بداية أحداث سنة تسع وعشرين ومائتين والف

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 3048
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

بداية أحداث سنة تسع وعشرين ومائتين والف

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء 16 مايو 2018 - 15:00


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها واعيانها ووفيات
فى سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة
{ أحداث شهر المحرم سنة 1229 }

ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين والف
واستهل المحرم بيوم الجمعة وفي ليلة الجمعة ثامنه وردت مكاتبات من الديار الحجازية وفيها الاخبار بأن الباشا قبض على الشريف غالب امير مكة وقبض على اولاده الثلاثة واربعة عبيد طواشية من عبيده وارسلهم الى جدة وانزلهم في مركب من مراكبه وهي واصلة بهم والذي وصل في مركب صغيرة تسمى السبحان سبقتهم في الحضور الى السويس واخبروا أيضا في المكاتبة انه لما قبض عليهم احضر يحيى ابن الشريف سرور وقلده الامارة عوضا عن عمه غالب وقبضوا أيضا على وزيره الذي بجدة واصحبوه معهم وقلد مكانه في الكمارك شخصا من الاتراك يسمى علي الوجاقلي فلما وصل الهجان بهذه المكاتبة الى السيد محمد المحروقي ليلا ركب من وقته الى كتخدا بك في بيته واطلعه على المكاتبات فلما طلع النهار نهار يوم الجمعة ضربوا عدة مدافع من القلعة اعلاما وسرورا بذلك
وفيه احتفل كتخدا بك بعمل مهم أيضا لزواج اسمعيل باشا ابن محمد علي باشا ومحمد بك الدفتردار على ابنة الباشا واسماعيل باشا على ابنة عارف بك ابن خليل باشا التى احضرها صحبته من اسلامبول وقد ذكر العقد عليهما في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان من السنة الماضية قبل توجه الباشا الى الحجاز فألزم كتخدا بك السيد محمد المحروقي بتنظيم الفرح والاحتياجات واللوازم واتفقوا على أن يكون نصبة الفرح ببركة الازبكية تجاه بيت حريم الباشا وطاهر باشا تعمل الولائم واجتماع المدعوين ببيت طاهر باشا والمطبخ بخرائب بيت الصابونجي وارسدوا اوراق التنابيه للمدعوين على طبقات الناس بالترتيب ونصبوا بوسط البركة عدة صواري لاجل الوقدات والقناديل التى تعمل عليها التصاوير من القناديل فترى من البعد صورة مركب او سبعين متقابلين او شجرة او محمل على جمل او كتابة مثل ما شاء الله نحو ذلك وصفوا بوسط البركة عدة مدافع صفين متقابلين ونصب بهلوان الحبل حبله اوله من اتجاه بيت الباشا وآخره برأس المنارة التى جهة حارة الفوالة خلف رصيف الخشاب حيث الابنية المتخربة في الحوادث الماضية بالقرب من القشلة وعمارات محمد باشا خسرو التى لم تكمل وبهلوان آخر شامي بالناحية الاخرى وانتقل السيد محمد المحروقي من داره الى بيت الشرايبي تجاه جامع ازبك لاجل مباشرة المهمات فلما اصبح يوم السبت وهو يوم الابتداء ودعوة الاشياخ رتبوهم فرقتين فرقة تاني ضحوة النهار واخرى بعد العصر واجتمع بالازبكية اصناف ارباب الملاعيب والمغز لكين والجنباذية والحببظية والحواة والقرداتية والرقاصين والربامكة وغير ذلك اصناف واشكال فاحتفلت واقبل من كل ناحية اصناف الناس رجال ونساء واقارب واباعد واكابر واصاغر وعساكر وفلاحون ويهود ونصارى واروام لاجل التفرج حتى ازدحمت الطرق الموصلة الى الازبكية من جميع النواحي بأنصاف الناس الذاهبين والراجعين والمترددين واستمر ضرب المدفع من ليلة السبت المذكور الى ليلة الجمعة التالية الاخرى ليلا ونهارا والحرائق والنفوط والسواريخ في الليل ولعبت ارباب الملاعيب والبهلوانات على الحبال وكذلك احتفل النصارى وعملوا وقدات وحراقات تجاه حاراتهم ومساكنهم وصادف ذلك عيد الميلاد وعملوا لهم مراجيح وملاعيب
وفي اثناء ذلك وقع التنبيه على اصحاب الحرف والصنائع بعمل عربات مشكلة وممثلة بحرفتهم وصنائعهم ليمشوا بها في زفة العروس فاعتنى اهل كل حرفة وصناعة بتنميق وتزيين شكله وتباهوا وتناظروا وتفاخروا على بعضهم البعض فكان كل من سولت له نفسه وحدثه الشيطان باحداث شىء فعله وذهب الى المتعين لذلك فيعطيه ورقة لان ذلك لم يكن لاناس مخصوصة او عدد مقدر بل بتحكماتهم والزم بعضهم البعض فيفرض رئيس الحرفة على اشخاص اهلها فرائض ودراهم يجمعها منهم وينفقها على العربة وما يلزمها من اخشاب وحبال وحمير او خيل او رجال يسحبونها وما يكتريه او يستعيره لزينتها من المزركشات والمقصبات والطليعات وادوات الصنعة التى تتميز بها عن غيرها فتصير في الشكل كأنها حانوت والبائع جالس فيها كالحلواني وامامه الاواني فيها انواع الحلو والسكري وحوله اواني الملبس واقماع السكر معلقة حوله والشربات والشربتلي والعطار والحريري والعقاد البلدي والرومي والزيات والحداد والنجار والخياط والقزاز والحباك والنشار وهو ينشر الخشب بمنشاره المعلق والطحان والفران ومعه الفرن وهو يخبز فيه الفطاطري والجزار وحوله لحم الغنم ومثله جزار الجاموس والكبابجي والنيفاوي وقلاء الجبن والسمك والجيارين والجباسين بالبحر والثور يدور به وهو ماش بالعربة والبناء والمبلط والمبيض النحاس وللبناء والسمكري تتمته احدى وتسعون عربة وفيهم حتى المراكبي في قنجة كبيرة كامل العدة والقلوع تمشى على الارض على العجل خلاف اربع عربات المختصة بالعروس فلما كان يوم الاربعاء سحبوا تلك العربات وانجروا بمواكبهم وطبولهم وزمورهم وامام كل عربة اهل حرفتها وصناعتها مشاة خلف الطبول والزمور وهم مزينون بالملابس وملابسهم الفاخرة واكثرها مستعارة فكانوا ينزلون الى البركة من ناحية باب الهواء ويمرون من تحت بيت الباشا الى ناحية رصيف الخشاب ويأتي كبير الحرفة بورقته الى المتعين لملاقاتهم فينعم عليه بخلعة ودراهم فيعطى البعض شال كشميري والفين فضة والبعض طاقة تفصيلة قطني او اربعة اذرع جوخ على قدر مقام الصنعة واهلها واستمر مرورهم من اول النهار الى بعد الغروب واصطفوا بأسرهم عند رصيف الخشاب ولما اصبح يوم الخميس رتبوا مرور الزفة وعين لترتيبها اشخاصا ومنهم السيد محمد درب الشمسي وهو كبير المنظمين وكان خروجها من بيت الحريم وهو الذي كان سكن الشيخ خليل البكري وذهبوا وانجروا على طريق الموسكي على تحت الربع الى باب زويلة إلى الغورية الى بين القصرين الى سوق مرجوش الى باب الحديد الى بولاق الى سراية اسماعيل باشا التى جددوها قبلي بولاق قريبا من الشون فلم تصل الى منزلها الا عند الغروب وكان اول الزفة طائفة من العسكر الدلاة ثم والي الشرطة ثم المحتسب ثم موكب آغات الينكجرية وبعدهم المساخر والنقاقير وعدتها عشرة نقاقير وعلى كل نقارة تفصيلة ثم العربات المذكورة وفيها أيضا تجار الغورية وطائفة تجار خان الخليلي في موكب حفل وتجار الحمزاوي من نصارى الشوام وغيرهم وكان يوما مشهودا اجتمعت فيه الخلائق للفرجة في طرقها حتى طريق بولاق واكترى الناس الاماكن المطلة على الشارع والحوانيت بأغلى الاثمان ولما وصلت العروس الى قصرها ضربوا عدة مدافع من بولاق والازبكية والجيزة وكان العزم على المهم الثاني والابتداء فيه من يوم السبت الذي بعد الجمعة فرسموا بتأخير الى الجمعة الاخرى لتأخر ام العريس ومن يصحبها من النساء واقمن ببولاق تلك الجمعة واستمرت قصبة الصواري والحبال والالات على حالها بالازبكية
وفي يوم الاحد سابع عشره وصل السيد غالب شريف مكة الى مصر القديمة وقد اتت به السفينة من القلزم الى مرساة ثغر القصير فتلقاه ابراهيم باشا وحضر صحبته الى قنا وقوص ثم ركب النيل بمن معه من اولاده وعبيده والعسكر الواصلين صحبته وحضر الى مصر القديمة فلما وصل الخبر الى كتخدا بك ضربوا عدة مدافع من القلعة اعلاما بوصوله واكراما على حد قوله تعالى دق انك انت العزيز الكريم وركب صالح بك السلحدار واحمد أغا اخو كتخدا بك في طائفة لملاقاته واحضاره وهيؤا له مكانا بمنزل احمد أغا اخي كتخدا بك بعطفة ابن عبد الله بك بخط السروجية لينزل فيه وانتظره الكتخدا بك بعطفه ابن عبد الله بك بخط السروجية لينزل فيه وانتظره الكتخدا هناك وصحبته بونابارته الخازندار ومحمود بك ومحو بك وابراهيم أغا آغات الباب والسيد محمد المحروقي فلما وصل الى الدار نزل الكتخدا والجماعة ولا قو عند سلم الركوبة وقبلوا يده ولزم الكتخدا بيده تحت ابطه حتى صعد الى محل الجلوس الذي اعدوه له واستمر الكتخدا قائما على قدميه حتى اذن له في الجلوس هو وباقي الجماعة وعرفه الكتخدا عن السيد محمد المحروقي فتقدم وقبل يده فقام له وسلم عليه وجلس بحذاء الكتخدا ليترجم عنه في الكلام ويؤانسوه ويطمنوا خاطره ثم ان الكتخدا اعتذر له باشتغاله باحوال الدولة واستأذنه في الذهاب الى ديوانه وعرفه أن اخاه ينوب عنه في الخدمة ولوازمه فقبل عذره وقام منصرفا هو وباقي الجماعة ما عدا السيد محمد المحروقي ومحمود بك فإن الكتخدا امرهما بالتخلف عنده ساعة فجلسا معه وتغديا صحبته ومعه اولاده الثلاثة وعبيد ثم انصرفا الى منزلهما ولم يأذن الكتخدا لاحد من الاشياخ او غيرهم من التجار بالسلام عليه والاجتماع به والذي بلغنا في كيفية القبض عليه انه لما ذهب الباشا الى مكة واستمر هو وابنه طوسون باشا مع الشريف غالب على المصادقة والمسالمة والمصافاة وجدد معه العهود والايمان في جوف الكعبة بأن لا يخون احد صاحبه وكان الباشا يذهب اليه في قلة وهو الاخر ياتي اليه والى ابنه كذلك واستمروا على ذلك خمسة عشر يوما من ذي القعدة دعاه طوسون باشا اليه فأتى اليه كعادته في قلة فوجد بالدار عساكر كثيرة فعند ما استقر به المجلس وصل عابدين بك في عدة وافرة وطلع الى المجلس فدنا منه واخذ الجنبية من حزامه وقال له انت مطلوب للدولة فقال سمعا وطاعة ولكن حتى اقضى اشغالي في ظرف ثلاثة ايام واتوجه فقال لا سبيل الى ذلك والسفينة حاضرة في انتظارك فحصل في جماعة الشريف وعبيده رجة وصعدوا على ابراج سرايته وارادوا الحرب فأرسل اليهم الباشا يقول لهم أن وقع منكم حرب احرقت البلدة وقتلت استاذكم وارسل لهم أيضا الشريف يكفهم عن ذلك وكان بها اولاده الثلاثة فحضر اليهم الشيخ احمد تركي وهو من خواص الشريف وخدمهم وقال لهم لم يكن هناك باس وانما والدكم مطلوب في مشاورة مع الدولة ويعود بالسلامة وحضرة الباشا يريد أن يقلد كبيركم نيابة عن ابيه الى حين رجوعه ولم يزل حتى انخدع كبيرهم لكلامه وقاموا معه فذهب بهم الى محل خلاف الذي به والدهم محتفظا بهم وفي الوقت احضر الباشا الشريف يحيى بن سرور وهو ابن اخي الشريف غالب وخلع عليه وقلده امارة مكة ونودي في البلدة بإسمه وعزل الشريف غالبا حسب الاوامر السلطانية واستمر الشريف غالب اربعة ايام عند طوسون باشا ثم اركبوه واصحبوا معه عدة من العسكر وذهبوا به وبأولاده الى بندر جدة وانزلوهم السفينة وساروا بها من ناحية القصير من صعيد مصر وحضر كما ذكر
وفي يوم الاربعاء وصل قاصد من الديار الرومية وعلى يده مثالان فعمل كتخدا بك ديوانا في صبيحة يوم الخميس حادي عشرينه وقرئ ذلك وهما مثالان يتضمن احدهما التقرير لمحمد علي باشا على ولاية مصر على السنة الجديدة والثاني الاخبار والبشارة باستيلاء العثمانيين على بلاد الصرب ولما فرغوا من قراءتها ضربوا عدة مدافع من القعلة وفي عصرية ذلك اليوم حضر حريم الباشا من بولاق الى الازبكية في عربات فضربوا لحضورهن مدافع من الازبكية وشرعوا في عمل المهم الثاني لابنة الباشا على الدفتردار وافتتحوا ذلك من ليلة السبت على النسق المتقدم وعملوا العزائم والولائم واحتفلوا زيد من المهم الاول واحضروا الشريف غالبا واعدوا له مكانا ببيت الشرايبي على حدته هو واولاده ليتفرجوا على الملاعيب والبهلوانات نهارا والشنك والحراقات ليلا وعلى الشريف واولاده الحرس ولايجتمع بهم احد على الوجه والصورة التي كانوا عليها بالمنزل الذي نزلوا فيه فلما كان في يوم الاربعاء اجتمع ارباب العربات واصحابها وقد زادوا عن الاولى خمسة عشر عربة وفيهم معمل الزجاج وباتوا بنواحي البركة على النسق المتقدم ونصبوا لهم خياما تقيهم من البرد والمطر لان الوقت شات ولما اصبح يوم الخميس انجرت العربات وموكب الزفة من ناحية باب الهواء على قنطرة الموسكي على باب الخرق على درب الجماميز وعطفوا من الصليبة على المظفر على السروجية على قصبة رضوان بك على باب زويلة على شارع الغورية على الجمالية على سوق مرجوش على بين السورين على لازبكية على باب الهواء الى المنزل الذي اعدوه لها وهو بيت ابنة اسمعيل بك وهي بنت ابراهيم بك وكانت متزوجة بإسمعيل بك ولما مات تزوج بها مملوكه محمد أغا ويعرف بالالفي وقد تولى اغاوية مستحفظان في هذه الدولة واعتنى بهذه الدار وعمر بها مكانين بداخل الحريم وزخرفها ونقشها نقشا بديعا صناعة صناع العجم واستمروا في نقشها سنتين ولما ماتت المذكورة في اوائل هذه السنة واستمر هو ساكنا فيها وانزل الباشا عنده القاضي المنفصل عن قضاء مصر المعروف ببهجة افندي وقاضي مكة صادق افندي حين حضر من اسلامبول ثم امره الباشا بالخروج منها واخلائها لاجل أن يسكن بها ابنته هذه المزفوفة فخرج منها في اوائل شوال وكذلك سافر القاضيان الى الحجاز بصحبة الباشا وعند ذلك بيضوها وزادوا في زخرفتها وفرشوها بأنواع الفرش الفاخرة ونقلوا اليها جهاز العروس والصناديق وما قدم اليها من الهدايا والامتعه والجواهر والتحف من الاعيان وحريماتهم حتى من نساء الامراء المصريين المنكوبين وقد تكلفوا فوق طاقتهم وباعوا واستدانوا وغرموا في النقوط والتقادم والهدايا في هذين المهمين ما اصبحوا به مجردين ومديونين وكان اذا قدمت احدى المشهورات منهن هديتها عرضوها على ام العروسين التي هي زوجة الباشا فقلبت ما فيها من المصاغ المجوهر والمقصبات وغيرها فإن اعجبتها تركتها والا امرت بردها قائلة هذا مقام فلانة التي كانت بنت امير مصر او زوجة فتتكلف المسكينة للزيادة ونحو ذلك مع ما يلحقها من كسر الخاطر وانكساف البال ثم ادخلوا العروس الى تلك الدار عندما وصلت بالزفة
ومما حصل انه قبل مرور موكب الزفة بيومين طاف اصحاب الشرطة ومعهم رجال وبأيديهم مقياس فكلما مروا بناحة او طريق يضيق عن القياس هدموا ما عارضهم من مساطب الدكاكين او غيرها من الجهتين لاتساع الطريق لمرور العربات والملاعيب وغيرها فأتلفوا كثير من الابنية ونودي في يوم الاربعاء بزينة الحوانيت والطرق التي تمر عليها الزفة بالعروس
ومما حصل من الحوادث السماوية أن في يوم الخميس المذكور عندما توسطت الزفة في مرورها بوسط المدينة اطبق الجو بالغيام وامطرت السماء مطرا غزيرا حتى تبحرت الطرق وتوحلت الارض وابتلت الخلائق من النساء والرجال المجتمعين للفرجة وخصوصا الكائنين بالسقائف وفوق الحوانيت والمساطب واما المتعينون للمشي في الموكب ولابد الذين لامفر لهم من ذلك ولا مهرب فاختل نظامهم وابتلت ثيابهم وتكدرت طباعهم وانتقضت اوضاعهم وزادت وساوسهم وتلفت ملابسهم وهطل الغيث على الابريسم والحرير والشالات الكرخانة والسليمي والكشمير وما زينت بها العربات من انواع المزركش والمقصبات ونفذت على من بداخلها من القيان والاغاني الحسان وكثير من الناس وقع بعدما تزحلق وصار نوبة بالوحل ابلق ومنهم من ترك الزفة وولى هاربا في عطفة يمسح بيده في الحيط بما تلطخ بها من الرطريط وتعارجت الحمير وتعثرت البياجير وانهدم تنور الزجاج ولم ينفع به العلاج وتلف للناس شئ كثير ولايدفع قضاء الله حيلة ولاتدبير ولم تصل العروس الى دارها الا قبيل دنو الشمس من غروبها وعند ذلك انجلى الجو وانكشفت بيوت النور ووافق ذلك اليوم ثالث عشر طوبة من شهور القبط المحسوبة وحصل بذلك الغيث العميم النفع لمزارع الغلة والبرسيم
وفيه وردت مكاتبات من العقبة فيها الاخبار بوصول قافلة الحج صحبة المحمل واميرها مصطفى بك دالي باشا
وفي يوم الجمعة تاسع عشرينه وصل كثير من الحجاج الاتراك وغيرهم وردوا في البحر الى بندر السويس ووصل تابع قهوجي باشا واخبر عنه انه فارق مخدومه من العقبة ونزل في مركب مع ام عابدين بك وحضر الى السويس

{ أحداث شهر صفر سنة 1229 }

واستهل شهر صفر بيوم الاحد ومما وقع في ذلك اليوم من الحوادث أن صناع البارود الكائنين بباب اللوق حملوا نحو عشرة حمال من الجمال اوعية ملانه بارودا وهي الظروف المصنوعة من الجلود التي تسمى البطط يريدون بها القلعة فمروا من باب الخرق الى ناحية تحت الربع فلما وصلوا تجاه معمل الشمع وبصحبة الجمال شخص عسكري فتشاجر مع الجمال ورد عليه القول فحنق منه فضربه بفرد الطبنجة فأصابت احدى البطط فالتهبت بالنار وسرت الى باقي لاحمال فالتهب الجميع وصعد الى عنان السماء فاحترقت السقيفة المطلة على الشارع وما بناحيتها من البيوت والذمم اسفلها من الحوانيت وكذلك من صادف مروره في ذلك الوقت واحترق ذلك العسكري والجمال فيمن احترق واتفق مرور امرأة من النساء المحتشمات مع رفيقتها فاحترقت ثيابها مع رفيقتها وذهبت تجري والنار ترعى فيها وكانت دارها بالقرب من تلك الناحية فما وصلت الى الدار حتى احترق ما عليها من الثياب واحترق اكثر جسدها ووصلت الاخرى بعدها وهي محترقة وعريانة فماتت من ليلتها ولحقتها الاخرى في صحوة اليوم الثاني ومات في هذه الحادثة اكثر من المائة نفس من رجال ونساء واطفال وصبيان واما الجمال فأخذوها الى بيت أبي الشوارب وهي سود محترقة الجلود وفيها من خرجت عينه فاما يعالجوها او ينحروها وكل هذه الذي حصل من الحرق والموت والهدم في طرفة عين
وفي الاثنين وصل مصطفى بك امير ركب الحجاج الى مصر وترك الحجاج بالدار الحمراء فبات في داره واصبح عائدا الى البركة فدخل مع المحمل يوم الاربعاء ودخل الحجاج واتبعهم بحيث انه اخذ المسافة في احد وعشرين يوما وسبب حضور المذكور انه ذهب بعساكره وعساكر الشريف من الطائف الى ناحية تربة والمتأمر عليها امرأة فحاربتهم وانهزم منها شر هزيمة فحنق عليه الباشا وامره بالذهاب الى مصر مع المحمل
وفيه ارسل الباشا يستدعي اثنتين او ثلاثة عينهن من محاظيه وصحبتهن خمسة من الجواري السود الاسطاوات في الطبخ وعمل انواع الفطور فأرسلوهن في ذلك اليوم الى السويس وصحبتهن نفيسة القهرمانة وهي من جواريه أيضا وكانت زوجا لقاضي اوغلى المحتسب الذي مات بالحجاز في العام الماضي
وفيه أيضا وصل حريم الشريف غالب فعينوا له دارا يسكنها مع حريمه جهة سويفة العزى فسكنها ومعه اولاده وعليهم المحافظون واستولى الباشا على موجودات الشريف غالب من نقود وامتعة وودائع ومخبات وشرك وتجارات وبن وبهار ونقود بمكة وجدة والهند واليمن شئ لايعلم قدره الا الله واخرجوا حريمه وجواريه من سرايته بما عليهن من الثياب بعد ما فتشوهن تفتيشا فاحشا وهتك حرمته قل الهم مالك الملك هذا الشريف غالب انتزع من مملكته وخرج من دولته وسيادته وامواله وذخائر وانسل من ذلك كله كالشعرة من العجين حتى انه لما ركب وخرج مع العسكر وهم متوجهون به الى جدة اخذوا مافي جيوبه فليعتبر من يعتبر وكل الذي وقع له وما سيقع له بعد من التغريب وغيره فيما جناه من الظلم ومخالفة الشريعة والطمع في الدنيا وتحصيلها بأي طريق نسأل الله السلامة وحسن العاقبة
وفي يوم الخميس خامسه طاف الاغا أيضا بأسواق المدينة وامامه المناداة على ابواب الخانات والوكائل من التجار بأنهم لايتعاملون في بيع البن والبهار الا بحساب الريال المتعارف في معاملة الناس وهو الذي يصرف تسعين نصفا لان باعة البن لايسمون في بيعه الا الفرانسة ولا يقبضون في ثمنه الا اياها بأعيانها ولايقبلون خلافها من جنس المعاملات فيحصل بذلك تعب للمتسببين الفقراء والقطاعين ومن يشتري بالقنطار او دونه فبهذه المناداة يدفع المشتري مايشاء من جنس المعاملات قروشا او ذهبا او فرانسة او أي صنف من المعاملات ويحسبه المعاملة والريال المعروف بين الناس الذي صرفه تسعون نصفا فضة واذا سمى سعر القنطار فلا يسمى الا بهذا الريال وهذه المناداة بإشارة السيد محمد المحروقي بسبب ما كان يقع من تعطيل الاسباب
وفيه سافر محمود بك وصحبته المعلم غالي للكشف عن قياس الاراضي البحرية التي نزل اليها القياسون بصحبة مباشريهم من النصارى والمسلمين من وقت انحسار الماء عن الاراضي وانتشروا بالاقاليم البحرية وهم يقيسون بقصبة تنقص عن القصبة القديمة
وفي يوم الاثنين تاسعه وصل حريم الشريف غالب من السويس فأنزلوهن ببيت السيد محمد المحروقي وعدتهن خمسة احداهن جارية بيضاء والاربعة حبشيات ومعهن جواري سود وطواشية وحضر اليهم سيدهم وصحبته احمد أغا اخو كتخدا بك وصحبتهم نحو العشرين نفرا من العسكر واستمر الجميع مقيمين بمنزل المذكور وهو يدري عليهم النفقات اللائقة بهم والمصاريف وفصل لهم كساوي من مقصبات وكشمير وتفاصيل هندسة
وفي يوم السبت رابع عشره خرج محو بك الى ناحية الاثار بعساكره ليسافر من ساحل القصير الى الحجاز باستدعاء الباشا فاستمر مقيما هناك عدة ايام لمخالفة الريح وارتحل في اواخره وفي اوائل هذا الشهر بل والذي قبله وعملوا كورنتينة في اسكندرية ودمياط فيه رجع محمود بك والمعلم غالي من سرحتهما

{ أحداث شهر ربيع الاول سنة 1229 }

واستهل شهر ربيع الاول
وفيه انتقل الشريف غالب بعياله من بيت السيد محمد المحروقي الى المنزل الذي اعدوه له وهو بيت لطيف باشا بسويقة العزى بعد ما اصلحوه وبيضوه واسكنوه به وعليه اليسق والعسكر الملازمون لبابه
وفيه ابرز كتخدا بك فرمانا وصل اليه من الباشا يتضمن ضبط جميع الالتزام لطرف الباشا ورفع ايدي المتزمين عن التصرف بل الملتزم يأخذ فائظه من الخزينة فلما اشيع ذلك ضج الناس وكثر فيهم اللغط واجتمعوا على المشايخ فطلعوا الى كتخدا بك وسألوه فقال نعم ورد من افندينا امر ذلك ولايمكنني مخالفته فقالوا له كيف تقطعون معايش الناس وارزاقهم وفيهم ارامل وعواجز وللواحدة قيراط او نصف قيراط يتعيشن من ايراده فينقطع عنهن فقال يأخذن الفائظ من الخزينة العامرة عرضحال وننتظر الجواب فأجابهم الى ذلك من باب المسايرة وفك المجلس وشرع الشيخ المهدي في ترصيف العرضحال فكتبوه وختموا عليه بعد امتناع البعض الذي ليس له التزام وكثر اللغط فيهم بسبب ذلك
وفي خامسه حضر جمع كثير من النساء الملتزمات الى الجامع الازهر وصرخوا في وجوه الفقهاء وابطلوا الدروس وبددوا محافظهم واوراقهم فتفرقوا وذهبوا الى دورهم وكان قد اجتمع معهم الكثير من العامة واستمروا في هرج الى بعد العصر ثم جاءهم من يقول لهم كلاما كذبا سكن به حدتهم فانفض الجمع وذهب النساء وهن يقلن نأتي في كل يوم على هذا المنوال حتى يفرجوا لنا عن حصصنا ومعايشنا وارزاقنا وفي ظن الناس وغفلتهم أن في الاناء بقية اوانهم يدفعون الرزية وما علموا أن البساط قد انطوى وكل قد ضل واضل وغوى ومال عن الصراط واتبع الهوى وكلب الجور قد كشر انيابه وعوى ولم يجد له طاردا ولا معارضا ولا معاندا ولما وصل الخبر الى كتخدا بك طلب بعض المشايخ وقال له ما خبر هذه الجمعية بالازهر فقال له بسبب ما بلغهم عن قطع معاشهم وانما انتم الذين تسلطونهم على هذه الفعال لاغراضكم ولابد اني استخبر على من غراهم واخرج من حقه وطلبه علي أغا الوالي وقال له اخبرني عن هؤلاء النساء من أي البيوت فقال وما علمي ومن يميزهن وغالبهن وأكثرهن نساء العساكر ولا قدرة لي على منعهن وانفض المجلس وبردت همتهم وانكمشوا وشرعوا في تنفيذ ما امروا به وترتيبه وتنظيمه
وفيه حضر محمود بك والمعلم غالي فأقاما اياما وسافرا في ثالث عشره
وفيه احضروا حسن أغا محرم المعروف بنجائي من اقليم المنوفيه وهو مريض وتوفي في ثاني يوم ودفن
وفي خامس عشره مر الاغا والوالي واغات التبديل وهم يأمرون الناس بكنس الاسواق ورشها حالا في ذلك الوقت من غير تأخير فابتدر الناس ونزلوا من حوانيتهم وبأيديهم المكانس يكنسون بها تحت حوانيتهم ثم يرشونها
وفي تاسع عشره حضر الشريف عبد الله ابن الشريف سرور ارسله الباشا الى مصر من ناحية القصير منفيا من ارض الحجاز فأنزلوه بمنزل احمد أغا كتخدا بك محجورا عليه ولم يجتمع بعمه ولم يره
وفيه كثر الطلب للريال الفرانسه بسبب احتياج دار الضرب وما يرسل الى الباشا من ذلك والزموا التجار باحضار جملة من ذلك ويأخذون بدلها قروشا فوزعوا مقادير على افرادهم بما يحتمله وجمعوا ماقدروا عليه منها
وفيه شنق شخص يسمى صالحا عند باب زويلة واستمر معلقا يومين وسبب ذلك انه يدعي الجذب والولاية وتزوج امرأة واخذ متاعها ومالها وحصل لها خلل في عقلها فأنهوا امره الى كتخدا بك فامر بحبسه واستخلصوا منه جانبا مما اخذه من متاع المرأة وكثر كلام الناس في حقه فامر الكتخدا بشنقه
وفي اواخره حضر ابراهيم بك ابن الباشا من الجهة القبلية ونزل بالبيت الذي اشتراه بنحاية الجمالية بدرب المسمط وهو بيت احمد بن محرم

{ أحداث شهر ربيع الثاني سنة 1229 }

واستهل شهر ربيع الثاني بيوم الاربعاء
وفي ليلة الاثنين سادسه حضر ميمش أغا من ناحية الحجاز مرسلا من عند الباشا بأستعمال حسن باشا للحضور الى الحجاز وكان قبل ذلك بأيام ارسل يطلب سبعة الاف عسكري وسبعة الاف كيس فشرع كتخدا بك في استكتاب اشخاص من اخلاط العالم ما بين مغاربة وصعايدة وفلاحي القرى فكان كل من ضاق به الحال في معاشه يذهب ويعرض نفسه فيكتبونه وان كان وجيها جعله اميرا على مائة او مائتين ويعطيه اكياسا يفرقها في انفاره ويشتري فرسا وسلاحا ويتقلد بسيف وطبنجات وكذلك انفاره ويلبسون قناطيش ولباسا مثل لبس العسكر ويعبى له وزنه بارود تحت ابطه وياخذ على كتفه بندقية ويمشون امام كبيرهم مثل الموكب وفيهم اشخاص من الغعلة الذين يستعملون في شيل التراب والطين في العمائر وبرابرة وارسل الكتخدا الى الفيوم وغيرها بطلب رجال من امثال ذلك وجمعوا الكثير من ارباب الصنائع مثل الخبازين والفرانين والنجارين والحدادين والبيطارة وغيرهم من ارباب الصنائع ويسحبونهم قهرا فأغلق الفرانون مخابزهم وتعطل خبيز خبز الناس اياما
وفيه ورد الطلب لحسن باشا فشرع في تشهيل احواله ولوازم سفر ثم حضر ميمش أغا باستعجاله واستعجال المطلوبات من الاموال وغيرها
وفيه قبضوا على اليهود الموردين الذين يوردون الذهب والفضة لدار الضرب بسبب احضار الفرانسة وقد قلت بأيدي الناس جد الكثير اخذها والطلب لها وانقطاع مجيئها من بلادها فحبسوهم وضربوهم وانزلوا في اسوا حال متحيرين وذلك أن راتب الضربخانة سبعة ألاف في كل يوم عنها ثلاثة وستون ألف درهم وقدرها ثلاث مرات من النحاس يضربون ذلك قروشا حتى بلغ سعر النحاس القراضة مائة وعشرين نصفا فضة
وفي تاسعه حضر محمود بك الدويدار والمعلم غالي من سرحتهما الى مصروهما المتأمران على مباشرة قياس الاراضي وتشهيل المال المفروض وسبب حضورهما أن ابراهيم باشا ارسل بطلبهما للحضور ليتشاور معهما في امر فاقاما اربعة ايام وعادا راجعين الى شغلهما
وفي منتصفه سافر ابراهيم باشا عائدا الى اسيوط وذهب صحبته اخوه اسمعيل باشا والبيكات الصغار خوفا وهروبا من الطاعون
وفيه كمل تعمير الجامع الذي عمره دبوس اوغلي الذي بقرب داره التي بفيط العدة وهو جامع جوهر العيني وكان قد تخرب فهدمه جميعه وانشأه وزخرفه ونقل لعمارته انقاضا كثيرة واخشابا ورخاما من بيت أبي الشوارب وعمل به منبرا بديع الصنعة واستخلص جهة اوقافه اطيانا واماكن من واضعي اليد
وفيه ارسلوا جملة اخشاب الى حجاز مطلوبة الى الباشا
وفيه ايضا نادوا على سكان الجيزة بالخروج منها بعد عصر يوم السبت ومن لايريد الخروج فلا يخرج بعد ذلك ومن خرج فلا يدخل وامهلوهم الى الغروب فخرجوا بأمتعتهم واطفالهم واولادهم واوانيهم الى خارج البلدة وبات الاكثر منهم تحت السماء لضيق الوقت على الرحيل الى بلدة اخرى وخرج ايضا الكثير من عساكرهم واتباعهم ممن لايريد المقام والحبس فكانوا كلما وجدوا من حمل متاعه من اهل البلدة على حمار ليذهب الى جهة يستقر بها رموا به الى الارض واخذوا الحمار وحصل لاهل الجيزة في تلك الليلة مالا مزيد عليه من الكر ب والجلاء عن اوطانهم وكل ذلك مجرد وهم مع قلة وجود الطعن الا النزر السير
وفي ثالث عشرينه سافرت خزينة المال المطلوبة الى الباشا الى جهة السويس واصبحوا معها عدة كبيرة من عسكر الدلاة لخفارتها وقدرها الفان وخمسمائة كيس جميعها قروش


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 27 مايو 2018 - 10:25