأربعاء 2 يناير 2019 - 3:48

ختام الجزء الأول من رحلة إبن بطوطة Batota10

بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
رحلات إبن بطوطة
الجزء الأول
ختام الجزء الأول من رحلة إبن بطوطة
ختام الجزء الأول من رحلة إبن بطوطة 1410
● [ رجع الحديث إلى بوزن ] ●

وذلك أنه لما ملك، ضيق على المسلمين، وظلم الرعية، وأباح للنصارى واليهود عمارة كنائسهم، فضج االمسلمون من ذلك وتربصوا به الدوائر، واتصل خبره بخليل ابن السلطان اليسور المهزوم على خراسان، فقصد ملك هراة، وهو السلطان حسن ابن السلطان غياث الدين الغوري، فأعلمه بما كان في نفسه، وسأل منه الإعانة بالعساكر والمال على أن يشاطره الملك إذا استقام. فبعث معه الملك حسين عسكراً عظيماً. وبين هراة وترمذ تسعة أيام. فلما سمع أمراء السلطان بقدوم خليل تلقوه بالسمع والطاعة والرغبة في جهاد العدو. وكان أول قادم عليه علاء الملك خداوند زاده صاحب ترمذ، وهو أمير كبير شريف حسيني النسب. فأتاه في أربعة آلاف من المسلمين، فسر به وولاه وزارته، وفوض إليه أمره، وكان من الأبطال. وجاء الأمراء من كل ناحية واجتمعوا على خليل والتقى مع بوزن. فمالت العساكر إلى خليل، وأسلموا بوزن وأتوا به أسيراً. فقتله خنقاً وبأوتار القسي. وتلك عادة لهم أنهم لا يقتلون من كان من أبناء الملوك إلا خنقاً. واستقام الملك لخليل، وعرض عساكره بسمرقند، فكانوا ثمانين ألفاً، عليهم وعلى خيلهم الدروع. فصرف العسكر الذي جاء به من هراة، وقصد بلاد المالق. فقدم التتر على أنفسهم واحداً منهم، ولقوه على مسيرة ثلاث من المالق، وبمقربة من أطراز " طراز ". وحمي القتال، وصبر الفريقان. فحمل الأمير خداوند زاده وزيره في عشرين ألفاً من المسلمين حملة لم يثبت لها التتر، فانهزموا واشتد فيهم القتل. وأقام خليل بالمالق ثلاثاً. وخرج إلى استئصال من بقي من التتر، فأذعنوا له بالطاعة. وجاز إلى تخوم الخطا والصين، وفتح مدينة قراقرم ومدينة بش بالغ. وبعث إليه سلطان الخطا بالعساكر، ثم وقع بينهما الصلح. وعظم أمر خليل، وهابته الملوك. وأظهر العدل، ورتب العساكر بالمالق، وترك بها وزيره خداوند زاده. وانصرف إلى سمرقند وبخارى. ثم إن الترك أرادوا الفتنة، فسعوا إلى خليل بوزيره المذكور، وزعموا أنه يريد الثورة، ويقول، إنه أحق بالملك، لقرابته من النبي صلى الله عليه وسلم وكرمه وشجاعته. فبعث والياً إلى المالق عوضاً عنه، وأمره أن يقدم عليه نفر يسير من أصحابه. فلما فدم عليه قتله عند وصوله من غير تثبت. فكان ذلك شبب خراب ملكه. وكان خليل، لما عظم أمره، بغى على صاحب هراة الذي أورثه الملك وجهزه بالعساكر والمال. فكتب إليه أن يخطب في بلاد باسمه، ويضرب الدنانير والدراهم على سكته، فغاظ ذلك الملك حسيناً، وأنف منه وأجابه بأقبح جواب. فتجهز خليل لقتاله، فلم توافقه عساكر الإسلام ورأوه باغياً عليه. وبلغ خبره إلى الملك حسين فجهز العساكر مع ابن عمه ملك رونا، والتقى الجمعان. فانهزم خليل وأتى به إلى الملك حسين أسيراً، فمن عليه بالبقاء، وجعله في دار، وأعطاه جارية، وأجرى عليه النفقة. وعلى هذا الحال تركته عنده، وفي أواخر سنة سبع وأربعين عند خروجي من الهند.
● [ ولنعد إلى ما كنا بسبيله ] ●

لما عاد السلطان طرمشيرين، سافرت إلى مدينة سمرقند. وهي من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالاً. مبنية على شاطئ وادٍ يعرف بوادي القصارين، عليه النواعير تسقى البساتين. وعنده يجتمع أهل البلد بعد صلاة العصر للنزهة والتفرج. ولهم عليه مساطب ومجالس يقعدون عليها، ودكاكين تباع بها الفاكهة وسائر المأكولات. وكانت على شاطئه قصور عظيمة، وعمارة تنبئ عن علو همم أهلها. فدثر أكثر ذلك. وكذلك المدينة خرب كثير منها، ولا سور لها ولا أبواب عليها. وفي داخلها البساتين. وأهل سمرقند لهم مكارم وأخلاق ومحبة في الغريب. وهم خير من أهل بخارى. وبخارج سمرقند قبر. قثم بن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عن العباس وعن ابنه، وهو المستشهد حين فتحها. ويخرج أهل سمرقند كل ليلة اثنين وجمعة إلى زيارته. والتتر يأتون لزيارته، وينذرون له النذور العظيمة، ويأتون إليه بالبقر والغنم والدراهم والدنانير، فيصرف ذلك في النفقة على الوارد والصادر. ولخدام الزاوية والقبر المبارك. وعليه قبة قائمة على أربع أرجل، ومع كل رجل ساريتان من الرخام، منه الخضر والسود والبيض والحمر. وحيطان القبة بالرخام المجزع المنقوش بالذهب، وسقفها مصنوع بالرصاص. وعلى القبر خشب الأبنوس المرصع، مكسو الأركان بالفضة. وفوقه ثلاثة من قناديل الفضة. وفرش القبة بالصوف والقطن. وخارجها نهر كبير يشق الزاوية التي هنالك، على حافتيه الأشجار ودوالي العنب والياسمين. وبالزاوية مساكن يسكنها الوارد والصادر. ولم يغير التتر أيام كفرهم شيئاً من حال هذا الموضع المبارك. كانوا يتبركون به، لما يرون له من الآيات. وكان الناظر في كل حال من هذا الضريح المبارك وما يليه حين نزولنا به الأمير غياث الدين محمد بن عبد القادر ابن عبد العزيز بن يوسف ابن الخليفة المستنصر بالله العباسي، قدمه لذلك السلطان طرمشيرين لما قدم عليه من العراق، وهو الآن عند ملك الهند، وسيأتي ذكره. ولقيت بسمرقند قاضيها المسمى عندهم صدر الجهان، وهو من الفضلاء ذوي المكارم. وسافر إلى بلاد الهند بعد سفري إليها فأدركته منيته بمدينة ملتان قاعدة بلاد السند.
حكاية
لما مات هذا القاضي بملتان كتب صاحب الخبر بأمره إلى ملك الهند، وأنه قدم برسم بابه، فاخترم دون ذلك فلما بلغ الخبر إلى الملك، أمر أن يبعث إلى أولاده عدد من آلاف الدنانير، لا أذكره الآن، وأمر أن يعطى لأصحابه ما كان يعطى لهم لو وصلوا معه وهو بقيد الحياة. ولملك الهند في كل بلد من بلاده، صاحب الخبر يكتب له بكل ما يجري في ذلك البلد من الأمور، وممن يرد عليه من الواردين. وإذا أتى الوارد كتبوا من أي البلاد ورد، وكتبوا اسمه ونعته وثيابه وأصحابه وخيله وخدامه وهيئته من الجلوس والمأكل، وجميع شؤونه وتصرفاته وما يظهر منه من فضيلة أو ضدها، فلا يصل الوارد إلى الملك إلا وهو عارف بجميع حاله، فتكون كرامته على مقدار ما يستحقه.
● [ متابعة الحديث ] ●

وسافرنا من سمرقند فاجتزنا ببلدة نسف. وإليها ينسب أبو حفص عمر النسفي، مؤلف كتاب المنظومة في المسائل الخلافية بين الفقهاء الأربعة رضي الله عنهم، ثم وصلنا إلى مدينة ترمذ التي ينسب إليها الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي مؤلف الجامع الكبير في السنن. وهي مدينة كبيرة حسنة العمارة والأسواق تخترقها الأنهار. وبها البساتين الكثيرة والعنب، والسفرجل بها متناهي الطيب، واللحوم بها كثيرة، وكذلك الألبان. وأهلها يغسلون رؤوسهم في الحمام باللبن عوضاً عن الطفل. ويكون عند كل صاحب حمام أوعية كبار مملوءة لبناً. فإذا دخل الرجل الحمام أخذ منها في إناء صغير فغسل رأسه، وهو يرطب الشعر ويصقله. وأهل الهند يجعلون في رؤوسهم زيت السمسم، ويسمونه الشيرج، ويغسلون الشعر بعده بالطفل، فينعم الجسم، ويصقل الشعر ويطيله. وبذلك طالت لحى أهل الهند ومن سكن معهم. وكانت مدينة ترمذ القديمة مبنية على شاطئ جيحون، فلما خربها تنكيز، بنيت هذه الحديثة على ميلين من النهر. وكان نزولنا بها بزاوية الشيخ الصالح عزيزان، من كبار المشايخ وكرمائهم، كثير المال والرباع والبساتين، ينفق على الوارد والصادر من ماله. واجتمعت قبل وصولي إلى هذه المدينة بصاحبها علاء الملك خداوند زاده. وكتب لي إليها بالضيافة، فكانت تحمل إلينا أيام مقامنا بها في كل يوم. ولقيت أيضاً قاضيها قوام الدين، وهو متوجه لرؤية السلطان طرمشيرين، وطالب للإذن له في السفر إلى بلاد الهند، وسيأتي ذكر لقائي له بعد ذلك. ولأخويه ضياء الدين وبرهان الدين بملتان، وسفرنا جميعاً إلى الهند، وذكر أخويه الآخرين عماد الدين وسيف الدين، ولقائي لهما بحضرة ملك الهند، وذكر ولديه وقدومهما على ملك الهند بعد قتل أبيهما، وتزويجهما ابنتي الوزير خواجه جهان، وما جرى في ذلك كله إن شاء الله تعالى. ثم جزنا نهر جيحون إلى بلاد خراسان. وسرنا بعد انصرافنا من ترمذ وإجازة الوادي يوماً ونصف يوم في صحراء ورمال لا عمارة بها إلى مدينة بلخ، وهي خاوية على عروشها غير عامرة. ومن رآها ظنها عامرة لإتقان بنائها. وكانت ضخمة فسيحة ومساجدها ومدارسها باقية الرسوم حتى الآن، ونقوش مبانيها مدخلة بأصبغة اللازورد. والناس ينسبون اللازورد إلى خراسان، وإنما يجلب من جبال بدخشان التي ينسب إليها الياقوت البدخشي، والعامة يقولون: البلخش، وسأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. وخرب هذه المدينة تنكيز اللعين، وهدم من مسجدها نحو الثلث، بسبب كنز ذكر له أنه تحت سارية من سواريه. وهو من أحسن مساجد الدنيا وأفسحها. ومسجد رباط الفتح بالمغرب يشبهه في عظم سواريه. ومسجد بلخ أجمل منه في سوى ذلك.
حكاية
ذكر لي بعض أهل التاريخ، أن مسجد بلخ بنته امرأة كان زوجها أميراً ببلخ لبني العباس، يسمى داود بن علي. فاتفق أن الخليفة غضب مرة على أهل بلخ لحادث أحدثوه. فبعث إليهم من يغرمهم مغرماً فادحاً. فلما بلغ إلى بلخ أتى نساؤها وصبيانها إلى تلك المرأة التي بنت المسجد، وهي زوج أميرهم، وشكوا حالهم وما لحقهم من هذا المغرم. فبعثت إلى الأمير الذي قدم برسم تغريمهم بثوب لها مرصع بالجوهر قيمته أكثر مما أمر بتغريمه، فقالت له: اذهب بهذا الثوب إلى الخليفة، فقد أعطيته صدقة عن أهل بلخ لضعف حالهم. فذهب به إلى الخليفة وألقى الثوب بين يديه وقص عليه القصة، فخجل الخليفة وقال: أتكون المراة أكرم منا ، وأمره برفع المغرم عن أهل بلخ، وبالعودة إليها ليرد للمرأة ثوبها، وأسقط عن أهل بلخ خراج سنة. فعاد الأمير إلى بلخ، وأتى منزل المرأة وقص عليها مقالة الخليفة ورد عليها الثوب. فقالت له: أوقع بصر الخليفة على هذا الثوب ، قال: نعم. قالت: لا ألبس ثوباً وقع عليه بصر غير ذي محرم مني، وأمرت ببيعه. فبني منه المسجد والزاوية ورباط في مقابلته مبني بالكذان ، وهو عامر حتى الآن. وفضل من ثمن الثوب مقدار ثلثه. فذكر أنها أمرت بدفنه تحت بعض سواري المسجد، ليكون هنالك متيسراً إن احتيج إليه. خرج فأخبر تنكيز بهذه الحكاية، فأمر بهدم سواري المسجد، فهدم منها نحو الثلث، ولم يجد شيئاً، فترك الباقي على حاله.
● [ متابعة الحديث ] ●

وبخارج بلخ قبر يذكر أنه قبر عكاشة بن محصن الأسدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً، الذي يدخل الجنة بلا حساب. وعليه زاوية معظمة بها كان نزولنا، وبخارجها بركة ماء عجيبة، عليها شجرة جوز عظيمة. ينزل الواردون في الصيف تحت ظلالها. وشيخ هذه الزاوية يعرف بالحاج خرد، وهو الصغير من الفضلاء، وركب معنا وأرانا مزارات هذه المدينة. منها قبر حزوقيل النبي عليه السلام، وعليه قبة حسنة. وزرنا بها أيضاً قبوراً كثيرة من قبور الصالحين، لا أذكرها الآن. ووقفنا على دار إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه، وهي دار ضخمة مبنية بالصخر الأبيض الذي يشبه الكذان. وكان زرع الزاوية مقترناً بها، وقد سدت عليه فلم ندخلها، وهي بمقربة من المسجد الجامع. ثم سافرنا من مدينة بلخ، فسرنا في جبال قوةاستان " قهستان " سبعة أيام. وهي قرى كثيرة عامرة بها المياه الجارية والأشجار المورقة وأكثرها شجر التين، وبها زوايا كثيرة فيها الصالحون المنقطعون إلى الله تعالى. وبعد ذلك كان وصولنا إلى مدينة هراة، وهي أكبر المدن العامرة بخراسان. ومدن خراسان العظيمة أربع: اثنتان عامرتان وهما هراة ونيسابور، واثنتان خربتان وهما بلخ ومرو. ومدينة هراة كبيرة عظيمة كثيرة العمارة، ولأهلها صلاح وعفاف وديانة. وهم على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وبلدهم طاهر من الفساد.
● [ ذكر سلطان هراة ] ●

وهو السلطان المعظم حسين ابن السلطان غياث الدين الغوري، صاحب الشجاعة المأثورة. والتأييد والشجاعة ظهر له من إنجاد الله تعالى وتأييده في موطنين اثنين ما يقضي منه العجب، أحدهما عند ملاقاة جيشه للسلطان خليل الذي بغى عليه، وكان منتهى أمره حصوله أسيراً في يديه، والموطن الثاني عند ملاقاته بنفسه لمسعود، سلطان الرافضة. وكان منتهى أمره تبديده وفراره وذهاب ملكه. وولي السلطان حسين الملك بعد أخيه المعروف بالحافظ، وولي أخوه بعد أبيه غياث الدين.
حكاية الرافضة
كان بخراسان رجلان: أحدهما يسمى بمسعود والآخر يسمى بمحمد. وكان لهما خمسة من الأصحاب، وهم من الفتاك، ويعرفون بالعراق بالشطار، ويعرفون بخراسان بسرابداران " سربداران "، ويعرفون بالعراق بالصقور. فاتفق سبعتهم على الفساد وقطع الطرق وسلب الأموال، وشاع خبرهم، وسكنوا جبلاً منيعاً بمقربة من مدينة بيهق، وتسمى أيضاً مدينة سيزار " سيزوار ". فكانوا يكمنون بالنهار. ويخرجون بالليل والعشي، فيضربون على القرى، وبقطعون الطرق، ويأخذون الأموال. وانثال عليهم أشباههم من أهل الشر والفساد، فكثر عددهم واشتدت شوكتهم وهابهم الناس، وضربوا على مدينة بيهق فملكوها، ثم ملكوا سواها من المدن، واكتسبوا الأموال وجندوا الجنود وركبوا الخيل، وتسمى مسعود بالسلطان. وصار العبيد يفرون عن مواليهم إليه. فكل عبد فر منهم يعطيه الفرس والمال. وإن ظهرت له شجاعة أمره على جماعة، فعظم جيشه واستفحل أمره وتمذهب جميعهم بمذهب الرفض، وطمحوا إلى استئطال أهل السنة بخراسان، وأن يجعلوها كلمة واحدة رافضية. وكان بمشهد طوس شيخ من الرافضة يسمى بحسن، وهو عندهم من الصلحاء، فوافقهم على ذلك، وسموه بالخليفة وأمرهم بالعدل فأظهروه. حتى كانت الدراهم والدنانير تسقط في معسكرهم فلا يلتقطها أحد حتى يأتي ربها فيأخذها. وغلبوا على نيسابور، وبعث إليهم السلطان طغيتمور بالعساكر فهزموه، ثم بعث إليهم نائبه أرغون شاه فهزموه وأسروه ومنوا عليه، ثم غزاهم طغيتمور بنفسه في خمسين ألفاً من التتر فهزموه، وملكوا البلاد، وتغلبوا على سرخس والزاوه وطوس، وهي من أعظم بلاد خراسان. وجعلوا خليفتهم بمشهد علي بن موسى الرضا، وتغلبوا على مدينة الجام، ونزلوا بخارجها وهم قاصدون مدينة هراة، وبينها وبينهم مسيرة ست. فلما بلغ ذلك الملك حسيناً جمع الأمراء والعساكر وأهل المدينة واستشارهم، هل يقيمون حتى يأتي القوم أو يمضوا إليهم فيناجزوهم. فوقع إجماعهم على الخروج إليهم، وهم قبيلة واحدة يسمون الغورية. ويقال: إنهم ينسبون على غور الشام، وإن أصلهم منه. فتجهزوا أجمعون، واجتمعوا من أطراف البلاد، وهم ساكنون بالقرى، وبصحراء مرغيس " بدغيس "، وهي مسيرة أربع، لا يزال عشبها أخضر. ترعى منه ماشيتهم وخيلهم. وأكثر شجرها الفستق، ومنها يحمل إلى أرض العراق. وعضدهم أهل مدينة سمنان، ونفروا جميعاً إلى الرافضة، وهم مائة وعشرون ألفاً ما بين رجاله وفرسان، يقودهم الملك حسين. واجتمعت الرافضة في مائة وخمسين ألفاً من الفرسان. وكانت الملاقاة بصحراء بوشنج. وصبر الفريقان معاً. ثم كانت الدائرة على الرافضة، وفر سلطانهم مسعود، وثبت خليفتهم حسن في عشرين ألفاً حتى قتل، وقتل أكثرهم، وأسر منهم نحو أربعة آلاف. وذكر لي بعض من حضر هذه الوقعة أن ابتداء القتال كان في وقت الضحى، وكانت الهزيمة عند الزوال. ونزل الملك حسين بعد الظهر فصلى، وأتي بالطعام، فكان هو وكبراء أصحابه يأكلون، وسائرهم يضربون أعناق الأسرى. وعاد إلى حضرته بعد هذا الفتح العظيم، وقد نصر الله السنة على يديه، وأطفأ نار الفتنة. وكانت هذه الوقعة بعد خروجي من الهند عام ثمانية وأربعين. ونشأ بهراة رجل من الزهاد والصلحاء الفضلاء واسمه نظام الدين مولانا، وكان أهل هراة يحبونه، ويرجعون إلى قوله. وكان يعظهم ويذكرهم، وتوافقوا معه على تغيير المنكر، وتعاقد معهم على ذلك خطيب المدينة المعروف بملك ورنا، وهو ابن عم الملك حسين، ومتزوج بزوجة والده، وهي من أحسن الناس صورة وسيرة. والملك يخافه على نفسه، وسنذكر خبره. وكانوا متى علموا بمنكر، ولو كان عند الملك غيروه.
حكاية
ذكر لي انهم تعرفوا يوماً أن بدار الملك حسين منكراً، فاجتمعوا لتغييره، وتحصن منهم بداخل داره. فاجتمعوا على الباب في ستة آلاف رجل. فخاف منهم. فاستحضر الفقيه وكبار البلد، وكان قد شرب الخمر فأقاموا عليه الحد بداخل قصره، وانصرفوا عنه.
● [ حكاية ] ●
هي سبب قتل الفقيه نظام الدين المذكور

كانت الأتراك المجاورون لمدينة هراة الساكنون بالصحراء، وملكهم غيتمور الذي مر ذكره. وهم نحو خمسين ألفاً، يخافهم الملك حسين، ويهدي لهم الهدايا في كل سنة، ويداريهم. وذلك قبل هزيمته للرافضة. وأما بعد هزيمته للرافضة تغلب عليهم. ومن عادة هؤلاء الأتراك التردد إلى مدينة هراة، وربما شربوا بها الخمر، وأتاها بعضهم وهو سكران. فكان نظام الدين يحد من وجد منهم سكران. وهؤلاء الأتراك أهل نجدة وبأس، ولا يزالون يضربون على بلاد الهند، فيسبون ويقتلون، وربما سبوا بعض المسلمات اللاتي يكن بأرض الهند ما بين الكفار، فإذا خرجوا بهن إلى خراسان يطلق نظام الدين المسلمات من أيدي الترك. وعلامة النسوة المسلمات بأرض الهند ترك ثقب الأذن. والكافرات آذانهن مثقوبات. فاتفق مرة أن أميراً من أمراء الترك يسمى تمور ألطي سبى امرأة، وكلف بها شديداً، فذكرت أنها مسلمة، فانتزعها الفقيه من يده. فبلغ ذلك من التركي مبلغاً عظيماً، وركب في آلاف من أصحابه، وأغار على خيل هراة، وهي في مرعاها بصحراء مرغيس " بدغيس "، واحتملوها. فلم يتركوا لأهل هراة ما يركبون ولا ما يحلبون، وصعدوا بها إلى جبل هنالك لا يقدر عليهم فيه. ولم يجد السلطان ولا جنده خيلاً يتبعونهم بها، فبعث إليهم رسولاً يطلب منهم رد ما أخذوه من الماشية والخيل، ويذكرهم العهد الذي بينهم. فأجابوا بأنهم لا يردون ذلك حتى يمكنوا من الفقيه نظام الدين. فقال السلطان: لا سبيل إلى هذا. وكان الشيخ أبو أحمد الجستي حفيد الشيخ مودود الجستي له بخراسان شأن عظيم، وقوله معتبر لديهم، فركب في جماعة خيل من أصحابه ومماليكه. فقال: أنا أحمل الفقيه نظام الدين معي إلى الترك ليرضوا بذلك ثم أرده. فكأن الناس مالوا إلى قوله. ورأى الفقيه نظام الدين اتفاقهم على ذلك. فركب مع الشيخ أبي أحمد ووصل الى الترك. فقام إليه الأمير تمور ألطي وقال له: أنت أخذت امرأتي مني، وضربه بدبوسه فكسر دماغه، فخر ميتاً. فسقط في أيدي الشيخ أبي أحمد، وانصرف من هنالك إلى بلده، ورد الترك ما كانوا أخذوه من الخيل والماشية. وبعد مدة قدم ذلك التركي الذي قتل الفقيه على مدينة هراة، فلقيه جماعة من أصحاب الفقيه، فتقدموا إليه كأنهم مسلمون عليه، وتحت ثيابهم السيوف فقتلوه. وفر أصحابه. ولما كان بعد هذا، بعث الملك حسين ابن عمه ملك ورنا الذي كان رفيق الفقيه نظام الدين في تغيير المنكر رسولاً إلى ملك سجستان. فلما حصل بها بعث إليه أن يقيم هنالك ولا يعود إليه. فقصد بلاد الهند ولقيته وانا خارج منها بمدينة سيوستان من السند، وهو أحد الفضلاء. وفي طبعه حب الرياسة والصيد والبراز والخيل والمماليك والأصحاب واللباس الملوكي الفاخر، ومن كان على هذا الترتيب فإنه لا يصلح حاله بأرض الهند. فكان من أمره أن ملك الهند ولاه بلداً صغيراً. وقتله به بعض أهل هراة المقيمين بالهند بسبب جارية. وقيل: إن ملك الهند دس عليه من قتله بسعي الملك حسين في ذلك، ولأجله خدم الملك حسين ملك الهند بعد موت ملك ورنا المذكور، وهاداه ملك الهند، وأعطاه مدينة بكار من بلاد السند. ومجباها خمسون ألفاً من دنانير الذهب في كل سنة.
● [ ولنعد إلى ما كان بسبيله فنقول ] ●

سافرنا من هراة إلى مدينة الجام، وهي متوسطة حسنة، ذات بساتين وأشجار وعيون كثيرة وأنهار، وأكثرها التوت. والحرير بها كثير. وهي تنسب إلى الولي العابد الزاهد شهاب الدين أحمد الجامي، وسنذكر حكايته، وحفيده الشيخ أحمد المعروف بزاده الذي قتله ملك الهند. والمدينة الآن لأولاده، وهي محررة من قبل السلطان. ولهم بها نعمة وثروة. وذكر لي من اثق به أن السلطان أبا سعيد ملك العراق قدم خراسان مرة ونزل على هذه المدينة وبها زاوية الشيخ، فأضافه ضيافة عظيمة، وأعطى لكل خباء بمحلته رأس غنم، ولكل أربعة رجال رأس غنم، ولكل دابة بالمحلة من فرس وبغل وحمار علف ليلة، فلم يبق في المحلة حيوان إلا وصلته ضيافته.
● [ حكاية الشيخ شهاب الدين ] ●
الذي تنسب إليه مدينة الجام

يذكر أنه كان صاحب راحة مكثراً من الشراب، وكان له من الندماء نحو ستين، وكانت لهم عادة أن يجتمعوا يوماً في منزل كل واحد منهم، فتدور النوبة على أحدهم بعد شهرين، وبقوا على ذلك مدة. ثم إن النوبة وصلت يوماً إلى الشيخ شهاب الدين، فعقد التوبة ليلة النوبة، وعزم على إصلاح حاله مع ربه، وقال في نفسه: إن قلت لأصحابي إني قد تبت قبل اجتماعهم عندي، ظنوا ذلك عجزاً عن مؤونتهم. فأحضر ما كان يحضر مثله قبلاً من مأكولات ومشرب، وجعل الخمر في الزقاق، وحضر أصحابه. فلما أرادوا الشرب فتحوا زقاً، فذاقه أحدهم فوجده حلواً ثم فتح ثانياً فوجده كذلك ثم ثالثاً فوجده كذلك. فكلموا الشيخ في ذلك، فخرج لهم عن حقيقة أمره وصدقهم سر فكره، وعرفهم بتوبته، وقال لهم: والله ما هذا إلا الشراب الذي كنتم تشربونه فيما تقدم. فتابوا جميعاً إلى الله تعالى، وبنوا تلك الزاوية، وانقطعوا بها لعبادة الله تعالى. وظهر لهذا الشيخ كثير من الكرامات والمكاشفات،
● [ متابعة الحديث ] ●

ثم سافرنا من الجام إلى مدينة طوس، وهي أكبر بلاد خراسان، وأعظمها بلد الإمام الشهير بأبي حامد الغزالي رضي الله عنه وبها قبره. ورحلنا منها إلى مدينة مشهد الرضا، وهو علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. وهي أيضاً مدينة كبيرة ضخمة كثيرة الفواكه والمياه والأرجاء الطاحنة. وكان بها الطاهر محمد شاه، والطاهر عندهم بمعنى النقيب عند أهل مصر والشام والعراق، وأهل الهند والسند وتركستان يقول السيد الأجل. وكان أيضاً بهذا المشهد القاضي الشريف جلال الدين، لقيته بأرض الهند والشريف علي وولداه أمير هندو ودولة شاه، وصحبوني من ترمذ إلى بلاد الهند. وكانوا من الفضلاء، والمشهد المكرم عليه قبة عظيمة في داخل زاوية، تجاورها مدرسة ومسجد. وجميعها مليح البناء مصنوع الحيطان بالقاشاني. وعلى القبر دكانة خشب ملبسة بصفائح الفضة، وعليه قناديل فضة معلقة، وعتبة باب القبة فضة. وعلى بابها ستر حرير مذهب. وهي مبسوطة بأنواع البسط. وإزاء هذا القبر قبر هارون الرشيد أمير المؤمنين رضي الله عنه، وعليه دكانة يضعون عليها الشمعدانات التي يعرفها أهل المغرب بالحسك والمنائر. وإذا دخل الرافضي للزيارة ضرب قبر الرشيد برجله، وسلم على الرضا. ثم سافرنا إلى مدينة سرخس، وإليها ينسب الشيخ الصالح لقمان السرخسي رضي الله عنه. ثم سافرنا منها إلى مدينة زاوة، وهي مدينة الشيخ الصالح قطب الدين حيدر، وإليه تنسب طائفة الحيدرية من الفقراء، وهم الذين يجعلون حلق الحديد في أيديهم وأعناقهم وآذانهم، ويجعلون أيضاً في ذكورهم حتى لا يتأتى لهم النكاح. ثم رحلنا منها فوصلنا إلى مدينة نيسابور، وهي إحدى المدن الأربع التي هي قواعد خراسان. ويقال لها: دمشق الصغيرة، لكثرة فواكهها وبساتينها ومياهها وحسنها. وتخترقها أربعة من الأنهار.وأسواقها حسنة متسعة، ومسجدها بديع، وهو في وسط السوق، ويليه أربع من المدارس يجري بها الماء الغزير، وفيها من الطلبة خلق كثير، يقرأون القرآن والفقه. وهي من حسان مدارس تلك البلاد، ومدارس خراسان والعراقين ودمشق وبغداد ومصر. وإن بلغت الغاية من الإتقان والحسن، فكلها تقصر عن المدرسة التي عمرها مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله المجاهد في سبيل الله عالم الملوك واسطة عقد الخلفاء العادلين أبو عنان، وصل الله سعده ونصر جنده، وهي التي عند القصبة من حضرة فاس حرسها الله تعالى، فإنها لا نظير لها سعة وارتفاعاً ونقش الجص بها لا قدرة لأهل المشرق عليه. ويصنع بنيسابور ثياب الحرير من النخ والكمخاء وغيرها. وتحمل منها إلى الهند. وفي هذه المدينة زاوية الشيخ الإمام العالم قطب الدين النيسابوري أحد الوعاظ العلماء الصالحين: نزلت عنده فأحسن القرى وأكرم، ورأيت له البراهين والكرامات العجيبة.
كرامة له
كنت قد اشتريت بنيسابور غلاماً تركياً، فرآه معي فقال لي:هذا الغلام لا يصلح لك، فبعه. فقلت له: نعم، وبعت الغلام في غد ذلك اليوم، واشتراه بعض التجار. وودعت الشيخ وانصرفت. فلما حللت بمدينة بسطام كتب إلي بعض أصحابي من نيسابور، وذكر أن الغلام المذكور قتل بعض أولاد الأتراك وقتل به. وهذه كرامة واضحة لهذا الشيخ الكريم.
● [ متابعة الحديث ] ●

وسافرت من نيسابور الى مدينة بسطام التي ينسب إليها الشيخ العارف أبو يزيد البسطامي الشهير يرحمه الله. وبهذه المدينة قبره، ومعه في قبة واحدة أحد أولاد جعفر الصادق رضي الله عنه. وببسطام أيضاً قبر الشيخ الصالح الولي أبي الحسن الخرقاني. وكان نزولي من هذه المدينة بزاوية الشيخ أبي يزيد البسطامي يرحمه الله . ثم سافرت من هذه المدينة على طريق هندخير إلى قندوس وبغلان. وهي قرى فيها مشايخ وصالحون، وبها البساتين والأنهار. فنزلنا بقندوس على نهر ماء به زاوية لأحد شيوخ الفقراء من أهل مصر، يسمى بشير سياه، ومعنى ذلك الأسد الأسود، وأضافنا بها والي تلك الأرض وهي من أهل الموصل ببستان عظيم هنلك.
وأقمنا بخارج هذه القرية نحو أربعين يوماً لرعي الجمال والخيل، وبها مراعٍ طيبة وأعشاب كثيرة، والأمن بها شامل بسبب شدة أحكام الأمير برنطية. وقد قدمنا أن أحكام الترك في من سرق فرساً أن يعطي معه تسعة مثله، فإن لم يجد ذلك أخذ فيها أولاده، فإن لم يكن له أولاد ذبح ذبح الشاة.
والناس يتركون دوابهم مهملة دون راع، بعدو أن يسم كل واحد دوابه في أفخاذها. وكذلك فعلنا في هذه البلاد. واتفق أن تفقدنا خيلنا بعد عشر من نزولنا بها ففقدنا منها ثلاثة أفراس.
ولما كان بعد نصف شهر جاءنا التتر بها إلى منزلنا، خوفاً من أنفسهم من الأحكام. وكنا نربط في كل ليلة إزاء أخبيتنا فرسين، لما عسى أن يقع بالليل. ففقدنا الفرسين ذات ليلة، وسافرنا من هنالك. وبعد اثنتين وعشرين ليلة جاءوا بهما إلينا في أثناء طريقنا. وكان أيضاً من أسباب إقامتنا خوف الثلج. فإن بأثناء الطريق جبلاً يقال له هندو كوش، ومعناه قاتل الهنود. لأن العبيد والجواري الذين يؤتى بهم من بلاد الهند يموت هنالك الكثير منهم لشدة البرد وكثرة الثلج وهو مسيرة يوم كامل. وأقمنا حتى تمكنا من دخول الحر، وقطعنا ذلك الجبل من آخر الليل، وسلكنا به جميع نهارنا إلى الغروب. وكنا نضع اللبود بين أيدي الجمال تطأ عليها، لئلا تغرق في الثلج. ثم سافرنا إلى موضع يعرف بأندر. وكانت هنالك فيما تقدم مدينة عفي رسمها. ونزلنا بقرية عظيمة فيها زاوية لأحد الفضلاء ويسمى بمحمد المهروي، ونزلنا عنده وأكرمنا. وكان متى غسلنا أيدينا من الطعام يشرب الماء الذي غسلناها به لحسن اعتقاده وفضله. وسافر معنا إلى أن صعدنا جبل هندو كوش المذكور.
ووجدنا بهذا الجبل عين ماء حارة فغسلنا منها وجوهنا فتقشرت وتألمنا لذلك، ثم نزلنا بموضع يعرف ببنج هير، ومعنى بنج خمسة وهير هو الجبل، فمعناه خمسة جبال، وكانت هنالك مدينة حسنة كثيرة العمارة على نهر عظيم أزرق، كأنه بحر ينزل من جبال بدخشان. وبهذه الجبال يوجد الياقوت الذي يعرفه الناس بالبلخش، وخرب هذه البلاد تنكيز ملك التتر، فلم تعمر بعده. وبهذه المدينة مزار الشيخ سعيد المكي، وهو معظم عندهم، ووصلنا إلى جبل بشاي " وضبطه بفتح الباء المعقودة والشين المعجم والف وياء ساكنة "، وبه زاوية الشيخ الصالح أطا أولياء وأطا " بفتح الهمزة "، معناه بالتركية الاب وأولياء باللسان العربي، فمعناه أبو الأولياء، ويسمى أيضاً سيصد صاله، وسيصد " بسين مهمل مكسور وياء مد وصاد مهمل مفتوح ودال مهمل "، ومعناه بالفارسية ثلاثمائة، وصاله " بفتح الصاد المهمل واللام " معناه عام. وهم يذكرون أن عمره ثلاثمائة وخمسون عاماً. ولهم فيه اعتقاد حسن ويأتون لزيارته من البلاد والقرى. ويقصده السلاطين والخواتين. وأكرمنا وأضافنا، ونزلنا على نهر عند زاويته، ودخلنا إليه فسلمت عليه، وعانقني، وجسمه رطب لم أر ألين منه، ويظن رائيه أن عمره خمسون سنة. وذكر لي أنه في كل مائة سنة ينبت له الشعر، والأسنان، وأنه رأى أباهم الذي قبره بملتان من السند. وسألته عن رواية حديث فأخبرني بحكايات، وشككت في حاله، والله أعلم بصدقه. ثم سافرنا إلى برون " وضبطها بفتح الباء المعقودة وسكون الراء وفتح الواو وآخرها نون "، وفيها لقيت الأمير برنطية " وضبط اسمها بضم الباء وضم الراء وسكون النون وفتح الطاء المهمل وياء آخر الحروف مسكن وهاء "، وأحسن إلي وأكرمني، وكتب إلى نوابه بمدينة غزنة في إكرامي، وقد تقدم ذكره، وذكر ما أعطي من البسطة في الجسم، وكان عنده جماعة من المشايخ والفقراء أهل الزوايا. ثم سافرنا إلى قرية الجرخ " وضبط اسمها بفتح الجيم المعقود وإسكان الراء وخاء معجم "، وهي كبيرة، لها بساتين كثيرة، وفواكهها طيبة. قدمناها في أيام الصيف ووجدنا بها جماعة من الفقراء والطلبة، وصلينا بها الجمعة. وأضافنا أميرها محمد الجرخي، ولقيته بعد ذلك بالهند. ثم سافرنا إلى مدينة غزنة، وهي بلد السلطان المجاهد محمود بن سبكتكين الشهير الاسم، وكان من كبار السلاطين يلقب بيمين الدولة وكان كثير الغزو إلى بلاد الهند، وفتح بها المدائن والحصون. وقبره بهذه المدينة عليه زاوية وقد خرب معظم هذه البلدة. ولم يبق منها إلا يسير، وكانت كبيرة. وهي شديدة البرد، والساكنون بها يخرجون عنها أيام البرد إلى مدينة القندهار، وهي كبيرة مخصبة، ولم أدخلها، وبينهما مسيرة ثلاث. ونزلنا بخارج غزنة في قرية هنالك على نهر ماء تحت قلعتها، وأكرمنا أميرها مرذك أغا " ومرذك " بفتح الميم وسكون الراء وفتح الذال المعجم "، ومعناه الصغير، وأغا " بفتح الهمزة والغين المعجم " ومعناه الكبير الأصل، ثم سافرنا إلى كابل، وكانت فيما سلف مدينة عظيمة، وبها الآن قرية يسكنها طائفة من الأعاجم يقال لهم الأفغان. ولهم جبال وشعاب وشوكة قوية، وأكثرهم قطاع الطريق، وجبلهم الكبير يسمى كوه سليمان. يذكر أن نبي الله سليمان عليه السلام صعد ذلك الجبل، فنظر إلى أرض الهند وهي مظلمة فرجع ولم يدخلها، فسمي الجبل به. وفيه يسكن ملك الأفغان. وبكابل زاوية الشيخ إسماعيل الأفغاني تلميذ الشيخ عباس من كبار الأولياء. ومنها رحلنا إلى كرماش. وهي حصن بين جبلين تقطع به الأفغان. وكنا حين جوازنا عليه نقاتلهم وهم بسفح الجبل ونرميهم بالنشاب فيفرون. وكانت رفقتنا مخفة ومعهم نحو أربعة آلاف فرس، وكانت لي جمال انقطعت عن القافلة لأجلها، ومعي جماعة بعضهم من الأفغان، وطرحنا بعض الزاد، وتركنا أحمال الجمال التي أعيت بالطريق، وعادت إليها خيلنا بالغد فاحتملتها، ووصلنا إلى القافلة بعد العشاء الآخرة، فبتنا بمنزل ششنغار، وهي آخر العمارة مما يلي بلاد الترك. ومن هنا دخلنا البرية الكبرى، وهي مسيرة خمس عشرة، لا تدخل إلا في فصل واحد وهو بعد نزول المطر بأرض السند والهند، وذلك في أوائل شهر يوليه. وتهب في هذه البرية ريح السموم القاتلة التي تعفن الجسوم. حتى أن الرجل إذا مات تتفسخ أعضاؤه. وقد ذكرنا أن هذه الريح تهب أيضاً في البرية بين هرمز وشيراز. وكانت تقدمت
أمامنا رفقة كبيرة فيها خداوند زاده قاضي ترمذ، فمات لهم جمال وخيل كثيرة. ووصلت رفقتنا سالمة بحمد الله تعالى إلى بنج آب وهو ماء السند، وبنج " بفتح الباء الموحدة وسكون النون والجيم " ومعناه خمسة وآب " بهمزة مفتوحة ممدودة وباء موحدة " ومعناه الماء، فمعنى ذلك الأودية الخمسة، وهي تصب في النهر الأعظم، وتسقي تلك النواحي، وسنذكرها إن شاء الله تعالى. وكان وصولنا لهذا النهر سلخ ذي الحجة. واستهل علينا تلك الليلة هلال المحرم من عام أربعة وثلاثين وسبعمائة. ومن هنالك كتب المخبرون بخبرنا إلى أرض الهند، وعرفوا ملكها بكيفية أحوالنا. وها هنا ينتهي بنا الكلام في هذا السفر. والحمد لله رب العالمين.
● [ بحمد الله تم الجزء الأول ] ●
وإن شاء الله يتبعه الجزء الثانى

ختام الجزء الأول من رحلة إبن بطوطة Fasel10

رحلات إبن بطوطة
الجزء الأول
منتدى توتة وحدوتة - البوابة
ختام الجزء الأول من رحلة إبن بطوطة E110


    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 18 نوفمبر 2019 - 21:16