الأحاديث: العشرون والحادي والعشرون والثاني والعشرون

شاطر
avatar
الرسالة
Admin

عدد المساهمات : 3292
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

الأحاديث: العشرون والحادي والعشرون والثاني والعشرون

مُساهمة من طرف الرسالة في الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 - 9:24


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث العشرون ] ●

عَنْ أبي مَسعودٍ البَدريِّ - رضي الله عنه - ، قال : قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلام النُّبُوَّةِ الأُولى : إذا لَم تَستَحْيِ ، فاصْنَعْ ما شِئْتَ ).
رَواهُ البُخاريُّ .

الشرح
هذا الحديثُ خرَّجه البخاري من رواية منصور بن المعتمر ، عن ربعي بن حِراش ، عن أبي مسعود ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -(1) ، وأظنُّ أنَّ مسلماً لم يخرِّجه ؛ لأنَّه قد رواه قوم ، فقالوا : عن رِبعي ، عن حذيفة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -(2) فاختلف في إسناده ، لكن أكثر الحفاظ حكموا بأنَّ القولَ قولُ من قال : عن أبي مسعود ، منهم : البخاري ، وأبو زرعة الرازي(3) ، والدارقطني (4) وغيرهم ، ويدلُّ على صحة ذلك أنَّه قد رُويَ من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه(5) .
وخرَّجه الطبراني من حديث أبي الطفيل ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أيضاً(6).
__________
(1) في صحيحه 4/215 ( 3483 ) و( 3484 ) و8/35 ( 6120 ) وفي " الأدب المفرد " ، له ( 597 ) و( 1316 ) .
(2) أخرجه : أحمد 5/383 و405 ، والبزار كما في " كشف الأستار " ( 2028 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 4/371 ، والخطيب في " تاريخه " 12/135 من طرق عن حذيفة ، به .
(3) ذكره ابن أبي حاتم في " العلل " 3/161 ( 2538 ) .
(4) علل الدارقطني 6/180-181 س ( 1053 ) .
(5) أخرجه : معمر في " جامعه " ( 20149 ) .
(6) في " الأوسط " ( 9400 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
فقولُه - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ ممّا أدرك الناسُ من كلام النبوَّةِ الأولى ) يشيرُ إلى أنَّ هذا مأثورٌ عن الأنبياء المتقدمين، وأنَّ الناس تداولوه بينهم ، وتوارثوه عنهم قرناً بعد قرنٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ النبوات المتقدِّمة جاءت بهذا الكلام ، وأنَّه اشتهر بَيْنَ الناسِ حتى وصل إلى أوَّل هذه الأمة . وفي بعض الروايات قال : ( لم يدركِ الناسُ مِنْ كلام النبوَّةِ الأولى إلاَّ هذا ) . خرَّجها حميدُ بن زنجويه وغيره .
وقوله : ( إذا لم تستحي ، فاصنع ما شئت ) في معناه قولان :
أحدهما : أنَّه ليس بمعنى الأمر : أنْ يصنع ما شاء ، ولكنه على معنى الذمِّ والنهي عنه ، وأهل هذه المقالة لهم طريقان :
أحدهما : أنَّه أمرٌ بمعنى التهديد والوعيد ، والمعني : إذا لم يكن لك حياء ، فاعمل ما شئت ، فإنَّ الله يُجازيك عليه ، كقوله : { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (1) ، وقوله : { فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ } (2) وقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
: ( من باع الخمر ، فَليُشَقِّص الخنازير )(3) ، يعني : ليقطعها إما لبيعها أو لأكلها ، وأمثلته متعدِّدة وهذا اختيارُ جماعة ، منهم : أبو العباس ثعلب .
__________
(1) فصلت : 40 .
(2) الزمر : 15 .
(3) أخرجه : الحميدي ( 760 ) ، وأحمد 4/253 ، والدارمي ( 2102 ) ، وأبو داود ( 3489 ) ، والطبراني في " الكبير " 20/( 884 ) وفي " الأوسط " ، له ( 8532 ) ، والبيهقي 6/12 ، وإسناده ضعيف لجهالة حال عمر بن بيان التغلبي .
قوله : ( فليشقص الخنازير ) معناه : فليقطع الخنازير قطعاً ويعضيها إعضاءاً كما يفعل بالشاة إذا بيع لحمها، المعنى: من استحل بيع الخمر ، فلْيستحل بيع الخنازير ، فإنَّهما في التحريم سواء ، وهذا لفظ معناه النهي ، تقديره : من باع الخمر فليكن للخنازير قصاباً . انظر : لسان العرب 7/163 .
● [ الصفحة التالية ] ●
والطريق الثاني : أنَّه أمرٌ ، ومعناه : الخبر ، والمعنى : أنَّ من لم يستحي ، صنع ما شاء ، فإنَّ المانعَ من فعل القبائح هو الحياء ، فمن لم يكن له حياءٌ ، انهمك في كُلِّ فحشاء ومنكر ، وما يمتنع من مثله من له حياء على حدِّ قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( مَنْ كَذَب عليَّ متعمداً(1) ، فليتبوَّأ مقعده من النارِ )(2) ، فإنَّ لفظه لفظُ الأمر ، ومعناه الخبر ، وإنَّ من كذب عليه تبوأ مقعده من النار ، وهذا اختيارُ أبي عبيد القاسم بن سلام - رحمه الله - ، وابنِ قتيبة ، ومحمدِ بن نصر المروزي وغيرهم ، وروى أبو داود عن الإمام أحمد ما يدلُّ على مثل هذا القول .
وروى ابنُ لهيعة ، عن أبي قَبيل ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا أبغض الله عبداً ، نزَعَ مِنْهُ الحَياءَ ، فإذا نزع منه الحياءَ لم تلقه إلا بغيضاً متبغِّضاً ، ونزع منه الأمانة ، فإذا نزع منه الأمانة نزع منه الرَّحمة ، فإذا نزع منه الرَّحمةَ نزع منه رِبْقَةَ الإسلام ، فإذا نزع منه رِبقةَ الإسلام ، لم تلقه إلا شيطاناً مريداً )(3) . خرَّجه حميدُ بنُ زنجويه ، وخرَّجه ابنُ ماجه بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعاً أيضاً(4) .
__________
(1) سقطت من ( ج ) .
(2) أخرجه : الطيالسي ( 2420 ) ، وأحمد 2/410 و469 و519 ، والدارمي ( 559 ) ، والبخاري 1/38 ( 110 ) و8/54 ( 6197 ) ، ومسلم 1/7 ( 2 ) ( 3 ) من حديث أبي هريرة ، به ، وهو حديث متواتر انظر تخريج بعض طرقه في تعليقي على " شرح التبصرة والتذكرة " 1/148-149 .
(3) أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 7724 ) ، وطبعة الرشد ( 8328 ) ، وابن لهيعة ضعيف .
(4) في " سننه " ( 4054 ) .
في إسناده سعيد بن سنان ، قال النسائي في " الضعفاء والمتروكين " ( 268 ) : ( متروك الحديث ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وعن سلمانَ الفارسي قال : إنَّ الله إذا أرادَ بعبدٍ هلاكاً ، نزَعَ منه الحياءَ ، فإذا نزعَ منه الحياءَ ، لم تلقه إلاَّ مقيتاً مُمقَّتاً، فإذا كان مقيتاً ممقتاً، نزع منه الأمانةَ ، فلم تلقه إلا خائناً مخوَّناً ، فإذا كان خائناً مخوناً ، نزع منه الرحمة ، فلم تلقه إلا فظاً غليظاً ، فإذا كان فظاً غليظاً ، نزع رِبْقَ الإيمان من عنقه ، فإذا نزع رِبْقَ الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطاناً لعيناً ملعناً(1) .
وعن ابن عباس قال : الحياءُ والإيمانُ في قَرَنٍ ، فإذا نُزِعَ الحياءُ ، تبعه الآخر . خرّجه كله حميدُ بنُ زنجويه في كتاب " الأدب " .
وقد جعل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحياءَ مِنَ الإيمان كما في " الصحيحين " (2) عن ابن عمر : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على رجلٍ وهو يُعاتِبُ أخاه في الحياء يقولُ : إنَّك لتستحيي ، كأنَّه يقول : قد أضرَّ بك ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( دَعْهُ ، فإنَّ الحياءَ مِنَ الإيمانِ ) (3).
وفي " الصحيحين " (4) عن أبي هُريرة قال : ( الحياءُ شُعبةٌ من الإيمان ) .
وفي " الصحيحين " (5) عن عمران بن حصين ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الحياءُ لا يأتي إلاَّ بخيرٍ ) ، وفي روايةٍ لمسلم قال : ( الحياء خيرٌ كلُّه ) ، أو قال : ( الحياءُ كلُّه خير ) .
__________
(1) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 1/204 .
(2) صحيح البخاري 8/35 ( 6118 ) ، وصحيح مسلم 1/46 ( 36 ) ( 59 ) .
(3) بعد هذا في ( ص ) : ( ولفظه للبخاري ) .
(4) صحيح البخاري 1/9 ( 9 ) ، وصحيح مسلم 1/46 ( 35 ) ( 57 ) و( 58 ) .
(5) صحيح البخاري 8/35 ( 6117 ) ، وصحيح مسلم 1/46 ( 37 ) ( 60 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخرَّج الإمام أحمد(1) والنسائي(2) من حديث الأشج العصري قال : قال لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ فيك لخُلُقَيْن يُحبُّهما الله ) قلت : ما هما ؟ قال : ( الحِلْمُ والحياء ) قلت : أقديماً كان أو حديثاً ؟ قال : ( بل قديماً ) ، قلت : الحمد لله الذي جعلني على خُلُقين يحبهما الله .
وقال إسماعيل بن أبي خالد : دخل عيينة بنُ حِصنٍ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعنده رجلٌ فاستسقى ، فأُتِيَ بماءٍ فشرب ، فستره النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما هذا ؟ قال : ( الحياء خلَّةٌ أوتوها ومُنِعْتُموها )(3) .
واعلم أنَّ الحياء نوعان :
أحدهما : ما كان خَلْقاً وجِبِلَّةً غيرَ مكتسب ، وهو من أجلِّ الأخلاق التي يَمْنَحُها الله العبدَ ويَجبِلُه عليها ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - : ( الحياء لا يأتي إلاَّ بخير ) ، فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءةِ الأخلاق ، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها ، فهو مِنْ خصال الإيمان بهذا الاعتبار ، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنَّه قال : من استحيى اختفى ، ومن اختفى اتقى ، ومن اتقى وُقي .
وقال الجَرَّاح بنُ عبد الله الحكمي - وكان فارس أهل الشام - : تركتُ الذنوب حياءً أربعين سنة ، ثم أدركني الورع(4) . وعن بعضهم قال : رأيتُ المعاصي نذالةً ، فتركتها مُروءةً ، فاستحالت دِيانة(5) .
__________
(1) في " مسنده " 4/205 ، وهو حديث صحيح .
(2) في " الكبرى " ( 7746 ) و( 8306 ) .
(3) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 25347 ) .
(4) انظر : سير أعلام النبلاء 5/190 .
(5) هذه العبارة من كلام ابن سمعون . انظر : تاريخ بغداد 1/275 ، وصفة الصفوة 2/472 .
● [ الصفحة التالية ] ●
والثاني : ما كان مكتسباً من معرفة اللهِ ، ومعرفة عظمته وقربه من عباده ، واطلاعه عليهم ، وعلمِه بخائنة الأعين وما تُخفي الصدور ، فهذا من أعلى خصالِ الإيمان ، بل هو مِنْ أعلى درجات الإحسّان ، وقد تقدَّم أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لِرجل : ( استحي مِنَ اللهِ كما تستحي رجلاً مِنْ صالحِ عشيرتِكَ )(1) .
وفي حديث ابن مسعود : ( الاستحياءُ مِنَ الله أنْ تحفَظَ الرَّأسَ وما وعى ، والبطن وما حوى ، وأنْ تذكر الموتَ والبِلَى ، ومن أراد الآخرة تركَ زينةَ الدُّنيا ، فمن فعل ذلك ، فقد استحيى مِنَ الله ) خرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي مرفوعاً(2) .
وقد يتولَّدُ من الله الحياءُ من مطالعة نِعمه ورؤية التقصير في شكرها ، فإذا سُلِبَ العبدُ الحياءَ المكتسب والغريزي لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح ، والأخلاق الدنيئة ، فصار كأنَّه لا إيمانَ له . وقد روي من مراسيل الحسن ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الحياء حياءانِ : طَرَفٌ من الإيمان ، والآخر عجز ) ولعله من كلام الحسن ، وكذلك قال بُشَير بن كعب العدوي لِعمران بن حصين : إنا نجد في بعض الكتب أنَّ منه سكينةً ووقاراً لله ، ومنه ضعف ، فغضب عِمران وقال : أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعارض فيه ؟(3)
والأمر كما قاله عِمران - رضي الله عنه - ، فإنَّ الحياءَ الممدوح في كلام النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما يُريد به الخُلُقَ الذي يَحُثُّ على فعل الجميل ، وتركِ القبيح ، فأمَّا الضعف والعجزُ الذي يوجب التقصيرَ في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده ، فليس هو من الحياء ، إنَّما هو ضعفٌ وخَوَرٌ ، وعجزٌ ومهانة ، والله أعلم .
__________
(1) تقدم تخريجه .
(2) تقدم تخريجه عند الحديث الثاني عشر .
(3) تقدم تخريجه عند حديث عمران .
● [ الصفحة التالية ] ●
والقول الثاني في معنى قوله : ( إذا لم تستحي ، فاصنع ما شئت )(1) : أنّه أمر بفعل ما يشاء على ظاهرِ لفظه ، وأنَّ المعنى : إذا كان الذي تريدُ فعله مما لا يُستحيى من فعله ، لا من الله ولا من الناس ، لكونه من أفعال الطاعات ، أو من جميل الأخلاق والآداب المستحسنة ، فاصنعْ منه حينئذٍ ما شئتَ ، وهذا قولُ جماعةٍ من الأئمة ، منهم : أبو إسحاق المروزي الشافعي ، وحُكي مثله عن الإمام أحمد ، ووقع كذلك في بعض نسخ " مسائل أبي داود " المختصرة عنه ، ولكن الذي في النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبلُ ، وكذلك رواه عنه الخلال في كتاب " الأدب " ، ومن هذا قولُ بعض السَّلف - وقد سئل عن المروءة - فقال : أنْ لا تعملَ في السرِّ شيئاً تستحيي منه في العلانية ، وسيأتي قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( الإثم ما حاكَ في صدرك ، وكرهتَ أنْ يطَّلع عليه الناس )(2) في موضعه من هذا الكتاب إنْ شاء الله تعالى .
وروى عبد الرازق في " كتابه " (3) ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن رجلٍ من مزينة قال : قيلَ : يا رسولَ الله ، ما أفضلُ ما أوتي الرجلُ المسلم ؟ قال: ( الخلق الحسن ) ، قال : فما شرُّ ما أُوتي المسلم ؟ قال : ( إذا كرهتَ أنْ يُرى عليكَ شيءٌ في نادي القوم ، فلا تفعله إذا خلوتَ ) .
وفي " صحيح ابن حبان " (4) عن أسامةَ بنِ شريك قال : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما كرهَ الله منكَ شيئاً ، فلا تفعله إذا خلوتَ ) .
__________
(1) تقدم تخريجه .
(2) سيأتي تخريجه عند الحديث السابع والعشرين .
(3) " الجامع لمعمر " ( 20151 ) .
(4) الإحسان ( 403 ) ، وإسناده ضعيف لضعف مؤمل بن إسماعيل .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخرَّج الطبرانيُّ(1) من حديثِ أبي مالكٍ الأشعري قال : قلت : يا رسول اللهِ ما تمامُ البرِّ ؟ قال : ( أنْ تعملَ في السرِّ عملَ العلانية ) . وخرَّجه أيضاً من حديث أبي عامر السكوني(2) ، قال : قلت : يا رسولَ الله ، فذكره .
وروى عبد الغني بنُ سعيد الحافظ في كتاب " أدب المحدّث " بإسناده عن حرملةَ بنِ عبد الله ، قال : أتيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لأزداد مِنَ العلمِ ، فقمتُ بين يديه ، فقلت : يا رسولَ اللهِ ، ما تأمُرني أنْ أعملَ به ؟ قال : ( ائتِ المعروفَ ، واجتنبِ المنكرَ، وانظر الذي سمعته أُذُنُكَ مِنَ الخير يقولُه القومُ لك إذا قمتَ من عندهم فأتِه ، وانظرِ الذي تكره أنْ يقولَه القومُ لك إذا قمتَ مِنْ عندهم ، فاجتنبه ) قال : فنظرت فإذا هما أمران لم يتركا شيئاً : إتيانُ المعروف ، واجتنابُ المنكر(3) .
وخرَّجه ابن سعد في " طبقاته " (4) بمعناه .
وحكى أبو عبيد في معنى الحديث قولاً آخر حكاه عن جرير قال : معناه أنْ يُريدَ الرجلُ أنْ يعملَ الخيرَ ، فيدعهُ حياءً من الناس كأنَّه يخاف الرِّياء ، يقول : فلا يمنعك الحياءُ مِنَ المُضيِّ لما أردت ، كما جاء في الحديث : ( إذا جاءك الشيطانُ وأنت تُصلِّي ، فقال : إنَّك تُرائي ، فزدها طولاً )(5) ثم قال أبو عُبيد : وهذا الحديث ليس يجيء سياقُه ولا لفظُه على هذا التفسير ، ولا على هذا يحمله الناس .
قلت : لو كان على ما قاله جرير ، لكان لفظُ الحديث : إذا استحييتَ مما لا يُستحيى منه فافعل ما شئتَ ، ولا يخفى بُعْدُ هذا من لفظ الحديث ومعناه ، والله أعلم .
__________
(1) في " الكبير " ( 3420 ) ، وهو ضعيف لضعف ابن لهيعة وعبد الرحمان الإفريقي ، وانظر : مجمع الزوائد 10/290 .
(2) في " الكبير " 22/( 800 ) ، وهو ضعيف أيضاً وعلته علة سابقه .
(3) أخرجه : البخاري في " الأدب المفرد " ( 222 ) ، وهو حديث ضعيف .
(4) الطبقات 1/320 ، وهو ضعيف كذلك .
(5) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 35 ) ، وابن أبي شيبة ( 8357 ) وطبعة الرشد
( 8434 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 4/132 من قول الحارث بن قيس .
● [ تم شرح الحديث ] ●

avatar
الرسالة
Admin

عدد المساهمات : 3292
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

الحديث الحادي والعشرون

مُساهمة من طرف الرسالة في الأربعاء 9 يناير 2019 - 9:42


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث الحادي والعشرون ] ●

عَنْ سُفيانَ بن عبدِ اللهِ - رضي الله عنه - ، قالَ : قُلتُ : يا رَسولَ اللهِ ، قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عَنْهُ أحداً غَيرَكَ ، قال : ( قُلْ : آمَنْتُ باللهِ ، ثمَّ استقِمْ ).
رواه مُسلم .

الشرح
هذا الحديث خرَّجه مسلم(1) من رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن سفيان وسفيان : هو ابنُ عبد الله الثقفي الطائفي له صحبة ، وكان عاملاً لعمرَ بنِ الخطَّاب على الطائف .
وقد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوهٍ أخَرَ بزيادات ، فخرَّجه الإمام أحمد ، والترمذي وابن ماجه من رواية الزهري ، عن محمد بن عبد الرحمان بن ماعز(2) ، وعند الترمذي : عبد الرحمان بن ماعز ، عن سفيان بن عبد الله قال : قلتُ : يا رسولَ الله ، حَدِّثني بأمرٍ أعتصمُ به ، قال : ( قل : ربي الله ، ثم استقم ) ، قلتُ : يا رسول اللهِ ، ما أخوفُ ما تخاف عليَّ ؟ فأخذ بلسان نفسه ، ثم قال: ( هذا ) ، وقال الترمذي : حسن صحيح(3) .
__________
(1) في " صحيحه " 1/47 ( 38 ) ( 62 ) .
وأخرجه : ابن أبي شيبة ( 679 ) ، وأحمد 3/413 ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 21 ) وفي " الآحاد والمثاني " ، له ( 1584 ) ، والبغوي ( 16 ) من طرق عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن سفيان بن عبد الله ، به .
(2) أخرجه : أحمد 3/413 ، وابن ماجه ( 3972 ) .
(3) أخرجه : الترمذي ( 2410 ) ، وقال : ( هذا حديث حسن صحيح ، وقد روي من غير وجه عن سفيان بن عبد الله الثقفي ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخرَّجه الإمام أحمد ، والنَّسائي(1) من رواية عبدِ الله بن سفيان الثقفي ، عن أبيه: أنَّ رجلاً قال : يا رسولَ الله ، مُرني بأمرٍ في الإسلام لا أسألُ عنه أحداً بعدَك ، قال : ( قل : آمنتُ بالله ، ثم استقم ) . قلت : فما أتَّقي ؟ فأومأ إلى لسانه(2) .
قول سفيان بن عبد الله للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدَك ) طلب منه أنْ يُعلمه كلاماً جامعاً لأمر الإسلام كافياً حتّى لا يحتاجَ بعدَه إلى غيره ، فقالَ لهُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( قل : آمنتُ باللهِ ، ثُمَّ استقم ) ، وفي الرواية الأخرى : ( قل : ربي الله ، ثُمَّ استقم ) . هذا منتزع من قوله - عز وجل - : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } (3) ، وقوله - عز وجل - : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (4) .
__________
(1) زاد بعدها في ( ص ) : ( وابن ماجه ) .
(2) أخرجه : أحمد 3/413 و4/384 ، والنسائي في " الكبرى " ( 11489 ) و( 11490 ) وفي " التفسير " ، له ( 509 ) ( 510 ) .
(3) فصلت : 30 .
(4) الأحقاف : 13-14 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخرَّج النَّسائي في " تفسيره "(1) من رواية سهيل بن أبي حزم : حدثنا ثابت ، عن أنس : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قرأ : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } ، فقال: ( قد قالها الناسُ ، ثم كفروا ، فمن مات عليها فهو مِن أهل الاستقامة ) . وخرَّجه الترمذي(2)، ولفظه : فقال : ( قد قالها الناس ، ثم كفر أكثرُهم ، فمن مات
عليها ، فهو مِمَّنِ استقامَ ) ، وقال : حسن غريب ، وسهيل تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ حفظه(3) .
وقال أبو بكر الصديق في تفسير { ثُمَّ اسْتَقَامُوا } قال: لم يشركُوا بالله شيئاً. وعنه قال : لم يلتفتوا إلى إله غيره . وعنه قال : ثم استقاموا على أنَّ الله رَبُّهم(4) .
وعن ابن عباس بإسنادٍ ضعيفٍ قال : هذه أرخصُ آيةٍ في كتاب الله { قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } على شهادة أنْ لا إله إلا الله(5)
__________
(1) التفسير ( 490 ) وفي " الكبرى " ، له ( 11470 ) .
(2) في " الجامع الكبير " ( 3250 ) وقال : ( حديث غريب … ) ، وفي بعض النسخ: ( حسن غريب ) .
(3) قال عنه أحمد بن حنبل : ( روى عن تائب أحاديث منكرة ) ، وقال أبو حاتم : ( ليس بالقوي ، يكتب حديثه ولا يحتج به … ) .
انظر : الضعفاء 2/154 ، والجرح والتعديل 4/230 ( 6183 ) ، والكامل 4/526 ، وتهذيب الكمال 3/330 ( 2611 ) .
(4) أخرجه : ابن المبارك في " الزهد " ( 326 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 23551 ) و( 23552 ) .
(5) ذكره : السيوطي في " الدر المنثور " 5/682 وعزاه للبيهقي في " الأسماء والصفات " وضعفه بسبب حفص بن عمر العدني . انظر : الضعفاء والمتروكون ( 133 ) .
وقول مجاهد والأسود بن هلال والسدي وعكرمة ذكره الطبري في " تفسيره " ( 23553 ) و( 23555 ) و( 23556 ) و( 23557 ) ، والقرطبي في " تفسيره " 15/358 ، والسيوطي في " الدر المنثور " 5/682 .
● [ الصفحة التالية ] ●
. وروي نحوه عن أنس ، ومجاهد ، والأسود بن هلال ، وزيد بن أسلم ، والسُّدِّيِّ ، وعكرمة ، وغيرهم .
ورُوي عن عمر بن الخطاب أنَّه قرأ هذه الآية على المنبر { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } فقال : لم يَروغوا رَوَغَانَ الثَّعلب(1) .
وروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى { ثُمَّ اسْتَقَامُوا } قال : استقاموا على أداءِ فرائضه(2) .
وعن أبي العالية ، قال : ثمَّ أخلصوا له الدينَ والعملَ(3) .
وعن قتادة قال : استقاموا على طاعة الله ، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال : اللهمَّ أنت ربنا فارزقنا الاستقامة(4) .
ولعل من قال : إنَّ المرادَ الاستقامة على التوحيد إنَّما أرادَ التوحيدَ الكاملَ الذي يُحرِّمُ صاحبَه على النار ، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله ، فإنَّ الإله هو الذي يُطاعُ ، فلا يُعصى خشيةً وإجلالاً ومهابةً ومحبةً ورجاءً وتوكُّلاً ودعاءً ، والمعاصي كلُّها قادحة في هذا التوحيد ؛ لأنَّها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان ، قال الله - عز وجل - : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } (5) قالَ الحسن وغيره : هوَ الذي لا يهوى شيئاً إلاَّ ركبه(6) ، فهذا يُنافي الاستقامة على التوحيد .
__________
(1) ذكره : ابن المبارك في " الزهد " ( 325 ) ، وأحمد بن حنبل في " الزهد " ( 601 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 23558 ) ، والقرطبي في " تفسيره " 15/358 .
(2) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 23560 ) .
(3) ذكره : ابن كثير في " تفسيره " 7/165 .
(4) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 23559 ) .
(5) الجاثية : 23 .
(6) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 24134 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وأما على رواية من روى : ( قُلْ : آمنْتُ بالله ) فالمعنى أظهر ؛ لأنَّ الإيمانَ يدخل فيه الأعمالُ الصالحة عند السَّلف ومن تابعهم من أهلِ الحديث(1) ، وقال الله - عز وجل -: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } (2).
فأمره أنْ يستقيمَ هوَ ومن تاب معه ، وأنْ لا يُجاوزوا ما أُمِروا به ، وهو الطغيانُ ، وأخبر أنَّه بصيرٌ بأعمالهم ، مطَّلعٌ عليها ، وقال تعالى : { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } (3) . قال قتادة : أُمِرَ محمد - صلى الله عليه وسلم - أنْ يستقيمَ على أمر الله . وقال الثوري : على القرآن(4) ، وعن الحسن ، قال : لما نزلت هذه الآية شَمَّرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فما رؤي ضاحكاً . خرَّجه ابن أبي حاتم(5) .
__________
(1) قال ابن تيمية - رحمه الله - : ( وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر ، منهم : مالك بن أنس ، والليث بن سعد ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وداود بن علي ، والطبري ، ومن سلك سبيلهم ، فقالوا : الإيمان قول وعمل ، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، مع الإخلاص بالنية الصادقة … ) .
انظر : الفتاوى لابن تيمية 7/206 .
(2) هود : 112 .
(3) الشورى : 15 .
(4) ذكره : القرطبي في " تفسيره " 16/13 .
(5) ذكره : السيوطي في " الدر المنثور " 3/636 ، ونسبه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ .
● [ الصفحة التالية ] ●
وذكر القُشَيْريُّ وغيره عن بعضهم : أنَّه رأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في المنام ، فقال له : يا رسولَ الله قلتَ : ( شَيَّبَتني هُودٌ وأخواتُها ) ، فما شيَّبك منها ؟ قال : ( قوله: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } )(1) .
وقال - عز وجل - : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ } (2) .
وقد أمرَ الله تعالى بإقامةِ الدِّين عموماً كما قال : { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } (3) ، وأمر بإقام الصلاة في غير موضعٍ من كتابه ، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تلك الآيتين .
والاستقامة : هي سلوكُ الصِّراط المستقيم ، وهو الدِّينُ القيِّم من غير تعريج عنه يَمنةً ولا يَسرةً ، ويشمل ذلك فعلَ الطَّاعات كلّها ، الظاهرة والباطنة ، وتركَ المنهيات كُلِّها كذلك ، فصارت هذه الوصيةُ جامعةً لخصال الدِّين كُلِّها .
__________
(1) أخرجه : البيهقي في " شعب الإيمان " ( 2439 ) ، وهو من كلام أبي علي السري ، وأصل الحديث : ( شيبتني هود وأخواتها ) تكلمت عليه بتوسع في كتابي " الجامع في العلل " ، وهو من أوائل أحاديث الكتاب ، يسر الله إتمامه وطبعه .
(2) فصلت : 6 .
(3) الشورى : 13 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي قوله - عز وجل - { فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ } إشارةٌ إلى أنَّه لابُدَّ من تقصيرٍ في الاستقامة المأمور بها ، فيُجبَرُ ذلك بالاستغفار المقتضي للتَّوبة والرُّجوع إلى الاستقامة ، فهو كقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ : ( اتَّقِ الله حيثُما كُنت ، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تَمحُها ) (1) . وقد أخبر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الناس لن يُطيقوا الاستقامة حق الاستقامة ، كما خرَّجه الإمام أحمد ، وابن ماجه من حديث ثوبانَ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ( استَقيموا ولن تُحْصوا ، واعلموا أنَّ خيرَ أعمالكُم الصَّلاةُ ، ولا يُحافِظُ على الوضوء إلاَّ مؤمنٌ ) ، وفي روايةٍ للإمام أحمد : ( سَدِّدوا وقاربوا ، ولا يحافظُ على الوضوء إلاَّ مؤمن )(2) .
وفي "الصحيحين"(3) عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( سددوا وقاربوا ).
__________
(1) سبق تخريجه وهو الحديث الثامن عشر من هذا الكتاب .
(2) أخرجه : أحمد 5/277 و280 و282 ، وابن ماجه ( 277 ) .
وأخرجه أيضاً : مالك ( 72 ) برواية الليثي ، والطيالسي ( 996 ) ، وابن أبي شيبة ( 35 ) ، وابن أبي عمر العدني في " الإيمان " ( 22 ) و( 23 ) ، والدارمي ( 655 ) ، وابن نصر المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 168 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 1444 ) وفي " الأوسط " ، له ( 7019 ) وفي " مسند الشاميين " ، له ( 217 ) و( 1335 ) ، والحاكم 1/130 ، والبيهقي 1/82 و457 ، والخطيب في " تاريخه " 1/293 ، وابن عبد البر في "التمهيد" 24/318-319 ، والبغوي في " شرح السنة " ( 155 ) ، وهو حديث صحيح .
(3) صحيح البخاري 7/157 ( 563 ) و8/122 ( 6463 ) ، وصحيح مسلم 8/139 ( 2816 ) ( 71 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
فالسَّدادُ : هو حقيقةُ الاستقامة ، وهو الإصابةُ في جميع الأقوالِ والأعمال والمقاصد ، كالذي يرمي إلى غرض ، فيُصيبه ، وقد أمرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليَّاً أنْ يسألَ الله - عز وجل - السَّداد والهدى ، وقال له : ( اذكر بالسَّدادِ تسديدَكَ السَّهْمَ ، وبالهدى هدايَتك الطَّريق ) (1) .
والمقاربة : أنْ يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرض إذا لم يُصِبِ الغرضَ نفسَه ، ولكن بشرط أنْ يكونَ مصمِّماً على قصد السَّداد وإصابة الغرض ، فتكون مقاربتُه عن غير عمدٍ ، ويدلُّ عليه قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديث الحكم بن حزن الكُلَفي : ( أيُّها النَّاس ، إنَّكم لن تعملوا – أو لن تُطيقوا - كلَّ ما أمرتُكم ، ولكن سدِّدوا وأبشروا )(2) والمعني : اقصِدُوا التَّسديدَ والإصابةَ والاستقامةَ ، فإنَّهم لو سدَّدُوا في العمل كلِّه ، لكانوا قد فعلوا ما أُمِرُوا به كُلِّه .
__________
(1) أخرجه : الطيالسي ( 161 ) ، والحميدي ( 52 ) ، وأحمد 1/88 و134 و138 و154 ، ومسلم 8/83 ( 2725 ) ( 78 ) ، وأبو داود ( 4225 ) ، والنسائي 8/177 و219-220 ، وابن حبان ( 998 ) من طرق عن أبي بردة ، عن علي ، به.
(2) أخرجه : أحمد 4/212 ، وأبو داود ( 1096 ) ، وأبو يعلى ( 6826 ) ، وابن قانع في " معجم الصحابة " 1/207 ، والطبراني في " الكبير " ( 3165 ) ، والبيهقي 3/206 وفي " دلائل النبوة " ، له 5/354 ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " 25/140 ، والمزي في " تهذيب الكمال " 2/240 ( 1409 ) ، وهو حديث حسن .
● [ الصفحة التالية ] ●
فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيد ، كما فسر أبو بكر الصِّديق وغيرُه قولَه : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } (1) بأنَّهم لم يلتفتوا إلى غيره ، فمتى استقام القلبُ على معرفةِ الله ، وعلى خشيته ، وإجلاله ، ومهابته ، ومحبته ، وإرادته ، ورجائه ، ودعائه ، والتوكُّلِ عليه ، والإعراض عما سواه ، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعته ، فإنَّ القلبَ هو ملكُ الأعضاء ، وهي جنودهُ ، فإذا استقامَ الملك ، استقامت جنودُه ورعاياه ، وكذلك فسَّر قوله تعالى : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً } (2) بإخلاص القصد لله وإرادته وحدَه لا شريكَ له .
وأعظم ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح اللسانُ ، فإنَّه ترجمانُ القلب والمعبِّرُ عنه ، ولهذا لما أمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالاستقامة ، وصَّاه بعدَ ذلك بحفظ لسانه ، وفي " مسند الإمام أحمد " (3) عن أنس ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيم قلبُه ، ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه ) . وفي " الترمذي " (4) عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً وموقوفاً : ( إذا أصبح ابن آدم ، فإنَّ الأعضاءَ كلها تكفر اللِّسان ، فتقول : اتق الله فينا ، فإنَّما نحنُ بك ، فإنِ استقمتَ استقمنا ، وإنِ اعوجَجْتَ اعوججنا ) .
__________
(1) الأحقاف : 13 .
(2) الروم : 30 .
(3) المسند 3/198 ، وإسناده ضعيف لضعف علي بن مسعدة .
(4) الجامع الكبير ( 2407 ) و( 2407 م1 ) وقال عن الحديث الموقوف : ( وهذا أصح من حديث محمد بن موسى ) أي : الحديث المرفوع .
● [ تم شرح الحديث ] ●

avatar
الرسالة
Admin

عدد المساهمات : 3292
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

الحديث الثاني والعشرون

مُساهمة من طرف الرسالة في الأربعاء 9 يناير 2019 - 9:45


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث الثاني والعشرون ] ●

عَنْ جَابِر بنِ عبدِ الله - رضي الله عنهما - : أنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : أرأيتَ إذا صَلَّيتُ المَكتُوبَاتِ ، وصُمْتُ رَمَضانَ ، وأَحْلَلْتُ الحَلالَ ، وحَرَّمْتُ الحَرامَ ، ولم أزِدْ على ذلك شيئاً ، أأدخُلِ الجنَّةَ ؟ قالَ : ( نَعَمْ ).
رواهُ مسلم .

الشرح
هذا الحديثُ خرَّجه مسلم(1) من رواية أبي الزبير ، عن جابر ، وزاد في آخره : قالَ : والله لا أزيدُ على ذَلِكَ شيئاً . وخرَّجه أيضاً(2) من رواية الأعمش ، عن أبي صالح ، وأبي سفيان ، عن جابر قالَ : قالَ النعمان بنُ قوقل : يا رسولَ الله ، أرأيت إذا صليتُ المكتوبةَ ، وحرمتُ الحرامَ ، وأحللتُ الحلالَ ولم أزِدْ على ذَلِكَ شيئاً أَأَدخُلُ الجَنَّةَ ؟ قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( نعم ) .
وقد فسَّر بعضُهم تحليلَ الحلالِ باعتقادِ حلِّه ، وتحريمَ الحرامِ باعتقاد حُرمته مع اجتنابه(3) ، ويُحتمل أنْ يراد بتحليل الحلال إتيانُه ، ويكون الحلالُ هاهنا عبارةً عمَّا ليسَ بحرامٍ ، فيدخل فيه الواجبُ والمستحبُّ والمباحُ ، ويكونُ المعنى أنَّه يفعل ما ليس بمحرَّم عليه ، ولا يتعدَّى ما أُبيحَ له إلى غيره ، ويجتنب المحرَّمات . وقد روي عن طائفةٍ من السَّلفِ ، منهم : ابنُ مسعود وابن عباس في قوله - عز وجل - : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } (4) ، قالوا : يُحلُّون حلاله ويحرِّمون حرامَه ، ولا يُحرِّفونه عن مواضِعه(5)
__________
(1) في " صحيحه " 1/33 ( 15 ) ( 18 ) .
(2) في " صحيحه "1/33 ( 15 ) ( 17 ) .
(3) منهم : الشيخ أبو عمرو بن الصلاح . انظر : شرح صحيح مسلم للنووي 1/159 .
(4) البقرة : 121 .
(5) أخرجه : عبد الرزاق في " تفسيره " ( 113 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 1565 ) عن ابن مسعود ، به . = = ... وأخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 1563 ) ، وابن أبي حاتم في " التفسير " 1/218
( 1157 ) ، والحاكم 2/266 عن ابن عباس ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
والمرادُ بالتحليل والتحريم : فعلُ الحلال واجتنابُ الحرام كما ذُكر في هذا الحديث. وقد قال الله تعالى في حقِّ الكفار الذين كانوا يُغيرون تحريمَ الشُّهور الحُرُم : { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ } (1) ، والمراد : أنَّهم كانوا يُقاتلون في الشهر الحرام عاماً ، فيُحلونه بذلك ، ويمتنعون من القتال فيه عاماً ، فيحرِّمونَهُ بذلك(2) .
وقال الله - عز وجل - : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً } (3) وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهداً في الدنيا وتقشفاً، وبعضهم حرَّم ذلك عن نفسه ، إمَّا بيمينٍ حَلَفَ بها ، أو بتحريمه على نفسه ، وذلك كُلُّه لا يوجبُ تحريمه في نفس الأمر ، وبعضُهم امتنع منه من غير يمينٍ ولا تحريمٍ ، فسمَّى الجميع تحريماً(4) ، حيث قصد الامتناعَ منه إضراراً بالنفس ، وكفاً لها عن شهواتها . ويقال في الأمثال : فلانٌ لا يحلِّلُ ولا يحرِّمُ ، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام ، ولا يقفُ عندَ ما أُبيح له ، وإنْ كان يعتقدُ تحريمَ الحرام ، فيجعلون من فَعَلَ الحرامَ ولا يتحاشى منه مُحلِّلاً له ، وإنْ كان لا يعتقد حلّه .
__________
(1) التوبة : 37 .
(2) أخرجه : الطبري في " تفسيره " ( 12981 ) عن ابن عباس ، به .
(3) المائدة : 87-88 .
(4) انظر في ذلك : تفسير الطبري ( 9635 ) و( 9636 ) ، وتفسير ابن أبي حاتم ( 6687 ) و( 6689 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وبكلِّ حالٍ ، فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ من قام بالواجبات ، وانتهى عن المحرَّمات ، دخلَ الجنة ، وقد تواترتِ الأحاديثُ عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بهذا المعنى ، أو ما هو قريبٌ منه ، كما خرَّجهُ النَّسائي ، وابنُ حبان ، والحاكم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس ، ويصومُ رمضان ، ويُخرجُ الزَّكاة ، ويجتنبُ الكبائر السَّبعَ ، إلاَّ فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة ، يدخُلُ من أيِّها شاء ) ، ثم تلا : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } (1)(2).
وخرَّج الإمام أحمد(3) والنسائي(4) من حديث أبي أيوب الأنصاري ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( مَنْ عَبدَ الله ، لا يُشركُ به ، وأقامَ الصَّلاةَ ، وآتى الزَّكاة ، وصامَ رمضان ، واجتنبَ الكبائرَ ، فله الجنةُ ، أو دخل الجنة ) .
__________
(1) النساء : 31 .
(2) أخرجه : النسائي في " المجتبى " 5/8 ، وابن حبان ( 1748 ) ، والحاكم 1/316 و262 .
وأخرجه : البخاري في " التاريخ الكبير " 4/266 ، والطبري في " تفسيره " ( 7287 ) ، وابن خزيمة ( 315 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 477 ) ، والبيهقي 10/187 ، وإسناده ضعيف لجهالة صهيب مولى العتواري فقد تفرد بالرواية عنه نعيم المجمر .
(3) المسند 5/413 .
(4) في " المجتبى " 7/88 ، وهو حديث قويٌّ .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي " المسند " (1) عن ابنِ عباس : أنَّ ضِمَامَ بنَ ثعلبةَ وفَدَ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر له الصَّلوات الخمس ، والصيام ، والزكاة ، والحج ، وشرائع الإسلام كلها ، فلمَّا فرغ ، قال : أشهد أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً رسول الله ، وسأؤدِّي هذه الفرائض ، وأجتنبُ ما نهيتني عنه ، لا أزيدُ ولا أنقُصُ ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنْ صدقَ دخلَ الجنَّة ) . وخرَّجه الطبراني(2) مِنْ وجهٍ آخرَ ، وفي حديثه قال : والخامسة لا أَرَبَ لي فيها ، يعني : الفواحش ، ثم قال : لأعملنَّ بها ، ومن أطاعني ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لئن صدقَ ، ليدخلنَّ الجنَّة ) .
وفي " صحيح البخاري " (3) عن أبي أيوب : أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أخبرني بعمل يُدخلني الجنَّة ، قال : ( تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئاً ، وتقيمُ الصَّلاة ، وتُؤْتِي الزكاةَ ، وتَصِلُ الرَّحم ) . وخرّجه مسلم(4) إلاَّ أنَّ عنده أنَّه قال : أخبرني بعملٍ يُدنيني من الجنَّةِ ويُباعدُني من النَّارِ . وعنده في رواية : فلما أدبرَ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنْ تمسَّك بما أُمِرَ به ، دخلَ الجنَّة ) .
__________
(1) المسند 1/250 و264 و265 ، وهو حديث قويٌّ .
(2) في " الكبير " ( 8151 ) و( 8152 ) ، وفي إسناده مقال .
(3) الصحيح 2/130 ( 1396 ) و8/5-6 ( 5982 ) و8/6 ( 5983 ) .
(4) في " صحيحه " 1/31-32 ( 13 ) ( 14 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي " الصحيحين " (1) عن أبي هريرة : أنَّ أعرابياً قال : يا رسول الله ، دُلَّني على عملٍ إذا عملتُه دخلتُ الجنَّة ، قال : ( تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئاً ، وتقيمُ الصَّلاةَ المكتوبة ، وتؤدِّي الزكاةَ المفروضة ، وتصومُ رمضانَ ) ، قال : والذي بعثك بالحقِّ ، لا أزيدُ على هذا شيئاً أبداً ولا أَنْقُصُ منه ، فلمَّا ولَّى ، قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( مَن سرَّه أنْ ينظرَ إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّة ، فلينظر إلى هذا ) .
وفي " الصحيحين " (2) عن طلحة بنِ عُبَيد الله : أنَّ أعرابياً جاء إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ثائرَ الرأس ، فقال : يا رسولَ الله ، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاةِ ؟ فقالَ : ( الصلوات الخمس ، إلا أنْ تَطوَّع شيئاً ) ، فقالَ : أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الصِّيامِ ؟ فقال : ( شهر رمضان ، إلا أنْ تطوَّع شيئاً ) فقال : أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الزَّكاة ؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرائع الإسلام ، فقال : والذي أكرمك(3) بالحقِّ ، لا أتطوَّعُ شيئاً ولا أنقصُ ممَّا فرضَ الله عليَّ شيئاً ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أفلحَ إنْ صدق ، أو دخل الجنَّة إنْ صدق ) ولفظه للبخاري .
وفي " صحيح مسلم " (4) عن أنس : أنَّ أعرابياً سألَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذكره بمعناه ، وزاد فيه : ( حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ) فقال : والذي بعثك بالحقِّ لا أزيد عليهن ولا أنقُصُ منهن ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( لئنْ صدَقَ ليَدْخُلَنَّ الجنَّة ) .
__________
(1) صحيح البخاري 2/130-131 ( 1397 ) ، وصحيح مسلم 1/33 ( 14 ) ( 15 ) .
(2) صحيح البخاري 1/18 ( 46 ) ، وصحيح مسلم 1/31 ( 11 ) ( 9 ) .
(3) في ( ص ) : ( بعثك ) .
(4) الصحيح 1/31 ( 12 ) ( 10 ) و1/31 ( 12 ) ( 12 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومراد الأعرابي أنَّه لا يزيدُ على الصلاة المكتوبة ، والزكاة المفروضة ، وصيام رمضان ، وحجِّ البيت شيئاً من التطوُّع ، ليس مرادُه أنَّه لا يعمل بشيءٍ من شرائعٍ الإسلام وواجباته غير ذلك ، وهذه الأحاديثُ لم يذكر فيها اجتناب المحرَّمات ؛ لأنَّ السائل إنَّما سأله عَنِ الأعمال التي يدخل بها عامِلُها الجنَّة .
وخرَّج الترمذي(1) من حديث أبي أُمامة قال : سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَخطُبُ في حجَّةِ الوداع يقول : ( أيُّها النَّاس ، اتَّقوا الله ، وصلُّوا خمسَكم ، وصُوموا شهركم ، وأدُّوا زكاةَ أموالكم ، وأطيعوا ذا أمركم ، تدخلوا جنَّة ربكم ) وقال : حسن صحيح ، وخرَّجه الإمام أحمد(2) ، وعنده : ( اعبدوا ربكم ) بدل قوله: ( اتقوا الله ) . وخرَّجه بقي بن مخلد في " مسنده " من وجه آخر ، ولفظ حديثه : ( صلُّوا خمسَكم ، وصوموا شهرَكم ، وحُجُّوا بيتكم ، وأدُّوا زكاة أموالكم ، طيِّبةً بها أنفسكم ، تدخلوا جنَّة ربِّكم )(3) .
وخرَّج الإمام أحمد(4) بإسناده عن ابنِ المنتفق ، قال : أتيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفات ، فقلت : ثنتان أسألُك عنهما : ما يُنجيني من النار ، وما يُدخلني الجنَّة ؟ قالَ : ( لئن كنتَ أوجزتَ في المسألة لقد أعظمتَ وأطولت ، فاعقل عني إذن : اعبد الله لا تشرك به شيئاً وأقم الصَّلاة المكتوبةَ ، وأدِّ الزَّكاةَ المفروضةَ ، وصُمْ رمضان، وما تُحِبُّ أنْ يفعله بكَ النَّاسُ، فافعله بهم ، وما تكره أنْ يأتي إليك الناس ، فذرِ الناس منه ) .
__________
(1) الجامع الكبير ( 616 ) .
(2) في " مسنده " 5/251 .
(3) أخرجه : أحمد 5/262 .
(4) في " مسنده " 3/472 و6/383 ، وإسناده ضعيف .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي روايةٍ له أيضاً قال : ( اتَّقِ الله ، لا تشركْ به شيئاً ، وتُقيم الصَّلاة ، وتُؤتِي الزَّكاة ، وتحجّ البيت ، وتصوم رمضان ، ولم تَزِدْ على ذلك ) وقيل : إنَّ هذا الصحابي هو وافد بني المنتفق ، واسمه لقيط(1) .
فهذه الأعمال أسبابٌ مقتضية لدخول الجنَّة ، وقد يكونُ ارتكابُ المحرَّمات موانع ، ويدلُّ على هذا ما خرَّجه الإمام أحمد(2) من حديث عمرو بن مرَّة الجهني ، قال : جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : يا رسولَ الله ، شهدتُ أنْ لا إله إلاَّ الله ، وأنَّك رسولُ الله ، وصلَّيتُ الخمس ، وأدَّيتُ زكاةَ مالي ، وصُمْتُ شهرَ رمضانَ ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من مات على هذا ، كان مع النبيِّين والصدِّيقينَ والشهداءِ(3) يومَ القيامة هكذا - ونَصَبَ أصبعيه - ما لم يَعُقَّ والديه ) .
__________
(1) ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث ونسبه إلى عبد الله بن المنتفق اليشكري وكذا قال أبو نعيم الأصبهاني . انظر : معرفة الصحابة 3/246 ( 1769 ) ، والاستيعاب 3/998 ، والإصابة 3/296 ( 4980 ) .
(2) كما في " إتحاف المهرة " 12/526 ( 16033 ) ، وأطراف المسند 5/154 ( 6843 ) حيث إن هذا الحديث سقط من مطبوع المسند للإمام أحمد . قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " 8/147 : ( رواه أحمد والطبراني بإسنادين ورجال أحد إسنادي الطبراني رجال الصحيح ) .
(3) زاد بعدها في ( ص ) : ( والصالحين ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد ورد ترتُّب(1) دخولِ الجنة على فعلِ بعض هذه الأعمال كالصَّلاةِ ، ففي الحديث المشهور : ( من صلَّى الصلواتِ لوقتِها ، كان له عندَ الله عهدٌ أنْ يُدخِلَهُ الجنّة ) . وفي الحديث الصحيح : ( من صَلَّى البَرْدَينِ دخل الجنة ) ، وهذا كلُّه من ذكر السبب المقتضي الذي لا يعمل عمله(2) إلاَّ باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدلُّ على هذا ما خرَّجه الإمام أحمد(3) عن بشير بنِ الخَصاصِيةِ ، قالَ : أتيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لأبايِعَه ، فشرط عليَّ شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله ، وأنَّ محمداً عبده ورسوله ، وأنْ أُقيمَ الصَّلاةَ ، وأنْ أُوتي الزكاة ، وأنْ أحجَّ حجة الإسلام ، وأنْ أصومَ رمضان ، وأنْ أُجاهِد في سبيل الله ، فقلتُ : يا رسول الله أما اثنتان فوالله ما أُطيقُهُما : الجهاد والصَّدقةُ ، فقبضَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يدَهُ ، ثمَّ حَرَّكَها ، وقال : ( فلا جهادَ ولا صدقةَ ؟ فبِمَ تدخلُ الجنَّة إذاً ؟ ) قلتُ : يا رسول الله أنا أُبايعُك ، فبايعتُه عليهنَّ كُلَّهنَّ . ففي هذا الحديث أنَّه لا يكفي في دخول الجنَّة هذه الخصالُ بدون الزكاة والجهاد .
__________
(1) في ( ص ) : ( ترتيب ) .
(2) في ( ص ) : ( عليه ) .
(3) في " مسنده " 5/224 ، وإسناده ضعيف لجهالة أبي المثنى العبدي مؤثر بن عَفاذة فقد تفرد بالرواية عنه جبلة بن سحيم .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنَّ ارتكاب بعضِ الكبائر يمنع دخولَ الجنَّة ، كقوله: ( لا يدخل الجَنَّةَ قاطع )(1)، وقوله : ( لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبْر )(2)، وقوله: ( لا تدخلوا الجنة حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤْمِنوا حتَّى تحابُّوا )(3) والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنَّة بالدَّينِ حتى يُقضى ، وفي الصَّحيح : ( أنَّ المؤمنين إذا جازوا الصِّراطَ ، حُبِسُوا على قنطرة يقتصُّ منهم مظالمُ كانت بينهم في الدنيا ) (4) .
وقال بعض السَّلف : إنَّ الرجل ليُحبَسُ على باب الجنَّةِ مئة عام بالذنب كان يعملُه في الدنيا(5) . فهذه كُلُّها موانع .
ومن هنا يظهرُ معنى الأحاديث التي جاءت في ترتيب دخول الجنَّة على مجرَّد التوحيد ، ففي " الصحيحين " (6) عن أبي ذرٍّ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( ما مِنْ عبدٍ قال : لا إله إلاَّ الله ، ثمَّ مات على ذلك إلاَّ دخل الجنَّة ) ، قلت : وإنْ زنى وإنْ سرق ؟! قالَ : ( وإنْ زنى وإنْ سرق ) ، قالها ثلاثاً ، ثم قال في الرابعة : ( على رغم أنف أبي ذرٍّ ) ، فخرج أبو ذرٍّ ، وهو يقول : وإنْ رغم أنفُ أبي ذرٍّ .
__________
(1) أخرجه : البخاري 8/6 ( 5984 ) ، ومسلم 8/7 ( 2556 ) ( 18 ) من حديث جبير بن مطعم .
(2) أخرجه : أحمد 1/412 و416 ، ومسلم 1/65 ( 91 ) ( 148 ) ، وأبو داود ( 4091 ) من حديث عبد الله بن مسعود .
(3) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 25742 ) ، وأحمد 2/391 ، ومسلم 1/53 ( 54 ) ( 94 ) من حديث أبي هريرة .
(4) أخرجه : البخاري 3/167 ( 2440 ) و8/138 ( 6535 ) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً .
(5) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 35416 ) من قول أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي .
(6) صحيح البخاري 7/192-193 ( 5827 ) ، وصحيح مسلم 1/66 ( 94 ) ( 154 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفيهما(1) عن عُبادة بنِ الصامت ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَنْ شهد أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له ، وأنَّ محمداً عبده ورسولُه ، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه ، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ ، والنَّارَ حقٌّ ، أدخله الله الجنَّة على ما كان من عملٍ ) .
وفي " صحيح مسلم " (2) عن أبي هريرة ، أو أبي سعيد - بالشَّكِّ - ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : ( أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله ، لا يلقى الله بهما عَبْدٌ غيرَ شاك ، فيُحْجَبُ عن الجنَّة ) .
وفيه(3) عن أبي هُريرة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له يوماً : ( مَنْ لَقِيتَ يشهد أنْ لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبُه ، فبشِّره بالجنَّة ) وفي المعنى أحاديث كثيرة جداً .
وفي " الصحيحين " (4) عن أنس : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال يوماً لمعاذ : ( ما مِنْ عبدٍ يشهدُ أنْ لا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً عبدُه ورسوله إلاَّ حرَّمه الله على النار ) .
وفيهما(5) عن عِتبان بن مالك ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إنَّ الله قد حرَّم على النَّارِ مَنْ قال : لا إله إلا الله ، يبتغي بها وجه اللهِ ) .
__________
(1) صحيح البخاري 4/201 ( 3435 ) ، وصحيح مسلم 1/42 ( 28 ) ( 46 ) .
(2) الصحيح 1/41 ( 27 ) ( 45 ) .
(3) الصحيح 1/43 ( 31 ) ( 52 ) .
(4) صحيح البخاري 1/44 ( 128 ) ، وصحيح مسلم 1/44 ( 32 ) ( 53 ) .
(5) صحيح البخاري 1/115-116 ( 425 ) ، وصحيح مسلم 1/44 ( 33 ) ( 54 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
فقال طائفةٌ من العلماء : إنَّ كلمة التوحيد سببٌ مقتضٍ لدخول الجنَّة وللنجاة مِنَ النَّارِ ، لكن له شروطٌ ، وهي الإتيانُ بالفرائضِ ، وموانعُ وهي إتيانُ الكبائر . قال الحسن للفرزدق : إنَّ لـ ( لا إله إلا الله ) شروطاً ، فإيَّاكَ وقذفَ المحصنة(1) . ورُوي عنه أنَّه قال : هذا العمودُ ، فأين الطُّنُبُ(2) ، يعني : أنَّ كلمةَ التوحيد عمودُ الفسطاط ، ولكن لا يثبتُ الفسطاطُ بدون أطنابه ، وهي فعلُ الواجبات ، وتركُ المحرَّمات .
وقيل للحسن : إنَّ ناساً يقولون : من قال : لا إله إلا الله ، دخل الجنَّة ، فقال : من قال : لا إله إلا الله ، فأدَّى حقَّها وفرضها ، دخلَ الجنَّةَ(3) .
وقيل لوهب بنِ مُنبِّه : أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنَّة ؟ قال : بلى ؛ ولكن ما من مفتاحٍ إلا وله أسنان ، فإنْ جئتَ بمفتاحٍ له أسنانٌ فتح لك ، وإلاَّ لم يفتح لك(4).
ويشبه هذا ما رُوِيَ عن ابنِ عمر : أنَّه سُئِلَ عن لا إله إلا الله : هل يضرُّ معها عملٌ ، كما لا ينفع مع تركها عملٌ ؟ فقالَ ابن عمر : عش ولا تغتر(5) .
__________
(1) ذكره الذهبي في " سير أعلام النبلاء " 4/584 .
(2) الطنب : جمعها أطناب وطنبة ، قال ابن سيده : الطنب حبل طويل يشد به البيت والسرادق بين الأرض والطرائق ، وقيل : ( هو الوتد ) . انظر : لسان العرب 8/205 ( طنب ) .
(3) انظر : شرح صحيح مسلم للنووي 1/200 .
(4) أخرجه : البخاري في " التاريخ الكبير " 1/98 ( 261 ) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 4/66 .
(5) أخرجه : معمر في " جامعه " ( 20553 ) ، وعبد الله بن المبارك في " الزهد " ( 923 ) ، وابن الجعد في " مسنده " ( 3381 ) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 1/311 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقالت طائفةٌ – منهم : الضحاكُ والزهري - : كانَ هذا قبلَ الفرائض والحدود(1) ، فمِنْ هؤلاء مَنْ أَشار إلى أنَّها نُسِخَتْ ، ومنهم من قالَ : بل ضُمَّ إليها شروطٌ زيدت عليها ، وزيادة الشرط هل هي نسخ أم لا ؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين ، وفي هذا كلِّه نظرٌ ، فإنَّ كثيراً مِنْ هذه الأحاديث متأخر بعدَ الفرائض والحدود .
وقال الثوري : نسختها الفرائضُ والحدودُ ، فيحتمل أنْ يكونَ مرادُه ما أراده هؤلاء ، ويحتمل أنْ يكون مرادُه أنَّ وجوبَ الفرائض والحدود تبين بها أنَّ عقوبات الدنيا لا تسقُطُ بمجرَّدِ الشهادتين ، فكذلك عقوباتُ الآخرة ، ومثل هذا البيان
وإزالة الإيهام كان السَّلفُ يُسَمُّونه نسخاً ، وليس هو بنسخ في الاصطلاح المشهور .
وقالت طائفة : هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأنْ يقولها بصدقٍ وإخلاصٍ ، وإخلاصُها وصدقُها يمنع الإصرارَ معها على معصية(2) .
وجاء من مراسيل الحسن ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( من قال : لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنَّة ) قيل : وما إخلاصها ؟ قال : ( أنْ تحجُزَكَ عمَّا حرَّم الله )(3) . وروي ذلك مسنداً من وجوه أخرَ ضعيفة(4)
__________
(1) انظر في ذلك : الزهد لعبد الله بن المبارك ( 921 ) ، وشرح صحيح مسلم للنووي 1/200 .
(2) انظر : شرح صحيح مسلم 1/200 و201 .
(3) لم نقف عليه في مظانه . وذكره الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول " 3/16 ، والقرطبي في " تفسيره " 10/60 .
وقد روي هذا الحديث عن زيد بن أرقم مرفوعاً مسنداً .
أخرجه : الطبراني في " الكبير " ( 5074 ) ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 9/254 .
(4) في إسناده الهيثم بن جماز . سئل عنه أحمد بن حنبل فقال : ( كان منكر الحديث ترك حديثه ) ، وعن يحيى بن معين قال : ( كان قاصاً بالبصرة ضعيف ) ، وعن أبي حاتم الرازي قال : ( ضعيف الحديث منكر الحديث ) ، وعن أبي زرعة قال : ( ضعيف ) .
انظر : الجرح والتعديل 9/102 ( 330 ) .
وأخرجه : الطبراني في " الأوسط " ( 1257 ) ، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمان بن غزوان . قال عنه الهيثمي في " مجمع الزوائد " 1/18 : ( وضاع ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا فإنَّ تحقق القلب بمعنى ( لا إله إلا الله ) وصدقه فيها ، وإخلاصه بها يقتضي أنْ يرسخَ فيه تألُّهُ الله وحده ، إجلالاً ، وهيبةً ، ومخافةً ، ومحبَّةً ، ورجاءً ، وتعظيماً ، وتوكُّلاً ، ويمتلئَ بذلك، وينتفيَ عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين ، ومتى كان كذلك ، لم يبقَ فيه محبَّةٌ، ولا إرادةٌ ، ولا طلبٌ لغير ما يُريدُهُ الله ويحبُّه ويطلبه ، وينتفي بذلك مِنَ القلب جميعُ أهواءِ النُّفوس وإراداتها ، ووسواس الشيطان ، فمن أحب شيئاً وأطاعه ، وأحبَّ عليه وأبغض عليه ، فهو إلههُ ، فمن كان لا يحبُّ ولا يبغضُ إلا لله ، ولا يُوالي ولا يُعادي إلا له ، فالله إلههُ حقاً ، ومن أحبَّ لهواه ، وأبغض له ، ووالى عليه ، وعادى عليه ، فإلهه هواه ، كما قال تعالى : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } (1) قالَ الحسن : هوَ الذي لا يهوى شيئاً إلا ركبه(2) . وقال قتادة : هوَ الذي كلما هَوِيَ شيئاً ركبه ، وكلما اشتهى شيئاً أتاه ، لا يَحجزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى(3) . ويُروى من حديث أبي أمامة مرفوعاً ( ما تحتَ ظلِّ السماء إلهٌ يُعبد أعظم عندَ الله من هوى متَّبع )(4) .
__________
(1) الجاثية : 23 .
(2) ذكره القرطبي في " تفسيره " 13/31 .
(3) أخرجه : عبد الرزاق في " التفسير " ( 2831 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 24134 ) .
(4) أخرجه : ابن أبي عاصم في " السنة " ( 3 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 7502 ) ، وابن عدي في " الكامل " 3/126 ، وأبو نعيم في " الحلية " 6/118 ، وابن الجوزي في " الموضوعات " ( 1616 ) وهو حديث موضوع ، وإسناده مسلسل بالمتروكين .
● [ الصفحة التالية ] ●
وكذلك مَنْ أطاعَ الشيطان في معصية الله ، فقد عبده ، كما قال الله - عز وجل - : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } (1) .
فتبيَّن بهذا أنَّه لا يصحُّ تحقيقُ معنى قولِ : لا إله إلا الله ، إلاَّ لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله ، ولا على إرادة ما لا يُريده الله ، ومتى كان في القلب شيءٌ مِنْ ذلك ، كان ذلك نقصاً في التوحيد ، وهو مِنْ نوع الشِّرك الخفيِّ . ولهذا قال مجاهدٌ في قوله تعالى : { أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً } (2) قال : لا تحبُّوا غيري .
وفي " صحيح الحاكم " (3) عن عائشة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( الشِّركُ أخفى من دبيب الذَّرِّ على الصَّفا في الليلة الظَّلماء ، وأدناه أنْ تُحِبَّ على شيءٍ مِنَ الجَوْرِ ، وتُبغِضَ على شيءٍ مِنَ العدل ، وهل الدِّينُ إلا الحبّ والبغض ؟ قال الله - عز وجل - : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ } (4) . وهذا نصٌّ في أنَّ محبةَ ما يكرهه الله ، وبغضَ ما يُحبه متابعةٌ للهوى ، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيّ .
__________
(1) يس : 60 .
(2) الأنعام : 151 .
(3) المستدرك 2/191 .
وأخرجه : ابن أبي حاتم في " تفسيره " ( 3399 ) ، أبو نعيم في "حلية الأولياء" 9/253 ، وابن الجوزي في " العلل المتناهية " 2/339 ، وإسناده ضعيف فيه عبد الأعلى بن أعين قال أبو زرعة الرازي : ( هذا حديث منكر وعبد الأعلى منكر الحديث ضعيف ) كما في " تفسير ابن أبي حاتم " .
(4) آل عمران : 31 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وخرَّج ابن أبي الدُّنيا من حديث أنس مرفوعاً : ( لا تزالُ لا إله إلا الله تمنعُ العبادَ مِنْ سخط الله ، ما لم يُؤْثِروا دُنياهم على صَفقةِ دينهم ، فإذا آثرُوا صفقةَ دُنياهم على دينهم ، ثم قالوا : لا إله إلا الله رُدَّتْ عليهم ، وقال الله : كذبتم )(1) .
فتبيَّن بهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من شهد أنْ لا إله إلا الله صادقاً من قلبه حرَّمه الله على النار ) ، وأنَّ من دخل النارَ من أهل هذه الكلمة ، فَلِقِلَّةِ صدقه في قولها ، فإنَّ هذه الكلمة إذا صدقت ، طهَّرت من القلب كلَّ ما سوى الله ، فمن صدق في قوله : لا إله إلا الله ، لم يُحبَّ سواه ، ولم يَرْجُ إلاَّ إيَّاه ، ولم يخشَ أحداً إلاَّ الله ، ولم يتوكَّل إلاَّ على الله ، ولم تبقَ له بقيَّةٌ من آثار نفسه وهواه ، ومتى بقي في القلب أثرٌ لسوى الله ، فمن قلَّة الصدق في قولها .
نارُ جهنَّم تنطفىء بنور إيمان الموحدين ، كما في الحديث المشهور : ( تقول النار للمؤمن : جُزْ يا مؤمنُ ، فقد أطفأ نورُك لهبي )(2) .
وفي " مسند الإمام أحمد " (3)
__________
(1) أخرجه : أبو يعلى ( 4034 ) ، وإسناده ضعيف جداً لضعف حسين بن علي بن الأسود وعمر بن حمزة العمري .
وأخرجه : العقيلي 2/297 من حديث أبي هريرة ، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن محمد ابن عجلان .
(2) أخرجه : الطبراني في " الكبير " 22/( 668 ) ، وابن عدي في " الكامل " 8/131 ، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " 9/329 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 375 ) ، وهو حديث ضعيف .
(3) المسند 3/328 .
وأخرجه : الحارث في " مسنده " كما في " بغية الباحث " ( 1127 ) ، وعبد بن حميد ( 1106 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 370 ) ، وهو حديث ضعيف .
● [ الصفحة التالية ] ●
عن جابرٍ ، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يبقى برٌّ ولا فاجر إلاّ دخلها ، فتكونُ على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم ، حتى أنَّ للنار ضجيجاً من بردهم ) .
فهذا ميراثٌ وَرِثَه المؤمنون من حال إبراهيم - عليه السلام - ، فنارُ المحبة في قلوب المؤمنين تخافُ منها نارُ جهنم . قال الجنيد : قالت النار : يا ربِّ ، لو لم أُطِعك ، هل كنت تُعذِّبني بشيءٍ هو أشدُّ مني ؟ قالَ : نعم ، كنتُ أسلط عليك نارِي الكبرى ، قالت : وهل نارٌ أعظم مني وأشدُّ ؟ قال : نعم ، نار محبتي أسكنتُها قلوبَ أوليائي المؤمنين . وفي هذا يقول بعضهم :
ففي فؤادِ المُحِبِّ نارُ هوى . أحرُّ نارِ الجحيم أبردُهَا
ويشهد لهذا المعنى حديثُ معاذ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مَنْ كان آخِرَ كلامِهِ لا إله إلا الله ، دخل الجنَّة )(1) ، فإنَّ المحتضرَ لا يكادُ يقولُها إلاَّ بإخلاصٍ ، وتوبةٍ ، وندمٍ على ما مضى ، وعزم على أنْ لا يعودَ إلى مثله ، ورجح هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّفٍ له مفرد في التوحيد ، وهو حسن .
__________
(1) أخرجه : أحمد 5/233 ، أبو داود ( 3116 ) ، وابن منده ( 113 ) ، والحاكم 1/351 و500 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 9234 ) وفي " الاعتقاد " ، له : 37 ، وهو حديث صحيح .
● [ تم شرح الحديث ] ●


جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 23 يناير 2019 - 20:17