من وصف المسجد الأقصى الى ذكر الحصون

شاطر
avatar
الرسالة
Admin

عدد المساهمات : 3292
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

من وصف المسجد الأقصى الى ذكر الحصون

مُساهمة من طرف الرسالة في الجمعة 28 ديسمبر 2018 - 14:52


بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
رحلات إبن بطوطة
الجزء الأول
من وصف المسجد الأقصى الى ذكر الحصون

● [ ذكر المسجد المقدس ] ●

وهو من المساجد العجيبة الرائقة الفائقة الحسن، يقال : إنه لا يوجد على وجه الأرض مسجد أكبر منه، وإن طوله من شرق إلى غربي سبعمائة واثنتان وخمسون ذراعاً بالذراع المالكية وعرضه من القبلة إلى الجوف أربعمائة ذراع وخمس وثلاثون ذراعاً في جهاته الثلاث، وأماالجهة القبلية منه فلا علم بها إلا باباً واحخداً، وهو الذي يدخل منه الإمام، والمسجد كله فضاء وغير مسقف في النهاية من إحكام الفعل وإتقان الصنعة مموه لبالذهب والأصبغة الرائقة، وفي المسجد مواضع سواه مسقفة.
وهي من اعجب المباني وأتقنها وأغربها شكلاً. وقد توفر حظها من المحاسن، وأخذت من كل بديعة بطرف، وهي قائمة على نشز ي وسط المسجد، يصعد إليها في درج رخام. ولها أبواب. والدائر بها مفروش بالرخام أيضاً محكم الصنعة، وكذلك داخلها في ظاهرها وباطنها من أنواع الزواقة ورائق الصنعة ما يعجز الواصف. وأكثر ذفك مغشى بالذهب فهي تتلألأ أنوارأص، أو تلمع لمعان البرق. يحار بصر متأملها في محاسنها، ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها. وفي وسط القبة الصخرة الكريمة إلتي جاء ذكرها في الآثار. فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرج منها إلى السماء. وهي صخرة صماء، ارتفاعها نحو قامة. وتحتها مغارة مقدار بيت صغير. ارتفاعها نحو قامة أيضاً ينزل إلها على درج. وهنالك شكل محراب. وعلى الصخر شباكان اثنان محكما العمل، يغلقان عليهما أحدهما، وهو الذي يلي الصخرة من حديد بديع الصنعة والثاني الخشب. وفي القبة درقة كبيرة من حديد، معلقة هنالك. والناس يزعمون أنها درقة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
فمنها بعدوة الوادي المعروف بزودي جهنم في شرقي البلد، على تل مرتفع هنالك، بنية يقال: إنها مصعد عيسى عليه السلام إلى السماء. ومنها أيضاً قبر رابعة البدوية، منسوبة إلى البادية وهي خلاف رابعة العدوية الشهيرة. وفي بطن الوادي المذكور كنيسة يعظمها النصارى، ويقولون : إن قبر مريم عليها السلام بها. وهنالك أيضاً كنيسة أخرى معظمة، يحجها النصارى، وهي التي يكذبون عليها، ويعتقدون أن قبر عيسى عليه السلام بها. وعلى كل من يحجها ضريبة معلومة للمسلمين. وضروب من الإهانة يتحملها على رغم أنفه. وهنالك موضع مهد عيسى عليه السلام يتبرك به.
فمنهم قاضيه العالم شمس الدين محمد بن سالم الغزي " بفتح الغين "، وهو من أهل غزة وكبرائها. ونمهم خطيبه الصالح الفاضل عماد الدين النابلسي، ومنهم المحدث المفتي شهاب الدين الطبري، ومنهم مدرس المالكية وشيخ الخانقاه الكريمة أبو عبد الله محمد بن مثبت الغرناطي نزيل القدس ومنها الشيخ الزاهد أبو علي حسن المعروف بالمحجوب من كبار الصالحين، ومنهم الشيخ الصالح العابد أبو عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى من أهل أرز الروم، وهو من تلامذة تاج الدين الرفاعي. صحبته ولبست منه خرقة التصوف. ثم سافرت من القدس الشريف برسم زيارة ثغر عسقلان، وهو خراب. قد عاد رسوماً طامسة.، وأطلالاً دارسة. وقل بلد جمع من المحاسن ما جمعته عسقلان إتقاناً وحسن وضع، وأصالة مكان، وجمعاً بين مرافق البر والبحر وبها المشهد الشهير حيث كان رأس الحسين بن علي عليه السلام، قبل أن ينتقل إلى القاهرة، وهو مسجد عظيم سامي العلو، فيه جب اللماء أمر ببنائه بعض العبيد، وكتب ذلك على بابه وفي قبلة هذا المزار مسجد كبير يعؤف بمسجد عمر لم يبق منه إلا حيطانه وفي أساطين رخام لا مثل لها في الحسن وهي ما بين قائم وحصيد ومن جملتها أسطوانة حمراء عجيبة، يزعم الناس أن النصارى احتملوها إلى بلادهم، ثم فقدوها، فوجدت في موضعها بعسقلان. وفي القبلة من هذا المسجد بئر يعرف ببئر إبراهيم عليه السلام، ينزل إليها في درج متسعة، ويدخل منها إلى بيوت، وفي كل ناحية من جهاتها الأربع تخرج من أسراب مطوية بالحجارة. ماؤها عذب، وليس بالغزير. ويذكر الناس من فضائلها كثيراً. وبظاهر عسقلان وادي النمل، ويقال : إنه المذكور في الكتاب العزيز. وبجبانة عسقلارن من قبور الشهداء والأولياء ما لا يحصر لكثرته، أوقفنا عليهم قيم المزار المذكور. وله جراية يجريها له ملك مصر، ومع ما يصل إليه من صدقات الزوار. ثم سافرت منها إلى مدينة الرملة وهي في فلسطين مدينة كبيرة، كثيرة الخيرات، حسنة الأسواق. وبها جامع الأبيض ز ويقال: إن في قبلته ثلاثمائة من الأنبياء، مدفونين عليهم السلام. وفيها من كبار الفقهاء مجد الدين النابلسي. ثم خرجت منها إلى مدينة مابلس، وهي مدينة عظيمة، كثيرة الأشجار مطردة الأنهار، من أكثر البلاد الشام زيتوناً. ومنها يحمل الزيت إلى مصر ودمشق. وبها تصنع حلواء الخروب، وتجلب إلى دمشق وغيرها.
وكيفية عملها : أن يطبخ الخروب، ثم يعصر، ويؤخذ ما يخرج منه من الرب فتصنع منه الحلواء. ويجلب ذلك الرب أيضاً إلى مصر والشام. وبها البطيخ المنسوب إليها وهو طيب عجيب. والمسجد الجامع في نهاية من الإتقان والحسن. وفي وسطه بركة ماء عذب. ثم سافرت منها إلى مدينة عجلون " وهي بفتح العين المهملة "، وهي مدينة حسنة لها أسواق كثيرة، وقلعة خطيرة. ويشقها نهر ماؤه عذب. ثم سافرت منها بقصد اللاذقية، فمررت بالغور، وهو وادٍ بين تلال به قبر أبي عبيدة ابن الجراح أمين هذه الأرض رضي الله عنه، زرناه وعليه زاوية فيها الطعام لأبناء السببيل. وبتنا هنالك ليلة، ثم وصلنا إلى القصير، وبه قبر معاذ بن جبل رضي الله عنه، تبركت أيضاً بزيارته. ثم سافرت على الساحل، فوصلت إلى مدينة عكة ، وهي خراب وكانت عكة قاعدة بلاد الإفرنج بالشام، ومرسى سفنهم وتشبه قسطنطينية العظمى، وبشرقيها عين ماء عذب تعرف بعين البقر يقال : إن الله تعالى أخرج منها البقر لآدم عليه السلام. وينزل إليها بفي درج. وكان عليها مسجد بقي من محرابه. وبهذه المدينة قبر صالح عليه السلام. ثم سافرت منها إلى مدينة صور، وهي خراب وبخارجها قرية معمورة وأكثر أهلها أرفاض ولقد نزلت بها مرة على بعض المياه أريد الوضوء. فأتى بعض أهل تلك القرية ليتوضأ فبدأ بغسل رجليه، ثم غسل وجهه، ولم يتمضمض ولا اسنتشق، ثم مسح بعض رأسه، فأخذت عليه في فعله فقال لي : إن البناء إنما يكون ابتداؤه من الأساس. ومدينة صور هي التي يضرب بها المثل في الحصانة المنعة. لأن البحر محيط بها من ثلاث جهاتها. ولها بابان أحدهما للبر، والثاني للبحر. ولبابها الذي يشرع للبر أربعة فصلات كلها في ستائر محيطة بالباب، وأما الباب الذي للبحر فهو بين برجين عظيمين. وبناؤها ليس في بلاد الدنيا أعجب ولا أغرب شأناً منه، لأن البحر محيط بها من ثلاث جاتها. وعلى الجهة الرابعة سور، تدخل السفن تحت السور وترسو هنالك. وكان فيما تقدم بين البرجين سلسلة حديد معترضة ن، لا سبيل إلى الداخل هنالك، ولا إلى الخارج إلا بعد حطها، وكان عليها الحراس والأمناء، فلا يدخل خارج، إلا على علم منهم. وكانت لعكة أيضاً ميناء مثلها، ولكنها تحمل إلا السفن الصغار، ثم سافرتع منها إلى مدينة صيدا، وهي على ساحل البحر، حسنة كثيرة الفواكه يحمل منها التين والزبيب والزيت إلى بلاد مصر: نزلت عند قاضيها مال الدين الأشموني المصري، وهو حسن الأخلاق كريم النفس. ثم سافرت منها إلى مدينة طبرية. وكانت فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة، ولم يبق منها إلا رسوم تبنئ عن ضخامتها، وعظم شأنها. وبها الحمامات العجيبة؛ لها بيتان أحدهما للرجال، والثاني للنساء. وماؤها شديد الحرارة. ولها بحيرة الشهيرة، طولها نحو ستة فراسخ، وعرضها أزيد من ثلاثة فراسخ. وبطبرية مسجد يعرف بمسجد الأنبياء، فيه قبر شعيب عليه السلام، وبنته زوج موسى الكليم عليه السلام، وقبر سليمان عليه السلام، وقبر يهودا، وقبر روبيل صلوا الله وسلامه على نبينا وعليهم. وقصدنا منها زيارة الجب الذي ألقي فيه يوسف عليه السلام، وهو في صحن مسجد صغير وعليه زاوية. والجب كبير عميق، شربنا من مائه المجتمع من ماء المطر وأخبرنا قمه أن الماء ينبع منه أيضاً. ثم سرنا إلى مدينة بيروت وهي صغيرة، حسنة الأسواق، وجامعها بديع الحسن ويجلب منها إلى ديار مصر الفواكه. وقصدنا منها زيارة أبي يعقوب يوسف الذي يزعمون أنه من كلوك المغرب. وهو بموضع يعرف بكرك نوح من بقاع العزيز، وعليه زاوية يطعم بها الوارد. ويقال: إن السلطان صلاح الدين وقف عليها الأوقاف. وقيل السلطان نور الدين وكانوا من الصالحين، ويذكر أنه كان ينسج الحصر ويقتات بثمنها.
حكاية أبي يعقوب يوسف المذكور
يحكي أنه دخل مدينة دمشق، فمرض بها مرضاً شديداً، وأقام مطروحاً بالأسواق. فلما برئ من مرضه، خرج إلى ظاهر دمشق ليلتمس بستاناً يكون حارساً له. فاستؤجر لحراسة بستان للملك نور الدين، واقام في حراسته ستة أشهر فلما كان في أوان الفاكهة أتى السلطان إلى ذلك البستان، وأمر وكيل البستان أبا يعقوب أن يأتي برمان يأكل منه السلطان، فأتاه برمان. فوجده حامضاً، فأمره أن يأتي بغيره، ففعل ذلك. فوجده أيضاً حامضاً. فقال له الوكيل : أتكون حراسة هذا البستان منذ ستة أشهر ولا تعرف حلو من الحامض ، فقال : إنما أستأجرتني على الحراسة لا على الكل، فأتى الوكيل إلى الملك فأعلمه بذلك بعث إليه الملك، وكان قد رأى في المنام أنه يجمع مع أبي يعقوب، وتحصل له منه فائدة، فتفرس أنه هو. فقال له : أنت أبو يعقوب ، قال : نعم. فقام إليه، وعانقه، وأجلسه إلى جانبه، ثم احتمله إلى مجلسه، فأضافه بضيافة من الحلال المكتسب بكد يمينه، وأقام عنده أياماً. ثم خرج من دمشق فاراً بنفسه في أوان البرد الشديد، فأتى قرية من قراها. وكان بها رجل من الضعفاء فعرض عليه النزول عنده ففعل. وصنع له مرقة، وذبح دجاجة فأتاه بها، وبخبز شعير فأكل من ذلك، ودعا اللرجل، وكان عنده جملة أولاد، منهم بنت قد آن بناء زوجها عليها. ومن عوائدهم في تلك البلاد أن البنت يجهزها أبوها، ويكون معظم الجهاز أواني النحاس، وبه يتفاخرون، وبه يتبايعون. فقال أبو يعقوب للرجل : هل عندك شيء من النحاس. قال : نعم. قد اشتريت منه لتجهيز هذه البنت، قال ائتني به أتاه به. فقال له : استعر من جيرانك ما أمكنك منه، ففعل، وأحضر ذلك بين يديه فأوقد عليه النيران. وأخرج صرة كانت عنده فيها الإكسير . فطرح منه على النحاس فعاد كله ذهباً، وتركه في بيت مقفل وكتب كتاباً إلى نور الدين ملك دمشق يعلمه بذلك. وينبهه على بناء مارستان للمرضى من الغرباء، ويوقف عليه الأوقاف، ويبني الزوايا بالطرق، ويرضي أصحاب النحاس، ويعطي صاحب البيت كفايته، وقال له في آخر الكتاب : وإن كان إبراهيم بن أدهم قد خرج عن ملك خراسان فأنا قد خرجت من ملك المغرب، وعن هذه الصنعة والسلام، وفر من حينه، وذهب صاحب البيت بالكتاب إلى الملك نور الدين، فوصل الملك إلى تلك القرية واحتمل الذهب، بعد أن أرضى أصحاب النحاس، وصاحب البيت. وطلب أبا يعقوب فلم يجد له أثراً ولا وقع له على خبر. فعاد إلى دمشق وبنى المارستان المعروف باسمه الذي ليس له في المعمور مثله.
● [ الوصول الى مدينة طرابلس ] ●

ثم وصلت إلى مدينة طرابلس، وهي إحدى قواعد الشام، وبلدانها الضخام. تخترقها الأنهار، وتحفها البساتين والأشجار، ويكنفها البحر بمرافقه العميمة، والبر بخييراته المقيمة. ولها الأسواق العجيبة، والمسارح الخصيبة. والبحر ميلين منها. وهي حديثة البناء. وأما طرابلس القديمة فكانت على ضفة البحر وتملكها الروم زماناً فلما استرجعها الملك الظاهر خربت، واتخذت هذه الحديثة ، وبهذه المدينة نحو أربعين من أرماء الأتراك. وأميرها طيلان الحاجب المعروف بملك الأمراء. ومسكنه بالدار المعروفة بدار السعادة. ومن عوائده أن يركب في كل يوم اثنين وخميس ويركب معه الأمراء والعساكر. ويخرج إلى ظاهر المدينة. فإذا عاد إليها. وقارب الوصول إلى منزله، ترجل الأمراء، ونزلوا عن دوابهم، ومشوا بيه يده، حتى يدخل منزله، وينصرفون وتضرب الطبلخانة عند دار كل أمير منهم بعد صلاة المغرب من كل يوم، وتوقد المشاعل. وممن كان بها من الأعلام كاتب السر بهاء الدين بن غانم أحد الفضلاء الحسباء معروف بالسخاء والكرم، وأخوه حسام الدين هو شيخ القدس الشريف، وقد ذكرناه، وأخوهما علاء الدين كاتب السلر بدمشق. ومنهم وكيل بيت المال قوام الدين بن مكين من أكابر الرجال. ومنهم قاضي قضاتها شمس الدين بن النقيب من أعلام علماء الشام. وبهذه المدينة حمامات حسان منها حمام القاضي القرمي. وحمام سندمور. وكان سندمور أمير هذه المدينة. ويذكر عنه أخبار كثيرة في الشدة على أهل الجنايات. منها امرأة شكت إليه بان أحد مماليكه الخواص تعدى عليها في لبن كانت تبيعه فشربه، ولم تكن لها بينة. فأمر به فوسط فخرج اللبن من مصرنه. وقد اتفق مثل هذه الحكاية للعتريس أحد أمراء الملك الناصر أيام إمارته على عيذاب. واتفق مثلها للملك كبك سلطان تركستان.
ثم سافرت من طرابلس إلى حصن الأكراد، وهو بلد صغير كثير الأشجار والأنهار بأعلى تل. وبه زاوية تعرف بزاوية الإبراهيمي نسبة إلى بعض كبراء الأمراء. ونزلت عند قاضيها ولا أحقق الان اسمه.
ثم سافرت إلى مدينة حمص وهي مدينة مليحة، أرجاؤها مونقة، وأشجارها مورقة، وأنهارها متدفقة، وأسواقها فسيحة الشوارع، وجامعها متميز بالحسن الجامع، وفي وسطه ماء. وأهل حمص عرب لهم فضل وكرم. وبخارج هذه المدينة قبر خالد بن الوليد سيف الله ورسوله، وعليه زاوية ومسجد وعلى القبر كسوة سوداء. وقاضي هذه المدينة جمال الدين الشريشي من أجمل الناس صورة وأحسنهم سيرة.
ثم سافرت منها إلى مدينة حماة إحدى أمهات الشام الرفيعة، ومدائنها البديعة، ذات الحسن الرائق، والجمال الفائق، تحفها البساتين والجنات، عليها النواعير كالأفلاك الدائرات، يشقها النهر العظيم المسمى بالعاصي. ولها ربض سمي بالمنصورية أعظم من المدينة، فيه الأسواق الحافلة، والحمامات الحسان، وبحماة الفواكه الكثيرة ومنها المشمش اللوزي، إذا كسرت نواته وجدت في داخلها لوزة حلوة. قال ابن جزي : وفي هذه المدينة ونهرها ونواعيرها وبساتينها يقول الأديب الرحال نور الدين أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد العبسي العماري الغرناطي نسبة لعمار بن ياسر رضي الله عنه:
ثم سافرت إلى مدينة المعرة، التي ينسب إليها الشاعر أبو العلاء المعري، وكثير سواه من الشعراء. قال ابن جزي : إنما سميت بمعرة النعمان لأن النعمان بن بشير الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي له ولد أيام إمارته على حمص، فدفنه بالمعرة، فعرفت به. وكانت قبل ذلك تسمى القصور. وقيل أن النعمان جبل مطل عليها سميت به.
والمعرة مدينة كبيرة حسنة، أكثر شجرها التين والفستق ومنها يحمل إلى مصر والشام. وبخارجها على فرسخ منها قبر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز. ولا زاوية عليه ولا خديم له. وسبب ذلك أنه وقع في بلاد صنفٍ من الرافضة أرجاس، يبغضون العشرة من الصحابة رضي الله عنهم، ولعن مبغضهم، ويبغضون كل من اسمعه عمر وخصوصاً عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما كان من فعله في تعظيم علي رضي الله عنه.
ثم سرنا منها إلى مدينة سرمين. وهي حسنة كثيرة البساتين، وأكثر شجرها الزيتون. بها يصنعون الصابون الأجري، ويجلب إلى مصر والشام. ويصنع بها أيضاً الصابون المطيب لغسل الأيدي، ويصبغونه بالحمرة والصفرة. ويصنع بها ثياب قطن حسان تنسب إليها. وأهلها سبابون يبغضون العشرة. ومن العجب أنهم لا يذكرون لفظ العشرة وينادي سماسرتهم بالأسواق على السلع، فإذا بلغوا إلى العشرة قالوا تسعة وواحد. وحضر بها بعض الأتراك يوماً فسمع سمساراً ينادي تسعة وواحد فضربه بالدبوس على رأسه وقال : قل عشرة بالدبوس. وبها المسجد جامع فيه تسع قباب. ولم يجعلوها عشرة قياماً بمذهبهم القبيح - ثم سرنا إلى مدينة حلب، المدينة الكبرى والقاعدة العظمى. قال أبو الحسين بن جبير في وصفها: قدرها خطير وذكرها في كل زمان يطير خطابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، فكم هاجت من كفاح وسل عليها من بيض الصفاح قلعة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، تنزهت حصانة من أن ترم أو تستطاع منحوتة الأجزاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، قد طاولت الأيام والأعوام، ووسعت الخواص والعوام، أين أمراؤها الحمدانيون وشعراؤها ? فني جميعهم، ولم يبق إلا بناؤها. فيا عجباً لبلاد تبقى ويذهب ملاكها، ويهلكون ولا يقضي هلاكها. وتخطب بعدهم فلا يعتذر أملاكها، وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها. هذه حلب كم أدخلت ملوكها في خبر كان، ونسخت صرف الزمان بالمكان. أنث اسمها، فتحلت بحلية الغوان، وأتت بالعذر فيمن دان وانجلت عروساً بعد سيف دولتها ابن حمدان. هيهات سيهرم شبابها، ويعدم خطابها، ويسرع فيها بعد حين خرابها. وقلعة حلب تسمى الشهباء. بداخلها جبلان ينبع منهما الماء، فلا تخاف الظمأ ويطيف بها سوران. وعليها خندق عظيم ينبع منه الماء. وسورها متداني الأبراج وقد انتظمت بها العلالي العجيبة المفتحة الطيقان. وكل برج منها مسكون. والطعام لا يتغير بهذه القلعة على طول العهد. وبها مشهد يقصده بعض الناس، يقال: إن الخليل عليه السلام كان يتعبد به. وهذه القلعة تشبه قلعة رحبة مالك بن طوق التي على الفرات بين الشام والعراق. ولما قصد قازان طاغية التتر مدينة حلب حاصر هذه القلعة أياماً، ونكص عنها خائباً،
ويقال : في مدينة حلب حلب إبراهيم، لأن الخليل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه كان يسكنها. وكانت له الغنم الكثيرة. فكان يسقي الفقراء والمساكين، والوارد والصادر من ألبانها، فكانوا يجتمعون ويسألون: حلب إبراهيم، فسميت بذلك، وهي من أعز البلاد التي لا نظير لها في حسن الوضع، وإتقان الترتيب، واتساع الأسواق، وانتظام بعضها ببعض. وأسواقها مسقفة بالخشب، فأهلها دائماً في ظل ممدود وقيساريتها لا تماثل حسناً وكبراً، وهي تحيط بمسجدها وكل سماط منها محاذٍ لباب من أبواب المسجد. ومسجدها الجامع من أجمل المساجد في صحنه بركة ماء، ويطيف به بلاط عظيم الاتساع. ومنبرها بديع العمل، مرصع بالعاج والآبنوس. وبقرب جامعها مدرسة مناسبة له في حسن الوضع، وإتقان الصنعة. تنسب لأمراء بني حمدان، وبالبلد سواها، ثلاث مدارس، وبها مارستان. وأما خارج المدينة فهو بسيط أفيح عريض، به المزارع العظيمة، وشجرات الأعناب منتظمة به، والبساتين على شاطئ نهرها. وهو النهر الذي يمر بحماة، ويسمى العاصي ، وقيل: إنه سمي بذلك لأنه يخيل لناظره أن جريانه من أسفل إلى علو. والنفس تجد في خارج مدينة حلب انشراحاً وسروراً ونشاطها لا يكون في سواها، وهي من المدن التي تصلح للخلافة.
وبحلب ملك الأمراء أرغون الدوادار، أكبر أمراء الملك الناصر. وهو من الفقهاء، موصوف بالعدل، لكنه بخيل. والقضاة بحلب أربعة للمذاهب الأربعة. فمنهم القاضي كمال الدين بن الزملكاني، شافعي المذهب، عالي الهمة، كبير القدر، كريم النفس، حسن الأخلاق، متفنن بالعلوم. وكان الناصر قد بعث إليه ليوليه قضاء القضاة بحضرة ملكه، فلم يقض له ذلك، وتوفي ببلبيس، وهو متوجه إليها. ولما ولي قضاء حلب، قصدته الشعراء من دمشق وسواها. وكان فيمن قصده شاعر الشام شهاب الدين أبو بكر محمد بن الشيخ المحدث شمس الدين أبي عبد الله محمد بن نباتة القرشي الأموي فامتدحه الفارقي بقصيدة طويلة ، أزيد من خمسين بيتاً. وأجازه عليها بكسوةٍ ودراهم. وانتقد الشعراء ابتداءه بلفظ أسفت. قال ابن جزي: وليس كلامه في هذه القصيدة بذاك وهو في المقطعات أجود منه في القصائد وإليه انتهت الرياسة في الشعر على هذا العهد، في جميع بلاد المشرق. وهو من ذرية الخطيب أبي يحيى عبد الرحيم بن نباته، منشىء الخطب الشهيرة،
ومن قضاة حلب قاضي قضاة الحنفية الإمام المدرس ناصر الدين بن العديم، حسن الصورة والسيرة، أصيل مدينة حلب ، ومنهم قاضي قضاة المالكية، لا أذكره. كان من الموثقين بمصر. وأخذ الخطة عن غير استحقاق، ومنهم قاضي قضاة الحنابلة، لا أذكر اسمه، وهو من أهل صالحية دمشق، ونقيب الأشراق بحلب بدر الدين بن الزهراء. ومن فقهائها شرف الدين بن العجمي، وأقاربه هم كبراء مدينة حلب.
ثم سافرت منها إلى مدينة تيزين . وهي على طريق قنسرين " وضبط اسمها بتاء معلوة مكسورة وياء مد وزاي مكسورة وياء مد ثانية ونون "، وهي حديثة اتخذها التركمان. وأسواقها حسان، ومساجدها في نهاية من الإتقان. وقاضيها بدر الدين العسقلاني. وكانت مدينة قنسرين قديمة كبيرة، ثم خربت، ولم يبق إلا رسومها، ثم سافرت إلى مدينة أنطاكية. وهي مدينة عظيمة أصيلة وكان عليها سور محكم، لا نظير له في أسوار بلاد الشام. فلما فتحها الملك الظاهر هدم سورها. وأنطاكية كثيرة العمارة، ودورها حسنة البناء، كثيرة الأشجار والمياه. وبخارجها نهر العاصي. وبها قبر حبيب النجار رضي الله عنه. وعليه زاوية فيها الطعام للوارد والصادر. وشيخها الصالح المعمر محمد بن علي سنه ينيف على المائة، وهو ممتع بقوته، دخلت عليه مرة في بستان له وقد جمع حطباً، ورفعه على كاهله ليأتي به منزله بالمدينة، ورأيت ابنه قد أناف على الثمانين، إلا أنه محدودب الظهر، ولا يستطيع النهوض، ومن يراهما يظن الوالد منهما ولداً، والولد والداً.
ثم سافرت إلى حصن بغراس، " وضبط اسمه بباء موحدة مضمومة وغين معجمة مسكنة وراء وآخره سين مهمل "، وهو حصن منيع لا يرام، عليه البساتين والمزارع، ومنه يدخل إلى بلاد سيس، وهي من بلاد كفار الأرمن، وهم رعية للملك الناصر، يؤدون إليه مالاً ودراهم فضة خالصة تعرف بالبغلية. وبها تصنع الثياب الدبيلية . وأمير هذا الحصن صارم الدين بن الشيباني. وله ولد فاضل اسمه علاء الدين، وابن أخ له اسمه حسام الدين، فاضل كريم يسكن الموضع المعروف بالرصص " بضم الراء والصاد المهمل الأول "، ويحفظ الطريق إلى بلاد الأرمن.
حكاية
شكا الأرمن مرة إلى الملك الناصر من الأمير حسام الدين، وزوروا عليه أموراً لا تليق. فأنفذ أمره لأمير بحلب أن يخنقه. فلما توجه الأمير بلغ ذلك صديقاً له من كبار ألأمراء فدخل على الملك الناصر وقال : يا خوند إن الأمير حسام الدين هو من خيار الأمراء، ينصح للمسلمين، ويحفظ الطريق، وهو من الشجعان، والأرمن يريدون الفساد في بلاد المسلمين، فيمنعهم ويقهرهم. وإنما أرادوا إضعاف شوكة المسلمين بقتله. ولم يزل به حتى أنفذ أمراً ثانياً بسراحه والخلع عليه ورده لموضعه. ودعا الملك الناصر بريدياً يعرف بالأفوش، وكان لا يبعث إلا في مهم، أمره بالإسراع والجد في السير. فسار من مصر إلى حلب في خمس. وهي مسيرة شهر. فوجد أمير حلب قد أحضر حسام الدين وأخرجه إلى الموضع الذي يخنق به الناس، فخلصه الله تعالى، وعاد إلى موضعه. ولقيت هذا الأمير ومعه قاضي بغراس شرف الدين الحموي، بموضع يقال له: العمق، متوسط بين أنطاكية وتيزين وبغراس، ينزله التركمان بمواشيهم، لخصبه وسعته.
● [ ذكر الحصون ] ●

ثم سافرت إلى حصن القصير : تصغير قصر، وهو حصن حسن، أميره علاء الدين الكردي، وقاضيه شهاب الدين الأرمنتي من أهل الديار المصرية، ثم سافرت إلى حصن الشغربكاس، " وضبط اسمه بضم الشين المعجم وإسكان الغين المعجم وضم الراء والباء الموحدة وآخره سين مهملة "، وهو منيع في رأس شاهق، أميره سيف الدين الطنطاش فاضل، وقاضيه جمال الدين بن شجرة، من أصحاب ابن تيمية. ثم سافرت إلى مدينة صهيون، وهي مدينة حسنة بها الأنهار المطردة، والأشجار المورقة، ولها قلعة جيدة، وأميرها يعرف بالإبراهيمي، وقاضيها محيي الدين الحمصي، وبخارجها زاوية في وسط بستان فيها الطعام للوارد والصادر وهي على قبر الصالح العابد عيسى البدوي رحمه الله، وقد زرت قبره. ثم سافرت منها، فمررت بحصن القدموس، " وضبط اسمه بفتح القاف وإسكان الدال المهمل وضم الميم وآخره سين مهمل "، ثم بحصن المينقة، " وضبط اسمه بفتح الميم وإسكان الياء وفتح النون والقاف "، ثم بحصن العليقة، واسمه على لفظ واحدة العليق، ثم بحصن مصياف " وصاده مهملة "، ثم بحصن الكهف. وهذه الحصون لطائفة يقال لهم : الإسماعيلية، ويقال لهم الفداوية. ولا يدخل عليهم أحد من غيرهم. وهم سهام الملك الناصر، بهم يصيب من يعدو عنه من أعدائه بالعراق وغيرها، ولهم المرتبات. وإذا أراد السلطان أن يبعث أحدهم إلى اغتيال عدو له أعطاه ديته، فإن سلم بعد تأتي ما يراد منه فهي له، وإن أصيب فهي لولده. ولهم سكاكين مسمومة يضربون بها من بعثوا إلى قتله. وربما لم تصح حيلهم فقتلوا. كما جرى لهم مع الأمير قراسنقور. فإنه لما هرب إلى العراق بعث إليه الملك الناصر جملة منهم فقتلوا ولم يقدروا عليه لأخذه بالحزم.
حكاية
كان قراسنقور من كبار الأمراء، وممن حضر قتل الملك الأشرف أخي الملك الناصر، وشارك فيه. ولما تمهد الملك للملك الناصر، وقربه القرار، واشتدت أواخي سلطانه، جعل يتتبع قتلة أخيه، فيقتلهم واحداً واحداً، إظهاراً للأخذ بثأر أخيه، وخوفاً أن يتجاسروا عليه بما تجاسروا على أخيه. وكان قراسنقور أمير الأمراء بحلب. فكتب الملك الناصر إلى جميع الأمراء أن ينفروا بعساكرهم. وجعل لهم ميعاداً يكون فيه اجتماعهم بحلب، ونزولهم عليها، حتى يقبضوا عليه. فلما فعلوا ذلك، خاف قراسنقور على نفسه، وكان له ثمانمائة مملوك، فركب فيهم، وخرج على العساكر صباحاً، فاخترقهم وأعجزهم سبقاً. وكانوا في عشرين ألفاً، وقصد منزل أمير العرب مهنا بن عيسى، وهو على مسيرة يومين من حلب. وكان مهنا في قنص له، فقصد بيته، ونزل عن فرسه، وألقى العمامة في عنق نفسه، ونادى الجوار يا أمير العرب، وكانت هنالك أم الفضل زوج مهنا وبنت عمه فقالت له : قد أجرناك وأجرنا من معك. فقال : إنما أطلب أولادي ومالي. فقالت له: لك ما تحب، فانزل في جوارنا. ففعل ذلك. وأتى مهنا، فأحسن نزله وحكمه في ماله. فقال : إنما أحب أهلي ومالي الذي تركته بحلب. فدعا مهنا بإخوته وبني عمه، فشاورهم في أمره. فمنهم من أجابه إلى ما أراد، ومنهم من قال : كيف نحارب الملك الناصر، ونحن في بلاده بالشام ، فقال لهم مهنا : أما أنا فأفعل لهذا الرجل ما يريده، وأذهب معه إلى سلطان العراق. وفي أثناء ذلك ورد عليهم خبر بأن أولاد قراسنقور سيروا على البريد إلى مصر. فقال مهنا لقراسنقور : أما أولادك فلا حيلة فيهم، وأما مالك فنجتهد في خلاصه. فركب فيمن أطاعه من أهله، واستنفر من العرب نحو خمسة وعشرين ألفاً، وقصدوا حلباً، فأحرقوا باب قلعتها، وتغلبوا عليها، واستخلصوا منها مال قراسنقور ومن بقي من أهله، ولم يتعدوا إلى سوى ذلك. وقصدوا ملك العراق، وصحبهم أمير حمص الأفرم. ووصلوا إلى الملك محمد خدابنده سلطان العراق، وهو بموضع مصيفه المسمى قراباغ " بفتح القاف والراء والباء الموحدة والغين المعجمة "، وهو ما بين السلطانية وتبريز، فأكرم نزلهم، وأعطى مهنا عراق العراق، وأعطى قراسنقور مدينة مراغة من عراق العجم، وتسمى دمشق الصغيرة، وأعطى الأفرم همدان. وأقاموا عنده مدة مات فيها الأفرم. وعاد مهنا إلى الملك الناصر بعد مواثيق وعهود، أخذها منه. وبقي قراسنقور على حاله. وكان الملك الناصر يبعث له الفداوية مرة بعد مرة، فمنهم من يدخل عليه داره فيقتل دونه، ومنهم من يرمي بنفسه عليه وهو راكب فيضربه. وقتل بسببه من الفداوية جماعة وكان لا يفارق الدرع أبداً، ولا ينام إلا في بيت العود والحديد. فلما مات السلطان محمد وولى ابنه أبو سعيد وقع ما سنذكره من أمر الجوبان، كبير أمرائه، وفرار ولده الدمرطاش إلى الملك الناصر. ووقعت المراسلة بين الملك الناصر وبين أبي سعيد، واتفقا على أن يبعث أبو سعيد إلى الملك الناصر برأس قرا سنقور، ويبعث إليه الملك الناصر برأس الدمرطاش. فبعث الملك الناصر براس الدمرطاش إلى أبي سعيد، فلما وصله أمر بحمل قراسنقور إليه، فلما عرف قراسنقور بذلك أخذ خاتماً كان له مجوفاً، في داخله سم ناقع، فنزع فصه، وامتص ذلك السم فمات لحينه، فعرف أبو سعيد بذلك الملك الناصر، ولم يبعث له برأسه. ثم سافرت من حصون الفداوية إلى مدينة جبلة، وهي ذات أنهار مطردة وأشجار، البحر على نحو ميل منها. وبها قبر الولي الصالح الشهير إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه، وهو الذي نبذ الملك، وانقطع إلى الله تعالى، حسبما شهر ذلك. ولم يكن إبراهيم من بيت ملك كما يظنه الناس إنما ورث الملك عن جده أبي أمه. وأما أبوه أدهم فكان من الفقراء الصالحين السائحين المتعبدين الورعين المنقطعين.
حكاية أدهم
يذكر أنه مر ذات يوم ببساتين مدينة بخارى، وتوضأ من بعض الأنهار التي تتخللها، فإذا بتفاحة يحملها ماء النهر. فقال : هذه لا خطر لها. فأكلها، ثم وقع في خاطره من ذلك وسواس، فعزم على أن يستحل من صاحب البستان، فقرع باب البستان فخرجت إليه جارية. فقال : أدعي لي صاحب المنزل فقالت إنه لامرأة. فقال : استأذني لي عليها، ففعلت فأخبر المرأة بخبر التفاحة. فقالت له : إن هذا البستان نصفه لي، ونصفه للسلطان، والسلطان يومئذ ببلخ، وهي على مسيرة عشرة من بخارى وأحلته المرأة من نصفها، وذهب إلى بلخ فاعترض السلطان في موكبه فأخبره الخبر، واستحله. فأمره أن يعود إليه من الغد. وكان للسلطان بنت بارعة الجمال، قد خطبها أبناء الملوك فتمنعت وحببت إليها العبادة وحب الصالحين. وهي تحب أن تتزوج من ورع زاهد في الدنيا. فلما عاد السلطان إلى منزله أخبر ابنته بخبر أدهم، وقال : ما رأيت أورع من هذا، يأتي من بخارى إلى بلخ لأجل نصف تفاحة. فرغبت في تزوجه. فلما أتاه من الغد، قال : لا أحلك إلا أن تتزوج ببنتي. فانقاد لذلك بعد استعصاء، وتمنع، فتزوج منها، فلما دخل عليها وجدها متزينة، والبيت مزين بالفرش وسواها. فعمد إلى ناحية من البيت، وأقبل على صلاته حتى أصبح، ولم يزل كذلك سبع ليال. وكان السلطان ما أحله قبل فبعث إليه أن يحله فقال لا أحلك حتى يقع اجتماعك بزوجتك. فلما كان الليل واقعها، ثم اغتسل، وقام إلى الصلاة فصاح صيحة وسجد في مصلاه فوجد ميتاً رحمه الله، وحملت منه، فولدت إبراهيم. ولم يكن لجده ولد فأسند الملك إليه. وكان من تخليه عن الملك ما اشتهر. وعلى قبر إبراهيم بن أدهم زاوية حسنة فيها بركة ماء، وبها الطعام للصادر والوارد وخادمها إبراهيم الجمحي من كبار الصالحين والناس يقصدون هذه الزاوية ليلة النصف من شعبان من سائر أقطار الشام، ويقيمون بها ثلاثاً. ويقوم بها خارج المدينة سوق عظيم، فيه من كل شيء ويقدم الفقراء المتجردون من الآفاق لحضور هذا الموسم، وكل من يأتي من الزوار لهذه التربة يعطي لخادمها شمعة، فيجتمع من ذلك قناطير كثيرة. وأكثر أهل هذه السواحل هم الطائفة النصيرية الذين يعتقدون أن علي بن أبي طالب إله، وهم لا يصلون ولا يتطهرون ولا يصومون. وكان الملك الظاهر ألزمهم بناء المساجد بقراهم، فبنوا بكل قرية مسجداً بعيداً عن العمارة ولا يدخلونه ولا يعمرونه. وربما أوت إليه مواشيهم ودوابهم وربما وصل الغريب إليهم فينزل بالمسجد ويؤذن إلى الصلاة فيقولون لا تنهق علفك يأتيك وعددهم كثير.
حكاية
ذكر لي أن رجلاً مجهولاً وقع ببلاد هذه الطائفة، فادعى الهداية، وتكاثروا عليه فوعدهم بتملك البلاد، وقسم بينهم بلاد الشام، وكان يعين لهم البلاد، يأمرهم بالخروج إليها، ويعطيهم من ورق الزيتون، ويقول لهم: استظهروا بها، فإنها كالأوامر لكم فإذا خرج أحدهم إلى بلد أحضره أميرها فيقول له: إن الإمام المهدي أعطاني هذا البلد، فيقول له: أين الأمر فيخرج ورق الزيتون. فيضرب ويحبس. ثم إنه أمرهم بالتجهيز لقتال المسلمين وأن يبدأوا بمدينة جبلة وأمرهم أن يأخذوا عوض السيوف قضبان الآس، ووعدهم أنها تصير في أيديهم سيوفاً عند القتال فغدروا مدينة جبلة، وأهلها في صلاة الجمعة، فدخلوا الدور، وهتكوا الحريم. وثار المسلمون من مسجدهم، فأخذوا السلاح وقتلوهم كيف شاءوا واتصل الخبر باللاذقية، فأقبل أميرها بهادر عبد الله بعساكره، وطيرت الحمام إلى طرابلس، فأتى أمير الأمراء بعساكره واتبعوهم حتى قتلوا منهم نحو عشرين الفاً، وتحصن الباقون بالجبال. وراسلوا ملك الأمراء والتزموا أن يعطوه ديناراً عن كل رأس، إن هو حاول إبقاءهم.وكان الخبر قد طير به الحمام إلى الملك الناصر. وصدر جوابه أن يحمل عليهم السيف. فراجعه ملك الأمراء، وألقى له أنهم عمال المسلمين في حراثة الأرض، وإنهم إن قتلوا ضعف المسلمون لذلك، فأمر بالإبقاء عليهم. ثم سافرت إلى مدينة اللاذقية وهي مدينة عتيقة على ساحل البحر. يزعمون أنها مدينة الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وكنت إنما قصدتها لزيارة الولي الصالح عبد المحسن الإسكندري - فلما وصلتها وجدته غائباً بالحجاز الشريف. فلقيت من أصحابه الشيخين الصالحين سعيد البجائي ويحيى السلاوي، وهما بمسجد علاء الدين بن البهاء، أحد فضلاء الشام وكبرائها، صاحب الصدقات والمكارم، وكان قد عمر لهما زاوية بقرب المسجد وجعل بها الطعام للوارد والصادر. وقاضيها الفقيه الفاضل جلال الدين عبد الحق المصري المالكي فاضل كريم تعلق بطيلان ملك الأمراء فولاه قضاءها.
حكاية
كان باللاذقية رجل يعرف بابن المؤيد هجاء لا يسلم أحد من لسانه، متهم في دينه، مستخف يتكلم بالقبائح من الإلحاد. فعرضت له حاجة عند طيلان ملك الأمراء، فلم يقضها له. فقصد مصر، وتقول أموراً شنيعة، وعاد إلى اللاذقية. فكتب طيلان إلى القاضي جلال الدين أن يتحيل في قتله بوجه شرعي، فدعاه القاضي إلى منزله وباحثه واستخرج كامن إلحده، فتكلم بعظائم أيسرها يوجب القتل، وقد أعد القاضي الشهود خلف الحجاب ليكتبوا عقداً بمقاله، وثبت عند القاضي وسجن، وأعلم ملك ألأمراء بقضيته، ثم أخرج من السجن، وخنق على بابه، ثم لم يلبث ملك الأمراء طيلان أن عزل عن طرابلس، ووليها الحاج قرطية من كبار الأمراء، وممن تقدمت له فيها الولاية، وبينه وبين طيلان عداوة، فجعل يتبع سقطاته، وقام لديه إخوة ابن المؤيد شاكين القاضي جلال الدين، فأمر به وبالشهود الذين شهدوا على ابن المؤيد فأحضروا وأمر بخنقهم، وأخرجوا إلى ظاهر المدينة حيث يخنق الناس، وأجلس كل واحد تحت مخنقته، ونزعت عمائمهم. ومن عدة أمراء تلك البلاد أنه متى أمر أحدهم بقتل أحد من الناس يمر الحاكم من مجلس الأمير سبقاً على فرسه إلى حيث المأمور بقتله، ثم يعود إلى الأمير فيكرر استئذانه يفعل ذلك ثلاثاً، فإذا كان بعد الثلاث أنفذ الأمر، فلما فعل الحاكم ذلك قامت الأمراء في المرة الثالثة وكشفوا رؤوسهم وقالوا: أيها الأمير هذه سبة في الإسلام يقتل القاضي والشهود. فقبل الأمير شفاعتهم وخلى سبيلهم. وبخارج اللاذقية الدير المعروف بدير الفاروص، وهو أعظم دير بالشام ومصر يسكنه الرهبان، ويقصده النصارى من الآفاق، وكل من نزل به من المسلمين. فالنصارى يضيفونه. وطعامهم الخبز والجبن والزيتون والخل البكر. وميناء هذه المدينة عليها سلسلة بين برجين لا يدخلها أحد، ولا يخرج منها حتى تحط له السلسلة. وهي من أحسن المراسي بالشام. ثم سافرت إلى حصن المرقب، وهو من الحصون العظيمة يماثل حصن الكرك. ومبناه على جبل شامخ، وخارجه ربض ينزله الغرباء، ولا يدخلون قلعته. وافتتحه من أيدي الروم الملك المنصور قلاوون، وعليه ولد ابنه الملك الناصر. وكان قاضيه برهان الدين المصري من أفاضل القضاة وكرمائهم، ثم سافرت إلى الجبل الأقرع وهو أعلى جبل بالشام وأول ما يظهر منها من البحر، وسكانه التركمان. وفيه العيون والأنهار. وسافرت منه إلى جبل لبنان، وهو من أخصب جبال الدنيا، فيه أصناف الفواكه وعيون الماء والظلال الوافرة، ولا يخلوا من المنقطعين إلى الله تعالى والزهاد والصالحين، وهو شهير بذلك. ورأيت به جماعة من الصالحين قد انقطعوا إلى الله تعالى مما لم يشتهر اسمه.
حكاية
أخبرني بعض الصالحين الذين لقيتهم به قال : كنا بهذا الجبل مع جماعة من الفقراء أيام البرد الشديد، فأوقدنا ناراً عظيمة، وأحدقنا بها. فقال بعض الحاضرين : يصلح لهذه النار ما يشوى فيها. فقال أحد الفقراء ممن تزدريه الأعين ولا يعبأ به : إني كنت عند صلاة العصر بمتعبد إبراهيم بن أدهم، فرأيت بمقربة منه حمار وحش قد أحدق الثلج به من كل جانب، وأظنه لا يقدر على الحراك، فلو ذهبتم إليه لقدرتم عليه وشويتم لحمه في هذه النار. قال : فقمنا إليه في خمسة رجال، فلقيناه كما وصف إلينا، فقبضناه وأتينا به أصحابنا، وذبحناه وشوينا لحمه في تلك النار، وطلبنا الفقير الذي نبه عليه فلم نجده، ولا وقعنا له على أثر، فطال عجبنا منه.
ثم وصلنا من جبل لبنان إلى مدينة بعلبك. وهي حسنة قديمة من أطيب مدن الشام، تحدق بها البساتين الشريفة والجنات المنيفة، وتخترق أرضها الأنهار الجارية، وتضاهي دمشق في خيراتها المتناهية. وبها من حب الملوك ما ليس في سواها. وبها يصنع الدبس المنسوب إليها وهو منوع من الرب يصنعونه من العنب ولهم تربة يضعونها فيه فيجمد وتكسر القلة التي يكون بها، فيبقى قطعة واحدة، وتصنع منه الحلواء، ويجعل فيها الفستق واللوز ويسمونها حلواء بالملبن، ويسمونها أيضاً بجلد الفرس. وهي كثيرة الألبان، وتجلب منها إلى دمشق، وبينهما مسيرة يوم للمجد وأما الرفاق فيخرجون من بعلبك فيبيتون ببلدة صغيرة تعرف بالزبداني، كثيرة الفواكه ويغدون منها إلى دمشق، ويصنع ببعلبك الثياب المنسوبة إليها من الأحرام وغيره، ويصنع بها أواني الخشب، وملاعقه التي لا نظير لها في البلاد، وهم يسمون الصحاف بالدسوت. وربما صنعوا الصحفة وصنعوا صحفة أخرى تسع في جوفها، وأخرى في جوفها، إلى أن يبلغوا العشرة، يخيل لرائيها أنها صحفة واحدة، وكذلك الملاعق يصنعون منهات عشرة، واحدة في جوف واحدة، ويصنعون لها غشاء من جلد، ويمسكها الرجل في حزامه، وإذا حضر طعاماً مع أصحابه أخرج ذلك، فيظن رائيه أنها ملعقة واحدة، ثم يخرج من جوفها تسعة، وكان دخولي لبعلبك عشية النهار. وخرجت منها بالغد،
ولفرط اشتياقي إلى دمشق وصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين إلى مدينة دمشق الشام، فنزلت منها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابشية، ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسناً وتتقدمها جمالاً، وكل وصف، وإن طال، فهو قاصر عن محاسنها. ولا أبدع مما قاله أبو الحسين ابن جبير رحمه الله تعالى في ذكرها قال : وأما دمشق فهي جنة المشرق، ومطلع نورها المشرق، وخاتمة بلاد الإسلام متى استقريناها ، وعروس المدن التي اجتلبناها. قد تحلت بأزاهير الرياحين وتجلت في حلل سندسية من البساتين، وحلت موضع الحسن بالمكان المكين، وتزينت في منصتها أجمل تزيين، وتشرفت بأن أوى المسيح عليه السلام وأمه منها إلى ربوة منها ذات قرار ومعين وظل ظليل، وماء سلسبيل : تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم هلموا إلى معرس للحسن ومقيل، وقد سئمت أرضها كثرة الماء، حتى اشتاقت إلى الظماء. فتكاد تناديك بها الصم والصلاب : اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب. وقد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر والآكام بالثمر، وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، وكل موضع لحظت بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد البصر ولله صدق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي تساميها وتحاذيها.
وذكر شيخنا المحدث الرحال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جابر بن حسان القيسي الوادي آشي، نزيل تونس : نص كلام ابن جبير، ثم قال : ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد. وتتوق الأنفس للتطلع على صورتها بما أفاد. هذا وإن لم تكن له بها إقامة. فيعرب عنها بحقيقة وعلامة. ولا وصف ذهبيات أصيلها. وقد حان من الشمس غروبها ولا أزمان جفولها المنوعات. ولا أوقات شرورها المنبهات، وقد اختص من قال : ألفيتها كما تصف الألسن. وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. قال ابن جزي : والذي قالته الشعراء في وصف محاسن دمشق لا يحصر كثرة.
وأهل دمشق لا يعملون يوم السبت عملاٌ، إنما يخرجون إلى المتنزهات وشطوط الأنهار ودوحات الأشجار، بين البساتين النضرة والمياه الجارية فيكونون بها يومهم إلى الليل، وقد طال بنا الكلام في محاسن دمشق فلنرجع إلى كلام الشيخ أبي عبد الله.


رحلات إبن بطوطة
الجزء الأول
منتدى توتة وحدوتة - البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 23 يناير 2019 - 20:07