الحديث الثالث

شاطر

الرسالة
Admin

عدد المساهمات : 3125
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

الحديث الثالث

مُساهمة من طرف الرسالة في الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 13:11


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة الحديث الشريف
جامع العلوم والحكم

● [ الحديث الثالث ] ●

عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بن الخطاب رضي الله عنهُما ، قال : سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، يقولُ : ( بُنِي الإسلامُ عَلى خَمْسٍ : شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله ، وأنَّ مُحمَّداً عَبْدُه وَرَسولُهُ ، وإقامِ الصلاةِ ، وإيتاءِ الزَّكاةِ ، وحَجِّ البيتِ ، وصَومِ رَمضانَ ) .
رَواهُ البُخارِي ومُسلمٌ .

الشرح
هذا الحديثُ خرَّجاه في " الصحيحين " (1) من رواية عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر ، وخرّجه مسلم(2) من طريقين آخرين عن ابنِ عمرَ (3)، وله طرقٌ أخرى(4) عنه .
وقد روي هذا الحديث من رواية جريرِ بنِ عبدِ الله البجلي ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وخرَّج حديثَه(5) الإمام أحمدُ(6)
-------------------------
(1) " صحيح البخاري " 1/9 ( 8 ) ، و" صحيح مسلم " 1/34 ( 16 ) ( 22 ) .
وأخرجه : أحمد 2/143 ، والترمذي ( 2609 ) م ، والنسائي 8/107 وفي " الكبرى " ، له ( 11732 ) ، وابن خزيمة ( 308 ) و( 1880 ) ، وابن حبان ( 158 ) و( 1446 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 40 ) من طرق عن عكرمة ، بهذا الإسناد .
(2) في " صحيحه " 1/34 ( 16 ) ( 19 ) و( 20 ) من طريق سعد بن عبيد ، عن ابن عمر ، وفي 1/34 ( 16 ) ( 21 ) من طريق محمد بن زيد بن عبد الله ، عن ابن عمر ، به .
(3) عبارة : ( عن ابن عمر ) لم ترد في ( ص ) .
(4) أخرجه : الحميدي ( 703 ) ، وأحمد 2/26 و92 و120 ، وعبد بن حميد ( 823 ) ، والترمذي ( 2609 ) ، وأبو يعلى ( 5788 ) ، وابن خزيمة ( 309 ) و( 1881 ) و( 2505 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 41 ) و( 42 ) و( 43 ) و( 149 ) و( 150 ) ، والبيهقي 4/81 و199 من طرق عن ابن عمر ، به .
(5) في ( ص ) : ( وخرجه ) بإسقاط كلمة ( حديثه ) .
(6) في " مسنده " 4/363 و364 .
وأخرجه : المروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 419 ) و( 420 ) و( 421 ) و( 422 ) ، وأبو يعلى ( 7502 ) و( 7507 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 2363 ) و( 2364 ) وفي " الصغير "، له ( 782 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 9/251 من طريق الشعبي ، عن جرير، به.
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد سبق في الحديث الذي قبله ذكرُ الإسلام .
والمرادُ من هذا الحديث أنَّ الإسلام مبنيٌّ على هذه الخمس ، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه ، وقد خرَّجه محمدُ بنُ نصر المروزي في " كتاب الصلاة "(1) ، ولفظه : ( بُني الإسلام على خمسِ دعائم ) فذكره .
والمقصودُ تمثيل الإسلام ببنيانه ودعائم البنيان هذه الخمس ، فلا يثبت البنيانُ بدونها ، وبقيةُ خصالِ الإسلام كتتمة البنيان ، فإذا فقد منها شيء ، نقص البنيانُ وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك ، بخلاف نقضِ هذه الدعائم الخمس ؛ فإنَّ الإسلام يزولُ بفقدها جميعِها بغير إشكالٍ ، وكذلك يزولُ بفقدِ الشهادتين ، والمراد بالشهادتين (2) الإيمان بالله ورسوله . وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقاً : ( بني الإسلام على خمس : إيمان بالله ورسوله ) ، وذكر بقية الحديث(3) . وفي رواية لمسلم(4) : ( على خمس : على أن يُوحَّدَ الله ) وفي رواية لهُ(5) : ( على أنْ يُعبَد الله ويُكفَرَ بما دونه ).
وبهذا يُعلم أنَّ الإيمان باللهِ ورسوله داخل في ضمن الإسلام كما سبق تقريره في الحديث الماضي .
وأما إقام الصَّلاة ، فقد وردت أحاديثُ متعددةٌ تدلُّ على أنَّ من تركها ، فقد خرج من الإسلام ، ففي " صحيح مسلم " (6)
-------------------------
(1) حديث ( 413 ) .
(2) عبارة : ( والمراد بالشهادتين ) سقطت من ( ص ) .
(3) في " صحيحه " 6/32 ( 4514 ) .
(4) في " صحيحه " 1/34 ( 16 ) ( 19 ) .
(5) في " صحيحه " 1/34 ( 16 ) ( 20 ) .
(6) 1/61 ( 82 ) ( 134 ) .
وأخرجه : ابن أبي شيبة ( 30394 ) ، وعبد بن حميد ( 1022 ) و( 1043 ) ، والدارمي ( 1236 ) ، وأبو داود ( 4678 ) ، وابن ماجه ( 1078 ) ، والترمذي ( 2618 ) و( 2619 ) و( 2620 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 886 ) و( 887 ) و( 888 ) و( 889 ) و( 890 ) و( 891 ) و( 892 ) ، والنسائي 1/232 ، وأبو يعلى ( 1783 ) و( 1953 ) و( 2102 ) و( 2191 ) ، والطحاوي في " شرح المشكل " ( 3175 ) و( 3176 ) و( 3177 ) و( 3178 ) من طرق عن جابر ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
عن جابر ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( بَيْنَ الرجل وبَينَ الشِّركِ والكفرِ تركُ الصلاة ) ، ورُوي مثلُه من حديث بُريدة(1) وثوبان(2) وأنس(3) وغيرهم .
وخرَّج محمد بنُ نصر المروزيُّ(4) من حديث عُبادة بنِ الصامت، عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال : ( لا تتركِ الصَّلاةَ متعمداً ، فمن تركها متعمداً ، فقد خرج من الملة ) .
-------------------------
(1) أخرجه : أحمد 5/346 و355 ، وابن ماجه ( 1079 ) ، والترمذي ( 2621 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 894 ) و( 895 ) و( 896 ) ، والنسائي 1/231 وفي " الكبرى " ، له ( 329 ) ، وابن حبان ( 1454 ) ، والدارقطني 2/52 ، والحاكم 1/6و7 ، والبيهقي 3/366 .
(2) أخرجه : اللالكائي في " أصول الاعتقاد " ( 1521 ) .
(3) أخرجه : ابن ماجه ( 1080 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 897 ) و( 898 ) و( 899 ) و( 900 ) ، وأبو يعلى ( 4100 ) .
(4) في " تعظيم قدر الصلاة " ( 920 ) .
وأخرجه : اللالكائي في " أصول الاعتقاد " ( 1522 ) من طريق سلمة بن شريح ، عن عبادة ابن الصامت ، به ، وإسناده ضعيف .
● [ الصفحة التالية ] ●
وفي حديث معاذ ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : ( رأسُ الأمر الإسلام ، وعمودُه الصَّلاةُ(1) ) فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاطُ ولا يثبتُ إلا به ، ولو سقط العمودُ ، لسقط الفسطاط ، ولم يثبت بدونه .
وقال عمر : لا حظَّ في الإسلام لمن تركَ الصلاة(2) ، وقال سعد وعليُّ بنُ أبي طالبٍ(3) : من تركها فقد كفر .
وقال عبد الله بنُ شقيق : كانَ أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يَرَونَ من الأعمال شيئاً تركه كفر غير الصلاة(4) .
-------------------------
(1) أخرجه : معمر في " جامعه " ( 20303 ) ، وأحمد 5/231 و237 ، وعبد بن حميد ( 112 ) ، والترمذي ( 2616 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 195 ) و( 196 ) و( 197 ) و( 198 )، والنسائي في " الكبرى " ( 11394 ) وفي " التفسير "، له ( 414 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 21515 ) ، والطبراني في " الكبير " 20/( 266 ) ، والحاكم 2/412-413 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 3350 ) ، والبغوي ( 11 ) وفي " التفسير " ، له ( 1661 ) ، وقال الترمذي : ( حسن صحيح ) وسند الترمذي منقطع ، ولعله قال ذلك لما للحديث من طرق وشواهد .
(2) أخرجه : ابن سعد في " الطبقات " 3/188 ، وابن أبي شيبة ( 37074 ) ، وأحمد في " مسائله " برواية ابنه عبد الله ( 55 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 923 ) - ( 929 ) ، والآجري في " الشريعة " : 134 ، والدارقطني 2/52 ، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " ( 1528 ) و( 1529 ) .
(3) أخرجه : ابن أبي شيبة ( 7640 ) وفي " الإيمان " ، له ( 126 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 933 ) ، والآجري في " الشريعة " : 135 من طرق عن علي ، به .
(4) أخرجه : الترمذي ( 2622 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 948 ).
وأخرجه الحاكم 1/7 من طريق الجريري ، عن عبد الله ، عن أبي هريرة ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقال أيوب السَّختياني : تركُ الصَّلاةِ كفرٌ ، لا يُختَلَفُ فيه .
وذهب إلى هذا القول جماعةٌ من السَّلف والخلف ، وهو قولُ ابنِ المبارك وأحمد وإسحاق ، وحكى إسحاق عليه إجماعَ أهل العلم ، وقال محمد بن نصر المروزي : هو قولُ جمهور أهل الحديث (1) .
وذهبَ طائفةٌ منهم إلى أنَّ منْ تركَ شيئاً من أركان الإِسلام الخمسة عمداً أنَّه كافر بذلك ، ورُوي ذلك(2) عن سعيد بن جبير ونافع والحكم ، وهو رواية عن أحمد اختارها طائفةٌ من أصحابه وهو قول ابنِ حبيبٍ من المالكية .
وخرَّج الدَّارقطني(3) وغيرُه من حديثِ أبي هريرة قال : قيل : يا رسولَ الله الحج في كلِّ عام ؟ قال : ( لو قلتُ : نعم ، لوجب عليكم ، ولو وجب عليكم ، ما أطقتُموه ، ولو تركتموه لكفرتُم ) .
وخرَّج اللالكائي(4)
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( جمهور العلماء وأهل الحديث ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) في " سننه " 2/281 ، والطبري في " تفسيره " ( 9979 ) ، وطبعة التركي 9/18 ، وإسناده ضعيف فإنَّ مداره على إبراهيم بن مسلم الهجري ، وهو ضعيف . انظر : الجرح والتعديل 2/77 ( 417 ) .
وأخرجه : إسحاق بن راهويه ( 60 ) ، وأحمد 2/508 ، ومسلم 4/102 ( 1337 )
( 412 ) ، والنسائي 5/110 وفي " الكبرى " ، له ( 3598 ) ، وابن خزيمة ( 2508 ) ، والطحاوي في "شرح المشكل" ( 1472 ) و( 1473 )، وابن حبان ( 3704 ) و( 3705 )، والبيهقي 4/326 من طرق عن أبي هريرة ، به لكن بدون لفظ : ( ولو تركتموه لكفرتم ) .
(4) في " أصول الاعتقاد " ( 1576 ) .
وأخرجه : أبو يعلى ( 2349 ) من طريق أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، به ، والحديث ضعيف لضعف مؤمل بن إسماعيل فقد دفن كتبه ثم حدّث بعد فدخل الوهم في حديثه .
● [ الصفحة التالية ] ●
من طريق مؤمَّل ، قال : حدثنا حمادُ بنُ زيد ، عن عمرو ابن مالك النُّكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، ولا أحسبه إلا رفعه قال :
( عُرى الإسلامِ وقواعدُ الدِّين ثلاثةٌ ، عليهن أُسِّسَ الإسلامُ : شهادةُ أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ (1)، والصَّلاةُ ، وصومُ رمضانَ . من ترك منهنَّ واحدةً ، فهو بها كافرٌ ، حلالُ الدَّمِ ، وتجدُه كثير المال لم يحجَّ ، فلا يزالُ بذلك كافراً ولا يحلُّ دمه ، وتجده كثيرَ المال فلا يزكِّي ، فلا يزالُ بذلك كافراً ولا يحلُّ دَمُهُ ) ورواه قتيبة بنُ سعيدٍ ، عن حماد بنِ زيد موقوفاً مختصراً ، ورواه سعيدُ بنُ زيد أخو حماد ، عن عمرو بنِ مالك ، بهذا الإسناد مرفوعاً، وقال : ( من ترك منهنَّ واحدةً، فهو باللهِ كافرٌ ، ولا يُقبَلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ ، وقد حلَّ دمُه ومالُه ) ولم يذكر ما بعده .
وقد رُويَ عن عمر ضربُ الجزية على من لم يحجَّ، وقال : ليسوا بمسلمين(2) . وعن ابن مسعود : أنَّ تارك الزَّكاة (3) ليس بمسلم(4) ، وعن أحمد رواية : أنَّ ترك الصلاة والزكاة خاصَّةً كفرٌ دونَ الصيام والحج .
وقال ابن عيينة : المرجئة سَموا تركَ الفرائض ذنباً بمنزلة ركوبِ المحارم ، وليس سواء ؛ لأنَّ ركوب المحارم متعمداً من غير استحلالٍ معصيةٌ ، وتركَ الفرائض من غير جهلٍ ولا عذرٍ هو كفر . وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهودِ الذين أقرُّوا ببعث(5) النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بلسانهم ، ولم يعملوا بشرائعه(6) .
-------------------------
(1) عبارة : ( وأن محمداً رسول الله ) لم ترد في ( ج ) .
(2) تقدم تخريجه .
(3) في ( ص ) : ( الصلاة ) .
(4) تقدم تخريجه .
(5) في ( ج ) : ( بنعت ) .
(6) أخرجه : عبد الله بن أحمد في " السنة " ( 745 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقد استدلَّ أحمد وإسحاق على كفرِ تاركِ الصَّلاةِ بكفر إبليسَ بترك السجودِ لآدمَ ، وتركُ السُّجود لله أعظم(1) .
وفي " صحيح مسلم " (2) عن أبي هريرة ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : ( إذا قرأ ابنُ آدم السَّجدةَ فسجدَ ، اعتزل الشيطان (3) يبكي ويقول : يا ويلي أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسُّجود ، فسجد ، فله الجنة ، وأُمرت بالسجود فأبيت ، فلي النار ) .
واعلم أنَّ هذه الدعائم الخمسَ بعضُها مرتبطٌ ببعض ، وقد روي أنَّه لا يُقبل بعضُها بدون بعض كما في "مسند الإمام أحمد"(4)
-------------------------
(1) انظر : شرح النووي لصحيح مسلم 2/144-145 .
(2) الصحيح 1/61 ( 81 ) ( 133 ) .
وأخرجه : عبد الله بن المبارك في " الزهد " ( 981 ) ، وأحمد 2/443 ، وابن ماجه ( 1052 ) ، والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " ( 316 ) ، وأبو عوانة 2/224 و225 ، واللالكائي في " أصول الاعتقاد " ( 1527 ) ، وأبو نعيم في " المستخرج " ( 244 ) وفي " الحلية " ، له 5/60 من طرق عن أبي هريرة ، به .
(3) في ( ص ) : ( قام إبليس ) بدل : ( فسجد اعتزل الشيطان ) .
(4) المسند 4/200 ، وهو مع إرساله فيه ابن لهيعة ضعيف .
وأورده المنذر في "الترغيب والترهيب" ( 810 ) وعزاه لأحمد، وقال عقبه : ( وهو مرسل ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
عن زياد بن نُعيم الحضرمي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أربعٌ فرضهنّ الله في الإسلام ، فمن أتى بثلاثٍ لم يُغنين عنه شيئاً حَتّى يأتي بهنّ جميعاً: الصَّلاةُ، والزكاةُ، وصومُ رمضان، وحَجُّ البيتِ ) وهذا مرسل ، وقد روي عن زياد، عن عُمارةَ بن حزم، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (1) .
ورُوي عن عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، قال : قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الدِّين خمسٌ لا يقبلُ الله(2) منهن شيئاً دون شيء : شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله ، وأنَّ محمداً عبدُه ورسوله ، وإيمانٌ بالله وملائكته وكتبه ورُسُلِه ، وبالجنَّةِ والنارِ ، والحياةِ بعدَ الموتِ هذه واحدة ، والصلواتُ الخمسُ عمود الدين لا يقبلُ الله الإيمان إلاَّ بالصلاة ، والزكاةُ طهور من الذنوب ، ولا يقبلُ الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء(3)، ثم جاء رمضان فتركَ صيامَه متعمداً ، لم يقبل الله منه الإيمانَ ، ولا الصلاةَ ، ولا الزكاة(4) ، فمن فعل هؤلاء الأربع ، ثُمَّ تيسَّر له الحجّ ، فلم يحجّ ، ولم يُوص بحجة ، ولم يحجَّ عنه بعض أهله ، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها ) ذكره ابن أبي حاتم(5)
-------------------------
(1) أخرجه أحمد كما في " جامع المسانيد " 9/316 ( 6833 ) . وأورده الحافظ ابن حجر في " أطراف المسند " 2/365 ( 2398 ) في مسند زياد بن نعيم ثم قال : ( هكذا وقع في بعض النسخ ، وعليه مشى ابن عساكر ، ووقع في بعضها : عن زياد بن نعيم ، عن عمارة بن حزم ، به ) ، وأورده الهيثمي في " مجمع الزوائد " 6/47 وعزاه لأحمد والطبراني في " الكبير " ، وقال الهيثمي : ( وفي إسناده ابن لهيعة ) .
(2) لفظ الجلالة لم يرد في ( ص ) .
(3) زاد بعدها في ( ص ) : ( الأربع ) .
(4) عبارة : ( ولا الزكاة ) لم ترد في ( ص ) .
(5) في " العلل " 1/293-294 ( 879 ) و2/156 ( 1962 ) .
وأخرجه : أبو نعيم في " الحلية " 5/201-202 من طريق عثمان بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، به . وقال عقبه : ( غريب من حديث ابن عمر ، بهذا اللفظ ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
وقال : سألت أبي عنه فقال : هذا حديث منكر يُحتمل أنَّ هذا من كلام عطاء الخراساني .
قلت : الظاهر أنَّه من تفسيرِهِ لحديث ابنِ عمرَ ، وعطاء من جلَّةِ علماءِ الشَّام .
وقال ابنُ مسعود : من لم يزكِّ ، فلا صلاةَ له . ونفيُ القبولِ هنا لا يُراد به نفيُ الصِّحَّةِ ، ولا وجوب الإعادة بتركه ، وإنما يُراد بذلك انتفاء الرِّضا به ، ومدح عامله ، والثناء بذلك عليه في الملأ الأعلى ، والمباهاة به للملائكة .
فمن قام بهذه الأركان على وجهها ، حصل له القبول بهذا المعنى ، ومن قام (1) ببعضها دُونَ بعضٍ ، لم يحصل له ذلك ، وإنْ كان لا يُعاقَبُ على ما أتى به منها عقوبةَ تاركه ، بل تَبرَأُ به ذمته ، وقد يُثابُ عليه أيضاً .
ومن هنا يُعلَمُ أنَّ ارتكابَ بعضِ المحرماتِ التي ينقص بها الإيمانُ تكونُ مانعةً من قبول بعض الطاعات ، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه ، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - : ( مَنْ شرِبَ الخمرَ لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً )(2)
-------------------------
(1) في ( ص ) : ( أتى ) .
(2) أخرجه : الطيالسي ( 1901 ) ، وعبد الرزاق ( 17058 ) و( 17059 )، وأحمد 2/35 ، والترمذي ( 1862 ) ، وأبو يعلى ( 5686 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 13441 ) و(13445 ) و( 13448 ) ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 5580 ) ، والبغوي ( 3016 ) من طرق عن ابن عمر ، به ، قال الترمذي : ( هذا حديث حسن ) .
وأخرجه : أحمد 2/176 ، والبزار ( 2493 ) ، والنسائي 8/316 وفي " الكبرى " ، له ( 579 ) ، والحاكم 1/30 عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، به .
وأخرجه : أحمد 5/171 ، والبزار ( 4074 ) من طرق عن أبي ذر ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
، وقال : ( مَنْ أتى عرَّافاً فصدَّقه بما يقولُ ، لم تُقبل له صلاة أربعين
يوماً )(1) ، وقال : ( أيما عبد أبقَ من مواليه ، لم تُقْبَلْ له صلاةٌ )(2) .
-------------------------
(1) أخرجه : أحمد 4/68 ، ومسلم 7/37 ( 2230 ) ( 125 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 10/406-407، والبيهقي 8/138 من طريق نافع ، عن صفية ، عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، به .
(2) أخرجه : مسلم 1/59 ( 70 ) ( 124 ) ، والنسائي 7/102 وفي " الكبرى " ، له ( 3498 ) ، وابن خزيمة ( 941 ) ، والطبراني في " الكبير " ( 2357 ) ، وابن حزم في " المحلى " 4/46 ، والبيهقي في " شعب الإيمان " ( 8595 ) ، والبغوي ( 2409 ) من طريق الشعبي ، عن جرير ، به .
● [ الصفحة التالية ] ●
وحديثُ ابنِ عمر يستدلُّ به على أنَّ الاسمَ إذا شمل أشياءَ متعدِّدةً ، لم يَلزم زوال الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قولُ من قال: إنَّ الإيمانَ لو دخلت فيه الأعمال، للزم أنْ يزولَ بزوالِ عمل مما دخل في مسمَّاه، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جعل هذه الخمسَ دعائمَ الإسلامِ ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبريل(1)، وفي حديث طلحة ابن عُبيد الله الذي فيه أنَّ أعرابياً سأل النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عنِ الإسلام ، ففسره له بهذه الخمس(2) .
-------------------------
(1) وحديث جبريل تقدم تخريجه ، وهو الحديث الثاني من هذا الكتاب .
(2) أخرجه : مالك في " الموطأ " ( 485 ) برواية الليثي ، والشافعي في " الرسالة " ( 344 ) وفي " مسنده " ، له ( 116 ) و( 117 ) بتحقيقي ، وأحمد 1/162 ، والدارمي ( 1586 ) ، والبخاري 1/18 ( 46 ) و3/30 ( 1891 ) و3/235 ( 2678 ) و9/29 ( 6956 ) ، ومسلم 1/31 ( 11 ) ( 8 ) و1/32 ( 11 ) ( 9 ) ، وأبو داود ( 391 ) و( 392 ) و( 3252 ) ، والبزار ( 933 ) ، والنسائي 1/226-228 و4/120 و8/118-119 وفي " الكبرى " ، له ( 319 ) ( 2400 ) و( 11759 ) ، وابن الجارود ( 144 ) ، وابن خزيمة ( 306 ) ، وابن حبان ( 1724 ) و( 3262 ) ، والبيهقي 1/361 و2/8 و466 و467 ، والبغوي ( 7 ) .
● [ الصفحة التالية ] ●
ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون : لو زال من الإسلام خَصلةٌ واحدةٌ ، أو أربع خصالٍ سوى الشهادتين ، لم يخرج بذلك من الإسلام . وقد روى بعضهم : أنَّ جبريلَ - عليه السلام - سأل النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن شرائع الإسلام ، لا عن الإسلام ، وهذه اللفظة لم تصحَّ عندَ أئمَّة الحديث ونُقَّاده ، منهم : أبو زُرعة الرازي ، ومسلم بن الحجاج(1) ، وأبو جعفر العُقيلي وغيرُهم .
وقد ضرب العلماءُ مثل الإيمان بمثلِ(2) شجرة لها أصلٌ وفروعٌ وشُعَبٌ ، فاسمُ الشَّجرةِ يَشمَلُ ذلك كله ، ولو زال شيءٌ من شُعَبها وفروعها ، لم يزُل عنها اسمُ الشجرة ، وإنَّما يُقال : هي شجرة ناقصةٌ ، أو غيرُها أتمُّ منها .
وقد ضربَ الله مثلَ الإيمان بذلك في قوله تعالى : { ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } (3). والمراد بالكلمة كلمةُ التَّوحيد ، وبأصلها التَّوحيد الثَّابت في القلوب ، وأُكُلها : هو(4) الأعمال الصالحة الناشئة منه (5).
-------------------------
(1) قال مسلم في " التمييز " : 75 : ( فأما رواية أبي سنان ، عن علقمة في متن هذا الحديث إذ قال فيه : إن جبريل - عليه السلام - قال : جئت أسألك عن شرائع الإسلام فهذه زيادة مختلقة ، ليست من الحروف بسبيل وإنما أدخل هذا الحرف –في رواية هذا الحديث- شرذمة زيادة في الحرف مثل ضرب النعمان بن ثابت وسعيد بن سنان ومن نحا في الإرجاء نحوهما ، وإنما أرادوا بذلك تصويباً في قوله في الإيمان وتعضيد الإرجاء ذلك ما لم يزد قولهم إلاّ وهناً وعن الحق إلاّ بعداً إذ زادوا في رواية الأخبار ما كفى بأهل العلم ) .
(2) سقطت من ( ص ) .
(3) إبراهيم : 24-25 .
(4) سقطت من ( ص ) .
(5) انظر : تفسير الطبري 13/635 .
● [ الصفحة التالية ] ●
وضرب النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مثل المؤمن والمسلمِ بالنَّخلة(1) ، ولو زال شيءٌ من فروع النخلة ، أو من ثمرها، لم يزل بذلكَ عنها اسمُ النخلة بالكلية ، وإن كانت ناقصةَ الفروع أو الثَّمر .
ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا ، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ الأعمال ،
وفي رواية : أنَّ ابنَ عمر قيل له : فالجهاد ؟ قالَ : الجهاد حسن ، ولكن هكذا حدَّثنا رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - . خرَّجه الإمام أحمد(2) .
وفي حديث معاذ بنِ جبل : ( إنَّ رأسَ الأَمرِ الإسلامُ ، وعمودهُ الصَّلاةُ ، وذروةُ سنامه الجهاد )(3) وذروةُ سنامه : أعلى شيء فيه ، ولكنَّه ليس من دعائمه وأركانه التي بُني عليها ، وذلك لوجهين :
-------------------------
(1) هو حديث ابن عمر قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنَّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها وأنَّها مثل المسلم فحدثوني ما هي ؟ ) فوقع الناس في شجر البوادي ، قال عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما - : ووقع في نفسي أنَّها النخلة فاستحيت ، ثم قالوا : حدثنا ما هي يا رسول الله ؟ فقال : هي النخلة ، قال : فذكرت ذلك لعمر ، فقال : لأنْ تكون قلت هي النخلة أحب إليّ من كذا وكذا .
... أخرجه : الحميدي (676 ) و( 677 ) ، وأحمد 2/12 و31 و61 و115 و157 ، والبخاري 1/23 ( 61 ) و1/24 ( 62 ) و1/28 ( 72 ) و1/44 ( 131 ) و3/103 ( 2209 ) و6/99 ( 4698 ) و7/104 ( 5448 ) و8/36 ( 6122 ) و8/42 ( 6144 ) ، ومسلم 8/137 ( 2811 ) ( 63 ) و( 64 ) واللفظ له ، والنسائي في " الكبرى " ( 11261 ) من طرق عن ابن عمر ، به . والروايات مطولة ومختصرة .
(2) في " مسنده " 2/26 ، وإسناده ضعيف لانقطاعه ولجهالة حال يزيد بن بشر السكسكي .
(3) تقدم تخريجه قبل صفحات .
● [ الصفحة التالية ] ●
أحدهما : أنَّ الجهادَ فرضُ كفاية عند جمهورِ العلماء ، ليس بفرضِ عينٍ ، بخلاف هذه الأركان(1) .
والثاني : أنَّ الجهاد لا يَستمِرُّ فعلُه إلى آخر الدَّهر ، بل إذا نزل عيسى - عليه السلام - ، ولم يبقَ حينئذٍ ملة إلاّ ملة(2) الإسلام ، فحينئذٍ تضعُ الحربُ أوزارَها ، ويُستغنى عن الجهاد ، بخلاف هذه الأركان ، فإنَّها واجبةٌ على المؤمنين إلى أن يأتيَ أمرُ الله وهم على ذلك ، والله أعلم .
-------------------------
(1) قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك وسائر فقهاء الأمصار : ( إن الجهاد فرض إلى يوم القيامة ، إلا أنه فرض على الكفاية إذا قام به بعضهم كان الباقون في سعة من تركه ) . وقد ذكر أبو عبيد أن سفيان الثوري كان يقول : ( ليس بفرض ولكن لا يسع الناس أن يجمعوا على تركه ويجزي فيه بعضهم على بعض ) . أحكام القرآن للجصاص 3/146 .
(2) في ( ص ) : ( سوى ملة ) .


جامع العلوم والحكم
لإبن رجب الحنبلي
منتدى ميراث الرسول . البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 5:33