الحديث الخامس

شاطر

الرسالة
Admin

عدد المساهمات : 3125
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

الحديث الخامس

مُساهمة من طرف الرسالة في الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 13:25


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث الخامس ] ●

عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ : قَالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذا ما لَيس مِنهُ فَهو رَدٌّ ) رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ (1)،
وفي رِوايةٍ لِمُسلِمٍ: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيسَ عَلَيهِ أَمرُنا فَهو رَدٌّ ).

الشرح
هذا الحديث خرّجاه في " الصحيحين "(2) من حديث (3) القاسم بن محمد ، عن عمته عائشة - رضي الله عنها - ، وألفاظ الحديث مختلفة ، ومعناها متقارب ، وفي بعض ألفاظه : ( مَنْ أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو ردّ ) .
وهذا الحديث أصلٌ عظيم من أُصول الإسلام ، وهو كالميزان للأعمال(4) في ظاهرها كما أنّ حديث : ( الأعمال بالنيَّات ) ميزان للأعمال في باطِنها ، فكما أنَّ(5) كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى ، فليس لعامله فيه ثواب ، فكذلك كلُّ عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله ، فهو مردودٌ على عامله(6) ، وكلُّ مَنْ أحدثَ في الدِّين ما لم يأذن به الله ورسوله ، فليس مِنَ الدين في شيء .
-------------------------
(1) لم ترد في ( ص ) .
(2) صحيح البخاري 3/241 ( 2697 ) ، وصحيح مسلم 5/132 ( 1718 ) ( 17 ) و( 18 ) .
وأخرجه : أحمد 6/73 و146 و240 و256 و270 ، وأبو داود ( 4606 ) ، وابن ماجه ( 14 ) ، وابن أبي عاصم في " السنة " ( 52 ) و( 53 ) ، وأبو يعلى ( 4594 ) ، وابن حبان ( 26 ) و( 27 ) ، والدارقطني 4/224 و225 و227 ، وأبو نعيم في " الحلية " 3/173 ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ( 359 ) و( 360 ) و( 361 ) ، والبيهقي 1/119، والبغوي في " شرح السنة " ( 103 ) من طريق القاسم بن محمد ، عن عائشة ، به .
(3) في ( ص ) : ( رواية ) .
(4) في ( ص ) : ( للإسلام وللأعمال ) .
(5) من قوله : ( كما أن حديث ... ) إلى هنا سقط من ( ص ) .
(6) عبارة : ( على عامله ) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وسيأتي حديثُ العِرباض بن ساريةَ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : ( مَنْ يعش منكم بعدي(1) ، فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسُنَّتِي وسنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشدين المهديِّين من بعدي(2) ، عَضُّوا عليها بالنواجِذ ، وإيَّاكُم ومُحدثاتِ الأمورِ، فإنَّ كُلَّ محدثةٍ بدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ (3) ضلالةٌ )(4) .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول في خطبته : ( أصدقُ الحديثِ كتابُ اللهِ ، وخيرُ الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها )(5) وسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه، ونتكلم هاهنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردها.
فهذا الحديث يدلُّ بمنطوقه على أنَّ كلَّ عملٍ ليس عليه أمر الشارع ، فهو مردود ، ويدلُّ بمفهومه على أنَّ كلَّ عمل عليه أمره ، فهو غير مردود ، والمراد بأمره هاهنا : دينُه وشرعُه ، كالمراد بقوله في الرواية الأخرى : ( مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ (6) ) .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) من بعدي ) سقطت من ( ص ) .
(3) عبارة : ( بدعة وكل بدعة ) سقطت من ( ص ) .
(4) سيأتي عند الحديث الثامن .
(5) أخرجه : أحمد 3/310 و319 و371 و، والدارمي ( 212 ) ، ومسلم 3/11 ( 867 ) ( 43 ) و( 44 ) و( 45 ) ، وأبو داود ( 2954 ) ، وابن ماجه ( 45 ) ، والنسائي 3/58 و188 وفي " الكبرى " ، له ( 1786 ) و( 5892 ) ، وأبو يعلى ( 2111 ) ، وابن الجارود ( 297 ) و( 298 ) ، وابن خزيمة ( 1785 ) ، وأبو عوانة كما في " إتحاف المهرة " 3/328 ( 3131 ) و3/329 ( 3132 ) ، وابن حبان ( 10 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 3/189 ، والبيهقي 3/206-207 و3/213 و214 من طريق جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله ، به.
(6) فهو رد ) سقطت من ( ج ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
فالمعنى إذاً (1) : أنَّ مَنْ كان عملُه خارجاً عن الشرع ليس(2) متقيداً بالشرع ، فهو مردود.
وقوله : ( ليس عليه أمرنا ) إشارةٌ إلى أنَّ أعمال العاملين كلهم ينبغي أنْ تكون تحتَ أحكام الشريعة، وتكون أحكام(3) الشريعة حاكمةً عليها بأمرها ونهيها ، فمن كان عملُه جارياً تحت أحكام الشرع ، موافقاً لها ، فهو مقبولٌ ، ومن كان خارجاً عن ذلك ، فهو مردودٌ .
والأعمال قسمان : عبادات ، ومعاملات .
فأما العبادات ، فما كان منها خارجاً عن حكم(4) الله ورسوله بالكلية ، فهو مردود على عامله ، وعامله يدخل تحت قوله : { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله } (5) ، فمن تقرَّب إلى الله بعمل ، لم يجعله الله ورسولُه قربة إلى الله ، فعمله باطلٌ مردودٌ عليه ، وهو شبيهٌ بحالِ الذين كانت صلاتُهم عندَ البيت مُكاء وتصدية ، وهذا كمن تقرَّب إلى الله تعالى بسماع الملاهي ، أو بالرَّقص ، أو بكشف الرَّأس في غير الإحرام ، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع الله ورسولُه التقرُّب بها بالكلية .
وليس ما كان قربة في عبادة يكونُ قربةً في غيرها مطلقاً ، فقد رأى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رجلاً قائماً في الشمس ، فسأل عنه ، فقيل : إنَّه نذر أنْ يقوم ولا يقعدَ ولا يستظلَّ وأنْ يصومَ ، فأمره النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَقعُدَ ويستظلَّ ، وأنْ يُتمَّ صومه(6) فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربةً يُوفى بنذرهما .
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( فالمراد ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) وتكون أحكام ) سقطت من ( ص ) .
(4) في ( ص ) : ( أمر ) .
(5) الشورى : 21 .
(6) أخرجه : البخاري 8/178 ( 6704 ) ، وأبو داود ( 3300 ) ، وابن ماجه ( 2136 ) ، وابن الجارود ( 938 ) ، وابن حبان ( 4385 ) ، والدارقطني 4/161 ، والبيهقي 10/75 ، والبغوي ( 2443 ) من حديث ابن عباس .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد روي أنَّ ذلك كان في يوم جمعة عندَ سماع خطبة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر، فنذر أنْ يقومَ ولا يقعدَ ولا يستظلَّ ما دامَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخطُبُ(1) ، إعظاماً لسماع خطبة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (2)، ولم يجعل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك قربةً تُوفى بنذره ، مع أنَّ القيام عبادةٌ في مواضعَ أُخَر ، كالصلاةِ والأذان والدعاء(3) بعرفة ، والبروز للشمس قربةٌ للمحرِم ، فدلَّ على أنَّه ليس كلُّ ما كان قربة في موطنٍ يكون قربةً في كُلِّ المواطن(4) ، وإنَّما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعةُ في مواضعها .
وكذلك من تقرَّب بعبادة نُهِيَ عنها بخصوصها ، كمن صامَ يومَ العيد ، أو صلَّى في وقت النهي .
-------------------------
(1) أخرجه : الطحاوي في "شرح المشكل" ( 3971 ) ( تحفة الأخيار ) ، والطبراني في " الكبير " ( 11871 ) ، والخطيب في " الأسماء المبهمة " : 274 من حديث ابن عباس ، وسنده قويٌّ .
(2) في ( ص ) : ( إعظاماً لخطبته - صلى الله عليه وسلم - ) .
(3) في ( ص ) : ( والقيام ) .
(4) في ( ص ) : ( في غيره من المواطن ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وأمَّا من عمل عملاً أصلُه مشروعٌ وقربةٌ ، ثم أدخلَ فيه ما ليس بمشروع ، أو أخلَّ فيه بمشروع ، فهذا مخالفٌ أيضاً للشريعة بقدر إخلاله بما أخلَّ به ، أو إدخاله ما أدخلَ فيه ، وهل يكونُ عملُه من أصله مردوداً عليه أم لا ؟ فهذا لا يُطلق القولُ فيه بردٍّ ولا قَبولٍ ، بل يُنظر فيه : فإنَّ كان ما أخلَّ به من أجزاء العمل أو شروطه موجباً لبطلانه في الشريعة ، كمن أخلَّ بالطهارة للصلاة مع القُدرة عليها(1) ، أو كمن أخلَّ بالرُّكوع ، أو بالسجود ، أو بالطُّمأنينة فيهما ، فهذا عملُه مردودٌ عليه ، وعليه إعادتُه إنْ كان فرضاً(2) ، وإنْ كان ما أخلَّ به لا يُوجِبُ بُطلانَ العمل ، كمن أخلَّ بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يُوجِبُها ولا يجعلُها شرطاً ، فهذا لا يُقالُ : إنَّ عمله مردودٌ من أصله ، بل هو ناقصٌ .
-------------------------
(1) انظر : المحلى 2/45 .
(2) انظر : المحلى 4/16 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وإنْ كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع ، فزيادته مردودةٌ عليه ، بمعنى أنَّها لا تكونُ قربةً ولا يُثابُ عليها ، ولكن تارة يبطُلُ بها العمل من أصله ، فيكون مردوداً ، كمن زاد في صلاته ركعةً عمداً مثلاً(1) ، وتارةً لا يُبطله ، ولا يردُّه من أصله ، كمن توضأ أربعاً أربعاً ، أو صام الليل مع النهار ، وواصل في صيامه ، وقد يبدَّلُ بعض ما يُؤمر به في العبادة بما هو منهيٌّ عنه ، كمن ستر عورتَه في الصَّلاة بثوب مُحرَّم ، أو تؤضَّأ للصلاة بماءٍ مغصُوبٍ ، أو صلَّى في بُقعةٍ غَصْبٍ ، فهذا قد اختلفَ العُلماءُ فيه : هل عملُه مردودٌ من أصله ، أو أنَّه غير مردود ، وتبرأ به الذِّمَّةُ من عُهدة الواجب ؟ وأكثرُ الفُقهاء على أنَّه ليس بمردود من أصله ، وقد حكى عبدُ الرحمان بنُ مهدي ، عن قومٍ من أصحاب الكلامِ يقال لهم : الشِّمريَّة أصحاب أبي شمر أنَّهم يقولون : إنَّ من صلَّى في ثوبٍ كان في ثمنه درهمٌ حرامٌ أنَّ عليه إعادة صلاته ، وقال : ما سمعتُ قولاً أخبثَ مِن قولهم ، نسأل الله العافية(2) ، وعبد الرحمان بنُ مهدي من أكابر فُقهاء أهل الحديث المطَّلعين على مقالات السَّلف ، وقد استنكر هذا القول وجعله بدعةً ، فدلَّ على أنَّه لم يُعلم عن أحدٍ من السَّلف القولُ بإعادة الصَّلاة في مثل هذا .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) أخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 9/9 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ويشبه هذا الحجُّ بمالٍ حرامٍ ، وقد ورد في حديثٍ أنَّه مردودٌ على صاحبه(1) ، ولكنَّه حديث لا يثبت ، وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا ؟
وقريب من ذلك الذَّبحُ بآلة محرَّمة ، أو ذبحُ مَنْ لا يجوزُ له الذبحُ، كالسارق ، فأكثرُ العلماء قالوا : إنَّه تُباح الذبيحة بذلك ، ومنهم من قال : هي محرَّمةٌ ، وكذا الخلاف في ذبح المُحْرِم لِلصَّيدِ ، لكن القول بالتَّحريم فيه أشهرُ وأظهرُ ؛ لأنَّه منهيٌّ عنه بعينه .
ولهذا فرَّق مَنْ فرَّق مِنَ العُلماء بين أنْ يكون النَّهيُ لمعنى يختصّ بالعبادة فيبطلها ، وبين أنْ لا يكون مختصاً بها فلا يبطلها ، فالصلاة بالنجاسة ، أو بغير طهارة ، أو بغير ستارة ، أو إلى غير القبلة يُبطلها ، لاختصاص النهي بالصلاة بخلاف الصلاة في الغصب ، ويشهدُ لهذا أنَّ الصيام لا يبطله إلاَّ ارتكابُ ما نهي عنه فيه بخصوصه ، وهو جنسُ الأكل والشرب والجماع ، بخلاف ما نهي عنه الصائم ، لا بخصوص الصيام ، كالكذب والغيبة عند الجمهور .
-------------------------
(1) أخرجه : البزار كما في " كشف الأستار " ( 1079 )، والطبراني في " الأوسط " ( 5228 ) من حديث أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( من أمَّ هذا البيت من الكسب الحرام شَخَصَ في غير طاعة الله ، فإذا أهل ووضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته وقال : لبيك اللهم لبيك ، ناداه مناد من السماء : لا لبيك ولا سعديك كسبك حرام ، وزادك حرام ، وراحلتك حرام ، فارجع مأزوراً غير مأجور ، وأبشر بما يسوؤك ، ….. ) . بلفظ البزار . وهذا الحديث في إسناده سليمان بن داود اليماني ، قال البزار عقيب الحديث : ( الضعف بينِّ على أحاديث سليمان ، ولا يتابعه عليها أحد وهو ليس بالقوي ) . وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 3/209-210 وقال : ( فيه سليمان بن داود اليماني وهو ضعيف ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وكذلك الحجُّ لا يبطله إلا ما نهي عنه في الإحرام ، وهو الجماعُ ، ولا يبطله ما لا يختصُّ بالإحرام من المحرَّمات(1) ، كالقتل والسرقة وشرب الخمر .
وكذلك الاعتكافُ : إنَّما يبطل بما نهي عنه فيه بخصوصه ، وهو الجماعُ ، وإنَّما يبطل بالسُّكر عندنا وعند الأكثرين ، لنهي السَّكران عن قربان المسجد ودخوله على أحدِ التأويلين في قوله تعالى : { لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } (2) أنَّ المرادَ مواضع الصلاة ، فصار كالحائض ، ولا يبطلُ الاعتكافُ بغيره من ارتكابه الكبائر عندنا وعندَ كثيرٍ من العلماء ، وقد(3) خالف في ذلك طائفةٌ من السَّلف ، منهم : عطاء والزُّهري والثوري ومالك ، وحُكي عن غيرهم أيضاً .
-------------------------
(1) عبارة : ( من المحرمات ) سقطت من ( ص ) .
(2) النساء : 43 .
(3) في ( ج ) : ( وإن ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وأمَّا المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما ، فما كان منها تغييراً للأوضاع الشرعية ، كجعل حدِّ الزِّنى عقوبةً مالية ، وما أشبه ذلك ، فإنَّه مردودٌ من أصله ، لا ينتقل به الملكُ ؛ لأنَّ هذا غيرُ معهود في أحكام(1) الإسلام ، ويدلُّ على ذلك أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال للذي سأله : إنَّ ابني كان عسيفاً على فلان ، فزنى بامرأته ، فافتديتُ منه بمئة شاةٍ وخادم ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( المئة شاة والخادم ردٌّ عليكَ ، وعلى ابنك جَلدُ مئة ، وتغريبُ عام )(2) .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 2379 ) برواية يحيى الليثي ، والشافعي في " مسنده " ( 1574 ) بتحقيقي ، والبخاري 8/161 ( 6633 ) و( 6634 ) و8/214 ( 6842 ) و( 6843 ) ، وأبو داود ( 4445 ) ، والترمذي ( 1433 ) ، والنسائي 8/240-241 وفي " الكبرى " ، له ( 5971 ) ، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " 3/135 ، والطبراني في " الكبير " ( 5190 ) و( 5191 ) و( 5195 ) ، والبيهقي 8/212 و213 ، وابن عبد البر في "التمهيد" 9/72073 ، والبغوي ( 2579 ) من طرق عن أبي هريرة وزيد بن خالد ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
وما كان منها عقداً منهياً عنه في الشرع ، إما لكون المعقود عليه ليس محلاً للعقد ، أو لفوات شرطٍ فيه ، أو لظلم يحصُلُ به للمعقود معه أو عليه ، أو لكون العقد يشغل عن ذكر الله الواجب عند تضايُق وقته ، أو غير ذلك ، فهذا العقدُ : هل هو مردودٌ بالكلية ، لا ينتقل به الملك ، أم لا ؟ هذا الموضع قد اضطربَ الناس فيه اضطراباً كثيراً ، وذلك أنَّه ورد في بعض الصور(1) أنَّه مردودٌ لا يفيد الملك ، وفي بعضها أنَّه يُفيده ، فحصل الاضطرابُ فيه بسبب ذلك ، والأقرب – إنْ شاء الله تعالى – أنَّه إنْ كان النهيُ عنه لحقٍّ لله - عز وجل - ، فإنَّه لا يفيدُ الملكَ بالكلية ، ونعني بكون الحق لله : أنَّه لا يسقطُ برضا المتعاقدين عليه ، وإنْ كان النهيُ عنه لحقِّ آدميٍّ معيّن ، بحيث يسقط برضاه به ، فإنَّه يقفُ على رضاه به ، فإنْ رضي لزم العقدُ ، واستمر الملكُ ، وإنْ لم يرض به فله الفسخُ ، فإنْ كان الذي يلحقه الضررُ لا يعتبر رضاه بالكلية ، كالزوجة والعبد في الطلاق والعَتاق ، فلا عِبرة برضاه ولا بسخطه ، وإنْ كان النهيُ رفقاً بالمنهيّ خاصةً لما يلحقه من المشقة ، فخالف وارتكب المشقة ، لم يبطل بذلك عملُه .
فأما الأوَّل ، فله صورٌ كثيرةٌ :
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
منها نكاحُ من يحرُمُ نكاحُه ، إمَّا لعينه(1) ، كالمحرَّمات على التَّأبيد بسببٍ أو نسبٍ ، أو للجمع ، أو لفواتِ شرط لا يَسقُطُ بالتراضِي بإسقاطه : كنكاح المعتدةِ والمحرمة ، والنكاح بغير وليٍّ ونحو ذلك ، وقد روي أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فرَّق بَيْنَ رجلٍ وامرأةٍ تزوَّجها وهي حُبْلى ، فردَّ النِّكاح لوقوعه في العدّة(2) .
ومنها عقودُ الربا ، فلا تُفيد الملك ، ويؤمر بردِّها ، وقد أمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من باع صاعَ تمرٍ بصاعين أنْ يردَّه(3) .
ومنها بيعُ الخمرِ والميتةِ والخنزير والأصنام والكلب ، وسائر ما نهي عن بيعه ممَّا لا يجوز التراضي(4) ببيعه .
وأما الثاني ، فله صُورٌ عديدة :
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( أجنبية ) .
(2) أخرجه : عبد الرزاق ( 10704 ) و( 10705 ) ، وأبو داود ( 2131 ) ، والدارقطني 3/250 ، والبيهقي 7/157 من طريق سعيد بن المسيب ، عن رجل من الأنصار يقال له : بصرة ، قال : تزوجت امرأة بكراً ، فدخلت عليها فإذا هي حبلى ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( لها الصداق بما استحل من فرجها ، والولد عبد لك ، فإذا ولدت فاجلدها ) ، وهو حديث ضعيف معلول ، بيانه في كتابنا " الجامع في العلل " يسر الله اتمامه .
(3) أخرجه : مسلم 5/48 ( 1594 ) ( 97 ) و( 99 ) و5/49 ( 1594 ) ( 100 ) ، والنسائي 7/272 و273 ، وأبو يعلى ( 1226 ) ، والطحاوي في "شرح المعاني" 4/68 ، والبيهقي 5/291 من حديث أبي سعيد الخدري ، قال : أُتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمر ، فقال : ( ما هذا التمر من تمرنا ) فقال الرجل : يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( هذا الربا ، فردوه ، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا ) بلفظ مسلم .
(4) سقطت من ( ص ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
منها : إنكاحُ الوليِّ من لا يجوزُ له إنكاحُها إلاّ بإذنها بغير إذنها ، وقد ردَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نكاحَ امرأة ثيِّبٍ زوَّجها أبوها وهي كارهةٌ(1) ، وروي عنه أنَّه خيَّرَ امرأة زُوِّجَت بغير إذنها(2) ، وفي بطلان هذا النكاح ووقوفه على الإجازة روايتان عن أحمد(3)
-------------------------
(1) أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 1530 ) برواية الليثي ، والشافعي في " مسنده " ( 1150 ) بتحقيقي ، وعبد الرزاق ( 10307 ) و( 10309 ) ، وسعيد بن منصور في "سننه" ( 567 ) و( 576 ) ، وابن أبي شيبة ( 15948 ) ، وأحمد 6/328 و329 ، والدارمي ( 2197 ) و( 2198 ) ، والبخاري 7/23 ( 5138 ) و( 5139 ) و9/26 ( 6945 ) و9/32 ( 6969 ) ، وأبو داود ( 2101 ) ، وابن ماجه ( 1873 ) ، والنسائي 6/86 وفي " الكبرى " ، له ( 5380 ) و( 5382 ) و( 5383 ) ، وابن الجارود ( 710 ) ، والبيهقي 7/119 وفي " المعرفة " ، له ( 4087 ) ، والخطيب في " تاريخه " 2/269 ، والبغوي ( 2256 ) من حديث خنساء بنت حذام : أنَّ أباها زوجها ، وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فرد نكاحها . بلفظ الشافعي .
(2) أخرجه : أحمد 1/273 ، وأبو داود ( 2096 ) ، وابن ماجه ( 1875 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 5387 ) و( 5389 ) ، وأبو يعلى ( 2526 ) ، والطحاوي في "شرح المعاني" 4/365، والدارقطني 3/234-235و235، والبيهقي 7/117 من حديث ابن عباس : أنَّ جارية بكراً أتت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، فذكرت أنَّ أباها زوجها وهي كارهة ، فخيرها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، بلفظ أحمد .
وأخرجه : أبو داود ( 2097 ) ، والبيهقي 7/117 من طريق أيوب السختياني ، عن عكرمة ، مرسلاً .
(3) نقل الأثرم والميموني عنه أنَّه يملك تزويجها ، وهو اختيار الخرقي . ونقل عبد الله : إذا بلغت تسع سنين فلا يزوجها أبوها ولا غيره إلا بإذنها .
● [ الصفحة التالية ] ●
وجه الأولى : وهي الصحيحه : أنَّ من لم يفتقر نكاحها إلى نطقها مع قدرتها على النطق لم يفتقر إلى رضاها قياساً على البكر الصغيرة .
ووجه الثانية : أنَّها تملك التصرف في مالها بنفسها فلم يملك الأب إجبارها . انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 2/81 .
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنَّ من تصرَّف لغيره في ماله بغير إذنه ، لم يكن تصرُّفه باطلاً من أصله ، بل يقفُ على إجازته ، فإنْ أجازه جازَ ، وإنْ ردَّه بَطل ، واستدلُّوا بحديث عُروة بن الجعد في شرائه للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - شاتين ، وإنَّما كان أمرَه بشراء شاةٍ واحدةٍ ، ثم باع إحداهما ، وقبل ذلك النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -(1) . وخصَّ ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرَّفُ لغيره في ماله بإذنٍ إذا خالف الإذن .
-------------------------
(1) أخرجه : الشافعي في "مسنده" ( 1459 ) و( 1460 ) بتحقيقي وفي " السنن المأثورة " ، له ( 590 ) ، وعبد الرزاق ( 14831 ) ، والحميدي ( 843 ) ، وابن أبي شيبة ( 36282 ) ، وأحمد 4/375 و376 ، والبخاري 4/252 ( 3642 ) ، وأبو داود ( 3384 ) و( 3385 ) ، وابن ماجه ( 2402 ) ، والترمذي ( 1258 ) ، وعبد الله بن أحمد في " زياداته " 4/376 ، والطبراني في " الكبير " 17/( 412 ) و( 413 ) و( 421 ) ، والدارقطني 3/10 ، والبيهقي 6/112 وفي " المعرفة " ( 3704 ) وفي " الدلائل " ، له 6/220 ، والبغوي ( 2158 ) من حديث عروة بن الجعد : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعطاه ديناراً ليشتري له به شاة أو أضحية ، فاشترى له شاتين ، فباع إحداهما بدينار وأتاه بشاة ودينار ، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيعه بالبركة ، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه . بلفظ الشافعي .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومنها تصرُّف المريضِ في ماله كلِّه : هل يقعُ باطلاً من أصله أم يقف تصرفه في الثلثين على إجازة الورثة ؟ فيهِ اختلاف مشهورٌ للفقهاء ، والخلاف في مذهب أحمد وغيره(1) ، وقد صحَّ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رُفع إليه(2) : أنَّ رجلاً أعتق ستةَ مملوكين لهُ عندَ موته ، لا مال لهُ غيرهم ، فدعا بهم ، فجزَّأهم ثلاثةَ أجزاءٍ ، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعةً ، وقال لهُ قولاً شديداً(3) ، ولعلَّ الورثة لم يُجيزوا عتق الجميع ، والله أعلم .
ومنها بيعُ المدلس ونحوه كالمُصَرَّاةِ، وبَيعِ النَّجْشِ ، وتلقي الركبان ونحو ذلك ، وفي صحَّته كُلِّه اختلافٌ مشهورٌ في مذهب الإمام أحمد ، وذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه وردِّه(4) .
-------------------------
(1) انظر : الهداية للكلوذاني 2/25-26 بتحقيقي .
(2) عبارة : ( رفع إليه ) سقطت من ( ص ) .
(3) أخرجه : الشافعي في " مسنده " ( 1073 ) بتحقيقي، والطيالسي ( 845 ) ، وعبد الرزاق ( 16763 ) ، وسعيد بن منصور ( 408 )، وابن أبي شيبة ( 23371 ) ، وأحمد 4/426 و428 و430 و439 و440 و445 و446، ومسلم 5/97 ( 1668 ) ( 56 ) و( 57 ) ، وأبو داود ( 3958 ) و( 3959 ) و( 3961 ) ، وابن ماجه ( 2345 ) ، والترمذي ( 1364 ) ، والبزار ( 3528 ) و( 3529 ) و( 3530 ) ، والنسائي 4/64 وفي " الكبرى " ، له ( 2085 ) ( 4973 ) و( 4974 ) و( 4975 ) و( 4977 ) ، وابن الجارود ( 948 ) ، وابو عوانة كما في " الإتحاف " 12/64 ( 15094 ) ، وابن حبان ( 4320 ) ، والدارقطني 4/234، والبيهقي 10/285 و286 من حديث عمران بن حصين، به.
(4) انظر : المغني 4/300-301، والمسائل الفقهية من كتاب الرواتين والوجهين 1/355-356.
● [ الصفحة التالية ] ●
والصحيح أنَّه يصحُّ ويقفُ على إجازة من حصل (1) له ظلمٌ بذلك ، فقد صحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه جعل مشتري المصرَّاة بالخيار(2) ، وأنَّه جعل للركبان الخيار إذا هبطوا السوق(3) ، وهذا كله يدل على أنَّه غير مردود من أصله ، وقد أورد على بعض من قال بالبطلان حديث المصرَّاة ، فلم يذكر عنه جواباً(4) .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) أخرجه : همام بن منبه في " صحيفته " ( 98 ) ، والطيالسي ( 2492 ) ، وعبد الرزاق ( 14859 ) و( 14862 ) ، والحميدي ( 1028 ) و( 1029 ) ، وأحمد 2/242 و248 و259 و273 و317 و386 و406 و417 و430 ، والدارمي ( 2556 ) ، والبخاري 3/92 ( 2148 ) و( 2150 ) و3/93 ( 2151 ) ، ومسلم 5/6 ( 1524 ) ( 23 ) و( 24 ) و( 25 ) و( 26 ) و( 27 ) و5/7 ( 1524 ) ( 28 ) ، وأبو داود ( 3444 ) و( 3445 ) ، وابن ماجه ( 2239 ) ، والترمذي ( 1251 ) و( 1252 ) ، والنسائي 7/253 و254 وفي " الكبرى " ، له ( 6080 ) ، وأبو يعلى ( 6049 ) و( 6267 ) ، وأبو عوانة 4/276 و277 و278 ، والدارقطني 3/74 و75 من حديث أبي هريرة قال : قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها ، فليحلبها ، فإنْ رضي حلابها أمسكها ، وإلا ردها ومعها صاع من تمر ) بلفظ مسلم.
(3) أخرجه : أحمد 2/284 و403 و487 ، والدارمي ( 2569 ) ، ومسلم 5/5 ( 1519 ) ( 16 ) و( 17 ) ، وأبو داود ( 3437 ) ، وابن ماجه ( 2178 ) ، والترمذي (1221 ) ، والنسائي 7/257 ، وفي " الكبرى " ، له ( 6092 ) ، وأبو يعلى ( 6073 ) و( 6078 ) ، وابن الجارود ( 571 ) ، وأبو عوانة 4/263 و264 ، والبيهقي 5/348 من حديث أبي هريرة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتلقى الجلب ، فإنْ تلقاه إنسان فابتاعه ، فصاحب السلعة فيها بالخيار ، إذا ورد السوق . بلفظ الترمذي .
(4) انظر : فتح الباري 4/460-462 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وأما بيعُ الحاضر للبادي ، فمن صحَّحه ، جعله من هذا القبيل ، ومن أبطله ، جعل الحقَّ فيه لأهل البلد كلِّهم، وهم غيرُ منحصرين، فلا يتصوَّرُ إسقاطُ حقوقهم ، فصار كحقِّ الله - عز وجل - .
ومنها : لو باع رقيقاً يَحْرُمُ التَّفريقُ بينهم ، وفرَّق بينهم كالأُمِّ وولدها ، فهل يقع باطلاً مردوداً ، أم يقفُ على رضاهم بذلك ؟
وقد روي أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بردِّ هذا البيع(1) ونصَّ أحمدُ على أنَّه لا يجوزُ التفريقُ بينهم ، ولو رضوا بذلك(2)، وذهب طائفةٌ إلى جواز التفريق بينهم برضاهم ، منهم : النخعيُّ ، وعُبيد الله بنُ الحسن العنبري ، فعلى هذا يتوجه أنْ يصحَّ ، ويقف على الرضا(3).
-------------------------
(1) أخرجه : الطيالسي ( 185 ) ، وأحمد 1/102 ، وابن ماجه ( 2249 ) ، والترمذي ( 1284 ) ، والدارقطني 3/66 وفي " علله " 3/575 ، والحاكم 2/155 و125 ، والبيهقي 9/127 من حديث علي بن أبي طالب ، قال : وهب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلامين أخوين ، فبعت أحدهما ، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يا علي ما فعل غلامك ) فأخبرته، فقال : ( رده ، رده ) بلفظ الترمذي ، وقال : ( حسن غريب ) على أنَّ في إسناده مقالاً ، وروي كذلك بنحو هذا الحديث عن أبي أيوب الأنصاري وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود .
(2) انظر : المغني 10/459 ، والمسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 2/367 .
(3) انظر : المغني 10/460 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومنها لو خصَّ بعضَ أولاده بالعطيَّة دونَ بعض ، فقد صحَّ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أمرَ بشيرَ بنَ سعدٍ لما خصَّ ولدهُ النُّعمان بالعطيَّةِ أنْ يردَّه(1) ، ولم يدلَّ ذلك على أنَّه لم ينتقل الملكُ بذلك إلى الولد ، فإنَّ هذه العطية تصحُّ وتقع مراعاةً ، فإنْ سوَّى بينَ الأولادِ في العطية ، أو استردَّ ما أعطي الولدَ ، جاز ، وإنْ ماتَ ولم يفعل شيئاً من ذلك ، فقال مجاهد : هي ميراث(2) ، وحكي عن أحمد نحوه(3) ، وأنَّ العطية تبطلُ ، والجمهور على أنَّها لا تبطلُ ، وهل للورثة الرجوعُ فيها أم لا ؟ فيهِ قولان مشهوران هما روايتان عن أحمد(4)
-------------------------
(1) أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 2188 ) ، والشافعي في " مسنده " ( 1057 ) بتحقيقي ، وأحمد 4/268 و269 و270 و273 و276 ، والبخاري 3/206 ( 2587 ) و3/224 ( 2650 ) ، ومسلم 5/65 ( 1623 ) ( 9 ) و( 10 ) و( 11 ) و( 12 ) و( 13 ) و5/66 ( 1623 ) ( 14 ) و( 15 ) و( 16 ) و( 17 ) و5/67 ( 1623 ) ( 18 ) ،وأبو داود ( 3542 ) و( 3543 )، وابن ماجه ( 2375 ) و( 2376 ) ، والترمذي ( 1376 ) ، والنسائي 6/258 و259 و260 و261 و262 وفي " الكبرى " ، له ( 6508 ) و( 6509 ) ، وابن الجارود ( 991 ) و( 992 ) ، وابن حبان ( 5097 ) - ( 5107 ) ، والدارقطني 3/42 من طرق عن النعمان بن بشير ، به .
(2) انظر : المغني 6/298 ، والشرح الكبير 6/294 .
(3) انظر : الشرح الكبير 6/296 .
(4) نقل أبو طالب عنه : يرد في حياته وبعد موته وهو اختيار ابن بطة وأبي حفص.
ووجهها : أنَّ الرجوع فيها إنَّما كان لأجل أنْ لا يحصل بينهم التباغض والعداوة ، وهذا المعنى موجود بعد الموت فيجب الرجوع فيها لوجود المعنى في ذلك .
ونقل الميموني وبكر بن محمد : أنَّه لا يرجع فيه موته وهو اختيار أبي بكر الخلال وأبي بكر عبد العزيز والخرقي .
ووجهها : أنَّ هذا رجوع يتعلق بالهبة فسقط بالموت ، دليله : رجوع الأب على ابنه في الهبة ، أنَّه بموت الأب يسقط حق الرجوع لبقية الورثة كذلك هاهنا .
انظر : المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين 1/439 .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومنها الطلاقُ المنهي عنه ، كالطلاق في زمن الحيض ، فإنَّه قد قِيل : إنَّه قد نُهِيَ عنه لحقِّ الزوج ، حيث كانَ يخشى عليهِ أن يَعْقُبه فيهِ النَّدمُ ، ومن نُهِيَ عن شيء رفقاً به ، فلم ينته عنه ، بل فعله وتجشَّم مشقَّته ، فإنَّه لا يحكم ببطلان ما أتى به ، كمن صام في المرض أو السفر ، أو واصل في الصيام ، أو أخرج ماله كله وجلس يتكفَّفُ النَّاسَ ، أو صلَّى قائماً مع تضرُّره بالقيام للمرض ، أو اغتسل وهو يخشى على نفسه الضَّرر ، أو التَّلفَ ولم يتيمَّم ، أو صامَ الدَّهرَ ، ولم يفطر ، أو قام اللَّيل ولم ينم ، وكذلك إذا جمعَ الطَّلاق الثلاثَ على القول بتحريمه .
وقيل : إنَّما نهي عن طلاق الحائض ، لحقِّ المرأة لما فيه من الإضرار بها بتطويل
العدَّة ، ولو رضيت بذلك بأنْ سألته الطَّلاق بِعِوَضٍ في الحيض ، فهل يزولُ بذلك تحريمُهُ ؟ فيهِ قولان مشهوران للعلماء ، والمشهورُ من مذهبنا ومذهب الشَّافعيِّ أنَّه يزولُ التَّحريمُ بذلك ، فإنْ قيل : إنَّ التحريم فيهِ لحقِّ الزوج خاصة ، فإذا أقدم عليهِ ، فقد أسقط حقَّه فسقط ، وإنْ علل بأنَّه لحقِّ المرأة ، لم يمنع نفوذُه ووقوعُه أيضاً ، فإنَّ رضا المرأة بالطلاق غيرُ معتبر لوقوعه عندَ جميع المسلمين ، لم يُخالف فيهِ سوى شرذِمَةٍ يسيرةٍ من الروافض ونحوهم ، كما أنَّ رضا الرقيق بالعتق غير معتبرٍ ، ولو تضرَّر به ، ولكن إذا تضرَّرت المرأةُ بذلك ، وكان قد بقي شيءٌ من طلاقها ، أمر الزوج بارتجاعها ، كما أمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عمر بارتجاع زوجته تلافياً منه لضررها ، وتلافياً منه لما وقع منه من الطلاق المحرَّم حتَّى لا تصير بينونتها منه ناشئة عن طلاق محرَّمٍ ، وليتمكَّن من طلاقها على وجه مباح ، فتحصل إبانتُها على هذا الوجه . وقد روي عن أبي الزبير ، عن ابن عمر : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ردَّها عليهِ ولم يرها شيئاً(1) ، وهذا ممَّا تفرَّد به أبو الزبير عن أصحاب ابن عمر كلِّهم مثل : ابنه سالم ، ومولاه نافع ، وأنس ، وابن سيرين ، وطاووس ، ويونس بن جبير ، وعبد الله بن دينار ، وسعيد بن جبير ، وميمون بن مِهران وغيرهم .
-------------------------
(1) أخرجه : عبد الرزاق ( 10960 ) ، وأبو داود ( 2185 ) ، وابن عبد البر في " التمهيد " 15/65 . وانظر تخريجه موسعاً بدون هذه اللفظة في " مسند الشافعي " ( 1238 ) - ( 1244 ) بتحقيقي وانظر : فتح الباري 9/436-441 ، والكلام على هذه اللفظة في كتابي " الجامع في العلل " يسر الله اتمامه .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء ، وقالوا : إنَّه تفرَّد بما خالف الثِّقات ، فلا يُقبل تفرّده ، فإنَّ في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدلُّ على أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة ، وكان ابنُ عمر يقول لمن سأله عن الطلاق في الحيض : إنْ كنتَ طلَّقتَ واحدةً أو اثنتين(1) ، فإنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني بذلك ، يعني(2) : بارتجاع المرأة ، وإنْ كنت طلقت ثلاثاً ، فقد عصيت ربَّك ، وبانت منك امرأتك .
وفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يُتابع عليها وهي قوله : ثم تلا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ } (3) ولم يذكر ذلك أحدٌ من الرواة عن ابن عمر ، وإنَّما روى عبدُ اللهِ بنُ دينار ، عن ابن عمر أنَّه كان يتلو هذه الآية عند روايته للحديث ، وهذا هو الصحيح.
-------------------------
(1) قال مسلم في " صحيحه " ( 1471 ) ( 1 ) : ( جود الليث في قوله : تطليقة واحدة ) .
(2) عبارة : ( بذلك يعني ) سقطت من ( ص ) .
(3) الطلاق : 1 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد كان طوائفُ من الناس يعتقدونَ أنَّ طلاقَ ابنِ عمر كان ثلاثاً ، وأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما ردَّها عليه ؛ لأنَّه لم يوقع الطَّلاق في الحيض ، وقد رُوي ذلك عن أبي الزبير أيضاً من رواية معاوية بن عمار الدُّهني عنه(1) ، فلعلَّ أبا الزبير اعتقد هذا حقاً ، فروى تلك اللفظةَ بالمعنى الذي فهمه ، وروى ابنُ لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير ، فقال : عن جابر : أنَّ ابن عمر طلق امرأته وهي حائض ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - (2): ( لِيُراجِعها فإنَّها امرأتُه )(3) وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإسناد ، وتفرَّد بقوله : ( فإنَّها امرأته ) وهي لا تدل على عدم وقوع الطلاق إلاّ على تقدير أنْ يكون ثلاثاً، فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير وأصحابُ ابن عمر الثقاتُ الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يختلف عليهم فيه ، وروى أيوب ، عن ابن سيرين قال : مكثتُ عشرين سنة يُحدِّثني من لا أتَّهِمُ أنَّ ابنَ عمر طلَّق امرأته ثلاثاً وهي حائض ، فأمره النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُراجِعَها ، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتّى لقيتُ أبا غلاَّب(4) يونس بن جُبير وكان ذا ثَبَتٍ ، فحدَّثني أنَّه سأل ابنَ عمر فحدَّثه أنَّه طلقها واحدة . خرَّجه مسلم(5) .
وفي رواية : قال ابنُ سيرين : فجعلتُ لا أعرِفُ للحديث وجهاً ولا أفهمه .
-------------------------
(1) أخرجه : الدارقطني 4/7 ، ومن طريقه ابن الجوزي في " العلل المتناهية " 2/638 ، بهذا الإسناد .
(2) زاد بعدها في ( ص ) : ( مره ) .
(3) أخرجه : أحمد 3/386 ، وعبد الله بن لهيعة ضعيف .
(4) تحرف في ( ص ) إلى : ( عتاب ) .
(5) في " صحيحه " 4/181 ( 1471 ) ( 7 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وهذا يدلُّ على أنَّه كان قد(1) شاع بين الثِّقاتِ من غير أهلِ الفقه والعلم أنَّ طلاقَ ابنِ عمر كان ثلاثاً ، ولعلَّ أبا الزبير من هذا القبيل ، ولذلك كان نافع يُسأل كثيراً عن طلاق ابن عمر ، هل كان ثلاثاً أو واحدة ؟ ولما قدم نافع مكة ، أرسلوا إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك لهذه الشبهة ، واستنكارُ ابنِ سيرين لِرواية الثلاث يَدُل على أنَّه لم يعرف قائلاً معتبراً يقول : إنَّ الطلاق المحرَّم(2) غير واقع ، وإنَّ هذا القول لا وَجْهَ له .
قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث ، وسئل عمن قال : لا يقعُ الطلاقُ المحرم ؛ لأنَّه يُخالِفُ ما أمر به ، فقال : هذا قولُ سوءٍ رديء ، ثم ذكر قصة ابنِ عمر وأنَّه احتسب بطلاقه في الحيض .
وقال أبو عبيد : الوقوعُ هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار : حجازهم وتهامهم ، ويمنهم وشامهم ، وعراقهم ومصرهم ، وحكى ابنُ المنذر ذلك عن كلِّ من يُحْفَظُ قولُه من أهل العلم إلاَّ ناساً من أهل البدع لا يُعتَدُّ بهم .
وأمَّا ما حكاه ابنُ حزم(3) عن ابن عمر أنَّه لا يقع الطلاقُ في الحيضِ مستنداً إلى ما رواه(4) من طريق محمد بن عبد السلام الخشني الأندلسي : حدَّثنا محمَّد بن بشار ، حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي ، عن عُبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابنِ عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض ، قال : لا يُعتَدُّ بها ، وبإسناده عن خِلاس نحوه(5)
-------------------------
(1) كان قد ) سقطت من ( ص ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) في " المحلى " 11/216 .
(4) زاد بعدها في ( ص ) : ( محمد ) .
(5) في " المحلى " 11/216 .
وأخرجه : ابن أبي شيبة 4/58 و59 .
● [ الصفحة التالية ] ●
، فإنَّ هذا الأثرَ قد سقط من آخره لفظة وهي قال : لا يعتد بتلك الحيضة ، كذلك رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة في كتابه(1) عن عبد الوهَّاب الثقفي ، وكذا رواه يحيى بنُ معين ، عن عبد الوهَّاب أيضاً ، وقال : هو غريب لم يحدث به إلا عبدُ الوهَّاب ، ومرادُ ابنِ عمر أنَّ الحيضة التي طلق فيها المرأة لا تعتدُّ بها المرأة قرءاً ، وهذا هو مرادُ خِلاس وغيره .
وقد روي ذلك أيضاً عن جماعةٍ منَ السَّلف ، منهم : زيدُ بنُ ثابت(2) ، وسعيد بنُ المسيب(3) ، فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابنُ حزم فحَكَوا عن بعضِ من سمينا أنَّ الطلاق في الحيض لا يقع ، وهذا سببُ وهمهم ، والله أعلم .
وهذا الحديث إنَّما رواه القاسم بن محمد لما سُئِلَ عن رجُلٍ له ثلاثة(4)
مساكن ، فأوصى بِثُلثِ ثلاث مساكن هل تجمع له في مسكن واحد ؟ فقالَ : يجمع ذَلِكَ كلهُ في مسكن واحد ، حدثتني عائشة : أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ( مَنْ عمل عملاً ليسَ عليهِ أمرُنا فَهُو ردٌّ ) خرّجه مسلم(5) . ومرادُه أنَّ تغيير وصية الموصي إلى ما هوَ أحبُّ إلى الله وأنفعُ جائزٌ ، وقد حكي هذا عن عطاء وابن جريج ، وربما يستدلُّ بعضُ من ذهب إلى هذا بقولِهِ تعالى : { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْه } (6) ولعله أخذ هذا من جمع العتق ، فإنَّه صح ( أنَّ رجلاً(7) أعتق ستة مملوكين عندَ موته ، فدعاهم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فجزأهم ثلاثة أجزاء ، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة ) خرّجه مسلم(8)
-------------------------
(1) المصنف 4/57 .
(2) أخرجه : عبد الرزاق ( 10966 ) ، وابن أبي شيبة 4/57 .
(3) أخرجه : ابن أبي شيبة 4/59 .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) في " صحيحه " 5/132 ( 1718 ) ( 18 ) .
(6) البقرة : 182 .
(7) سقطت من ( ص ) .
(8) في " صحيحه " 5/97 ( 1668 ) ( 56 ) و( 57 ) .
وأخرجه : الحميدي ( 830 ) ، وأحمد 4/426 و428 و439 و440 و446 ، وأبو داود ( 3958 ) و( 3959 ) و( 3961 ) ، وابن ماجه ( 2345 ) ، والترمذي ( 1364 ) ، والنسائي 4/64 وفي " الكبرى " ، له ( 4974 ) ، والبيهقي 10/286 من طرق عن عمران ابن حصين ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
. وذهب فقهاءُ الحديث إلى هذا الحديث ؛ لأنَّ تكميلَ عتق العبد مهما أمكن أولى من تشقيصه ، ولهذا شُرِعَتِ السِّرايةُ والسِّعايةُ إذا أعتق أحدُ الشريكين نصيبَه من عبد . وقال - صلى الله عليه وسلم - فيمن أعتق بعض عبدٍ له : ( هو عتيقٌ كلُّه ليس لله شريك )(1) .
وأكثرُ العلماء على خلاف قول القاسم هذا ، وإنَّ وصية الموصي لا تجمع ، ويُتبع لفظه إلاَّ في العتق خاصة ؛ لأنَّ المعنى الذي جمع له في العتق غيرُ موجود في بقية الأموال ، فيعمل فيها بمقتضى وصية الموصي .
وذهب طائفة من الفقهاء في العتق إلى أنَّه يعتق مِنْ كل عبدٍ ثلثه ، ويستسعون في الباقي(2) ، واتباع قضاء النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أحقُّ وأولى ، والقاسم نظر إلى أنَّ في مشاركة الموصى له للورثة في المساكن كُلِّها ضرراً عليهم ، فيدفع عنهم هذا الضرر ويجمع الوصية في مسكنٍ واحدٍ ، فإنَّ الله قد شرط في الوصية(3) عَدَمَ المضارة بقوله تعالى : { غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ الله } (4) فمن ضارَّ في وصيته ، كان عملهُ مردوداً عليه لمخالفته ما شرط الله في الوصية(5) .
-------------------------
(1) أخرجه : أحمد 5/74 و75 ، وأبو داود ( 3933 ) ، والنسائي في " الكبرى " ( 4970 ) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 3/107 وفي شرح " المشكل " ، له ( 5381 ) و( 5382 ) ، والبيهقي 10/273، وقد أعله النسائي بالإرسال كما في "تحفة الأشراف" 1/188 ( 134 ).
(2) انظر : معالم السنن 4/71 .
(3) سقطت من ( ص ) .
(4) النساء : 12 .
(5) انظر : تفسير الطبري ( 6980 ) و( 6981 ) وطبعة التركي 6/486 – 487 ، وتفسير ابن أبي حاتم ( 4939 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنَّه لو وصَّى لهُ بثلث مساكنه كُلِّها(1) ، ثم تلف ثلثا المساكن ، وبقي منها ثلث أنَّه يُعطى كله للموصى له ، وهذا قولُ طائفةٍ من أصحاب أبي حنيفة ، وحكي عن أبي يوسف ومحمد ، ووافقهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في خلافه ، وبَنَوا ذلك على أنَّ المساكن المشتركة تقسم بين المشتركين فيها قسمة إجبار ، كما هو قولُ مالك ، وظاهرُ كلام ابن أبي موسى من أصحابنا ، والمشهورُ عند أصحابنا أنَّ المساكن المتعدِّدة لا تُقسم قسمة إجبار(2) ، وهو قولُ أبي حنيفة والشَّافعي ، وقد تأوَّلَ بعضُ المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على أنَّ أحد الفريقين من الورثة أو الموصى لهم طلب قسمة المساكن وكانت متقاربة بحيث يضمُّ بعضها إلى بعض في القسمة ، فإنَّه يُجاب إلى قسمتها على قولهم ، وهذا التأويل بعيد مخالف لِلظاهر ، والله أعلم .
-------------------------
(1) سقطت من ( ص ) .
(2) في ( ص ) : ( إجباراً ) بإسقاط كلمة : ( قسمة ) .


جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 5:08