بداية أحداث سنة خمس وعشرين ومائتين والف

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 3048
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

بداية أحداث سنة خمس وعشرين ومائتين والف

مُساهمة من طرف الإدارة في الأربعاء 2 مايو 2018 - 9:37


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها واعيانها ووفيات
فى سني الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة
{ احداث شهر المحرم سنة 1225 }

سنة خمس وعشرين ومائتين والف
واستهل المحرم بيوم الاثنين فيه وردت الاخبار من الديار الرومية بغلبة الموسكوب واستيلائهم على ممالك كثيرة وانه واقع باسلامبول شدة حصر وغلاء في الاسعار وتخوف وانهم يذيعون في الممالك بخلاف الواقع لأجل التطمين
وفي خامسه حضر ابراهيم افندي القابجي الذي كان توجه الى الدولة من مدة سابقة وعلى يده مراسيم بطلب ذخيرة وغلال وعملوا لقدومه شنكا ومدافع وطلع في موكب الى القلعة
وفيه رجع ديوان افندي من ناحية قبلي وصحبته احمد أغا شويكار فأقاما بمصر اياما ثم رجعا بجواب الى الامراء القبليين
وفي ليلة السبت ثالث عشره حصلت زلزلة عجيبة وارتجت منها الجهات ثلاث درجات متواليات واستمرت نحو اربع دقائق فانزعج الناس منها من منامهم وصار لهم جلبة وقلقة وخرج الكثير من دورهم هاربين الى الازقة يريدون الخلاص الى الفضاء مع بعده عنهم وكان ذلك في اول الساعة السابعة من الليل واصبح الناس يتحدثون بها فيما بينهم وسقط بسببها بعض حيطان ودور قديمة وتشققت جدران وسقطت منارة بسوس ونصف منارة بام اخنان بالمنوفية وغير ذلك لا نعلمه
وفي عصر يوم السبت أيضا حصلت زلزلة ولكن دون الاولى فانزعج الناس منها أيضا وهاجوا ثم سكنوا ثم كثر لغط العالم بمعاودتها فمنهم من يقول ليلة الاربعاء ومنهم من اسنده لبعض النصاري واليهود وان رجلا نصرانيا ذهب الى الباشا واخبره بحصول ذلك واكد في قوله وقال له احبسني وان لم يظهر صدقي اقتلني وان الباشا حبسه حتى يمضي الوقت الذي عينه ليظهر صدقه من كذبه وكل ذلك من تخيلاتهم واختلافاتهم واكاذيبهم وما يعلم الغيب الا الله
وفي يوم الاحد رابع عشره امر الباشا بالاحتياط على بيوت عظماء الاقباط كالمعلم غالي والمعلم جرجس الطويل واخيه وفلتيوس وفرانسيكو وعدتهم سبعة فأحضروهم في صورة منكرة وسمروا دورهم واخذوا دفاترهم فلما حضروا بين يديه قال لهم اريد حسابكم بموجب دفاتركم هذه وامر بحبسهم فطلبوا منه الامان وان يأذن لهم في خطابه فأذن لهم فخاطبه المعلم غالي وخرجوا من بين يديه الى الحبس ثم قرر عليهم بواسطة حسين افندي الروزنامجي سبعة آلاف كيس بعد أن كان طلب منهم ثلاثين ألف كيس
وفي يوم الخميس ثامن عشره شاع في الناس حصول زلزلة تلك الليلة وهي ليلة الجمعة ويكون ذلك في نصف الليل فتأهب غالب الناس للطلوع بخارج البلد فخرجوا بنسائهم واولادهم الى شاطيء النيل ببولاق ونواحي الشيخ قمر ووسط بركة الازبكية وغيرها كذلك خرج الكثير من العسكر أيضا ونصبوا خياما في وسط الرميلة وقراميدان والقرافتين وقاسوا تلك الليلة من البرد مالا يكيف ولا يوصف لان الشمس كانت ببرج الدلو وهو وسط الشتاء ولم يحصل شيء مما اشاعوه واذاعوه وتوهموه وتسلق العيارون والحرامية تلك الليلة على كثير من الدور والاماكن وفتشوها فلما اصبح يوم الجمعة كثر التشكي الى الحكام من ذلك فنادوا في الاسواق بأن لا احد يذكر امر الزلزلة وكل من خرج لذلك من داره عوقب فانكفوا وتركوا هذا اللفظ الفارغ
وفيه ظهر انفار يقفون بالليل بصحن الجامع الازهر فاذا قام انسان لحاجته منفردا اخذوا ما معه واشيع ذلك فاجتهد الشيخ المهدي في الفحص والقبض على فاعل ذلك الى أن عرفوا اشخاصهم ونسبهم وفيهم من هو من اولاد اصحاب المظاهر المتعممين فستروا امرهم واظهروا شخصا من رفقائهم ليس له شهرة واخرجوه من البلدة منفيا ونسبوا اليه الفعال وسينكشف ستر الفاعلين فيما بعد ويفتضحون بين العالم كما يأتي خبر ذلك في سنة سبع وعشرين وكذلك اخرجوا طائفة من القوادين والنساء الفواحش سكنوا بحارة الازهر واجتمعوا في اهله حتى أن اكابر الدولة وعساكرهم بل واهل البلد والسوقة جعلوا سمرهم وديدنهم ذكر الازهر واهله ونسبوا له كل رذيلة وقبيحة ويقولون نرى كل موبقة تظهر منه من اهله وبعد أن كان منبع الشريعة والعلم صار بعكس ذلك وقد ظهر منه قبل الزغلية والآن الحرامية وامور غير ذلك مخفية
وفيه طلب الباشا تمهيد الطريق الموصلة من القلعة الى الزلاقة التي انشأها طريقا يصعد منها الى الجبل المقطم السابق ذكرها واراد أن يفرض على الاخطاط والحارات رجالا للعمل بعدد مخصوص ومن اعتذر عن الخروج والمساعدة يفرض عليه بدلا عنه او قدرا من الدراهم يدفعها نظير البدل واشيع هذا الامر واستحضر الاوباش على الطبول والزمور كما كانوا يفعلون في قضية عمارة محمد باشا وخسرو ثم أن الشيخ المهدم اجتمع بكتخدا بك وادخل عليه وهما أن محمد باشا خسرو لما فعل ذلك لم يتم له امر وعزل ولم تطل ايامه ونحن نطلب دوام دولتكم والاولى ترك هذا الامر فتركوا ذلك ولم يذكروه بعد

{ أحداث شهر صفر سنة 1225 }

واستهل شهر صفر الخير بيوم الاربعاء
فيه قلد الباشا خليل افندي النظر على الروزنامجي وكتابه وسموه كاتب الذمة اي ذمة الميري من الايراد والمصرف وكان ذلك عند فتح الطلب بالميري عن السنة الجديدة فلا يكتب تحويل ولا تنبيه ولا تذكره حتى يطلعوه عليها ويكتب عليها علامته فتكدر من ذلك الروزنامجي وباقي الكتبة وهذه اول دسيسة ادخلوها في الروزنامة وابتداء فضيحتها وكشف سرها وذلك بإغراء بعض الافندية الخاملين انهى اليهم أن الروزنامجي ومن معه من الكتاب يوفرون لانفسهم الكثير من الاموال الميرية ويتوسعون فيها وفي ذلك اجحاف بمال الخزينة وخليل افندي هذا كان كاتب الخزينة عند محمد باشا خسرو ولا يفيق من الشرب
وفيه طلب الباشا ثلاثة اشخاص من كتبة الاقباط الذين كانوا متقيدين بقياس الاراضي بالمنوفية وضربهم وحبسهم لكونه بلغه عنهم انهم اخذوا البراطيل والرشوات على قياس طين اراضي بعض البلاد ونقصوا من القياس فيما ارنوى من الطين وهي البدعة التى حدثت على الطين الري وسموها القياسة وقد تقدم ذكرها غير مرة وحررت في هذه السنة على الكامل لكثرة النيل وعموم الماء الاراضي على انه بقي الكثير من بلاد البحيرة وغيرها شراقي بسبب عدم حفر الترع وحبس الحبوس وتجسير الجسور واشتغال الفلاحين والملتزمين بالفرض والمظالم وعجزهم عن ذلك
وفي خامسه طلب الباشا كشاف الاقاليم وشرع في تقرير فرضة على البلاد بما يقتضيه نظره ونظر كشاف الاقاليم والمعلمين القبط فقرروا على اعلاها ثمانين كيسا والادنى خمسة عشر كيسا ولم يتقيد بتحرير ذلك احد من الكتبة الذين يحررون ذلك بدفاتر ويوزعونها على مقتضى الحال ولم يعطوا بالمقادير اوراقا لملتزمي الحصص كما كانوا يفعلون قبل ذلك فإن الملتزم كان اذا بلغه تقرير فرضة تدارك امره وذهب الى ديوان الكتبة واخذ علم القدر المقرر على حصته وتكفل بها واخذ منهم مهلة باجل معلوم وكتب على نفسه وثيقة وابقاها عندهم ثم يجتهد في تحصيل المبلغ من فلاحيه وان لم يسعفوه في الدفع وحولوا عليه الطلب دفعه من عنده ان كان ذا مقدرة او استدانه ولو بالربا ثم يستوفيه بعد ذلك من الفلاحين شيئا فشيئا كل ذلك حرصا على راحة فلاحي حصته وتامينهم واستقرارهم في وطنهم ليحصل منهم المطلوب من المال الميري وبعض ما يقتاتون به هم وعيالهم وان لم يفعل ذلك تحول باستخلاص ذلك كاشف الناحية وعين على الناحية الاعوان بالطلب الحثيث وما ينضاف الى ذلك من حق طرق المعينين وكلفهم وان تأخر الدفع تكرر الارسال والطلب على النسق المشروح فيتضاعف الهم وربما ضاع في ذلك قدر الاصل المطلوب وزيادة عنه مرة او مرتين والذي يقبضونه يحسبونه بالفرط وهو في كل ريال عشرة انصاف فضة يسمونها ديواني فيقبض المباشر عن الريال تسعين نصفا فضة ويجعل التسعين ثمانين وذلك خلاف ما يقرره في اوراق الرسم من خدم المباشرين من كتبة القبط فينكشف حال الفلاح ويبيع ما عنده من الغلة والبهيمة ثم يفر من بلدته الى غيرها فيطلبه الملتزم ويبعث اليه المعينين من كاشف الناحية بحق طريق أيضا فربما اداه الحال ان كان خفيف العيال والحركة الى الفرار والخروج من الاقليم بالكلية وقد وقع ذلك حتى امتلأت البلاد الشامية والرومية من فلاحي قرى مصر الذين جلوا عنها وخرجوا منها وتغربوا عن اوطانهم من عظيم هول الجور واذا ضاق الحال بالملتزم وكتب له عرضحال يشكو حاله وحال بلده او حصته وضعف حالها ويرجو التخفيف وتجاسر وقدم عرضحاله الى الباشا يقال له هات التقسيط وخذ ثمن حصتك او بدلها او يعين له ترتيبا بقدر فائظها على بعض الجهات الميرية من المكوس والجمارك التي احدثوها فان سلم سنده وكان ممن يراعى جانبه حول الى بعض الجهات المذكورة صورة والا اهمل امره وبعضهم باعها لهم بما انكسر عليه من مال الفرض وقد وقع ذلك الكثير من اصحاب الذمم المتعددة انكسر عليه مقادير عظيمة فنزل عن بعضها وخصموا له ثمنها من المنكسر عليه من الفرضة وبقي عليه الباقي يطالب به فان حدثت فرضة اخرى قبل غلاق الباقي وقعد بها وضمت الى الباقي وقصرت يده لعجز فلاحيه واستدان بالربا من العسكر تضاعف الحال وتوجه عليه الطلب من الجهتين فيضطر الى خلاص نفسه وينزل عما بقي تحت يده كالاول وقد يبقى عليه الكسر ويصبح فارغ اليد من الالتزام ومديونا وقد وقع ذلك لكثير كانوا اغنياء ذوي ثروة واصبحوا فقراء محتاجين من حيث لا يشعرون ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وفيه تحركت همم الامراء المصريين القبليين الى الحضور الى ناحية مصر بعد ترداد الرسل والمكاتبات وحضور ديوان افندي ورجوعه وحضور محمد بك النمفوخ ايضا وكل من حضر منهم انعم عليه الباشا والبسه الخلع ويقدم له التقادم ويعطيه المقادير العظيمة من الاكياس وقصده الباطني صيدهم حتى انه كان انعم على محمد بك المنفوخ بالتزام جمرك ديوان بولاق ثم عوضه عنه ستمائة كيس وغير ذلك
وفيه قلد الباشا نظر المهمات لصالح بن مصطفى كتخدا الرزاز ونقلوا ورشة الحدادين ومنافخهم وعددهم من بيت محمد افندي طبل الودنلي المعروف بناظر المهمات الى بيت صالح المذكور بناحية التبانة وكذلك العربجية وصناع الجلل والمدافع ونزعوا منه أيضا معمل البارود وكان تحت نظره وكذلك قاعة الفضة وجمرك اللبان وغيره
وفيه وصلت الاخبار من البلاد الرومية والشامية وغيرها بوقوع الزلزله في الوقت الذي حصلت فيه بمصر الا انها كانت اعظم واشد واطول مدة وحصل في بلاد كريت اتلافات كثيرة وهدمت اماكن ودورا كثيرة وهلك كثير من الناس تحت الردم وخسفت اماكن وتكسر على ساحل مالطة عدة مراكب وحصل أيضا باللاذقية خسف وحكى الناقلون أن الارض انشقت في جهة من اللاذقية فظهر في اسفلها ابنيه انخسفت بها الارض قبل ذلك ثم انطبقت ثانيا
وفيه من الحوادث ما وقع ببيت المقدس وهو انه لما احترقت القمامة الكبرى كما تقدم ذكر حرقها في العام الماضي عرضوا الى الدولة فبرز الامر السلطاني باعادة بنائها وعينوا لذلك أغا قأبجي وعلى يده مرسوم شريف فحضر الى القدس وحصل الاجتهاد في تشهيل مهمات العمارة وشرعوا في البناء على وضع احسن من الاول وتوسعوا في مساحة جرمها وادخلوا فيها اماكن مجاورة لها واتقنوا البناء واتقانا عجيبا وجعلوا اسوارها وحيطانها بالحجر النحيت ونقلوا اليها من رخام المسجد الاقصى فقام بمنع ذلك جماعة من الاشراف الينكجرية وشنعوا على الآغا المعين وعلى كبار البلدة وتعصبوا حماية للدين قائلين أن الكنائس اذا خربت لا يجوز إعادتها الا بانقاضها ولا يجوز الاستعلاء بها ولا تشييدها ولا اخذ رخام الحرم القدسي ليوضع في الكنيسة وما نعوا في ذلك فأرسل ذلك الآغا المعين الى يوسف باشا يعرفه عن المعارضين لاوامر الدولة فأرسل يوسف باشا طائفة من عسكره في عدة وافرة فوصلوا من طريق الغور وهو مسلك موصل الى القدس قريب المسافة خلاف الطريق المعتاد فدهموا الجماعة المعارضين على حين غفلة وحاصروهم في دير وقتلوهم عن اخرهم وهم نيف وثلاثون نفرا وشيدوا القمامة كما ارادوا اعظم واضخم مما كانت عليه قبل حرقها فنسأل المولى السلامة في الدين

{ أحداث شهر ربيع الاول سنة 1225 }

واستهل شهر ربيع الاول بيوم الخميس
فيه وصل الامراء المصريون القبالي الى ناحية بني سويف وكثير من الاجناد الى مصر وترددت الى الرسل وحضر ديوان افندي ثم رجع ثانيا اليهم
وفيه امر الباشا الكتاب بعمل حساب حسين افندي الروزنامجي عن السنتين الماضيتين وهما سنة ثلاث وعشرين واربع وعشرين وذلك بإغراء البعض منهم فاستمروا في عمل الحساب ايام فزاد لحسين افندي مائة وثمانون كيسا فلم يعجب الباشا ذلك واستخونهم في عمل الحساب ثم الزمه بدفع اربعمائة كيس وقال انا كنت اريد منه ستمائة كيس وقد سامحته في مائتين في نظير الذي تأخر له وطلع في صبحها الى الباشا وخلع عليه فروة باستقراره في منصبه ونزل الى داره فلما كان بعد الغروب حضر اليه جماعة من العسكر في هيئة مزعجة ومعهم مشاعل وطلبوا الدفاتر وهم يقولون معزول معزول واخذوا الدفاتر وذهبوا وحولوا عليه الحوالات بطلب الاربعمائة كيس فاجتهد في تحصيلها ودفعها ثم ردوا له الدفاتر ثانيا
وفيه حصلت كائنة احمد افندي المعروف باليتيم من كتاب الروزنامة وذلك أن الباشا كان ببيت الازبكية فوصل اليه مكتوب من كاشف اقلم الدقهلية يعرفه فيه انه قاس قطعة ارض جارية في اقطاع احمد افندي المذكور فوجد مساحتها خلاف المقيد بدفتر المقياس الاول ومسقوط منها نحو الخمسمائة فدان وذلك من فعل المذكور ومخامرته مع النصارى الكتبه والمساحين لانهم يراعونه ويدلسون معه لأن دفاتر الروزنامة بيده فلما قرأ المكتوب امر في الحال بالقبض على احمد افندي وسجنه وكان السيد محمد المحروقي حاضرا وكذلك علي كاشف الكبير الألفي فترجيا عند الباشا واخبره بان المذكور مريض بالسرطان في رجله ولايقدر على حركتها واستأذنه السيد المحروقي بأن يأخذه الى داره فإن داره باب من ابوابه فأجابه الى ذلك وركب في الحال ولحق بالمعينين وكانوا قد وصلوا اليه وازعجوه فمنعهم عنه واخذه الى داره وراجع الباشا في امره فقرر عليه ثمانين كيسا بعد أن قال اني كنت اريد أن اقول ثلثمائة كيس فسبق لساني فقلت مائة كيس وقد تجاوزت لأجلك عن عشرين كيسا وهو يقدر على اكثر من ذلك لأنه يفعل كذا وكذا وعدد اشياء تدل على انه ذو غنية كبيرة منها انه لما سافر الى الباشا بدفتر الفرضة الى ناحية اسيوط طلع الى البلدة في هيئة وصحبته فرش وسحاحير وبشخانات وكرارات وفراشون وخدم وكيلارجية ومصاحجبية والحكيم والمزين فلما شاهد الباشا هيئته سأل عنه وعن منصبه فقيل له انه جاجرت من كتبة الروزنامة فقال اذا كان جاجرت بمعنى تلميذ فكيف يكون باش جاجرت او قلفاوات الاقليم فضلا عن كبيرهم الروزنامجي واي شيء ذلك واسر ذلك في نفسه وطفق يسأل ويتجسس عن احوالهم لأنه من طبعه الحقد والحسد والتطلع لما في ايدي الناس ولما قلد خليل افندي كتابة الذمة في الروزنامة كما تقدم انضم اليه الكارهون للمذكورالذين كانوا خاملي الذكر بوجوده وتوصلوا الى باب الباشا وكتخدا بك وأنهوا فيه انه يتصرف في الاموال الميرية كما يختار وان حسين افندي الروزنامجي لا يخرج عن مراده واشارته وبيته مفتوح للضيفان ويجتمع عنده في كل ليلة عدة من الفقراء يثرد لهم الثريد في القصاع ويواسي الكثير من اهل العلم وغيرهم ويتعهد بكثير من الملتزمين بالفرض التي تقرر على حصصهم ويضمنها في حسابه ويصبر عليهم حتى يوفرها له في طول الزمن ونحو ذلك وكل ما ذكر دليل على سعة الحال والمقدرة واما الذنب الذي اخذه به فإن القدر المذكور من الطين كان من الموات فاتفق المذكور مع شركائه ملتزمي الناحية وجرفوه واحيوه واصلحوه بعد أن كان خرسا ومواتا لاينتفع به وجعلوه صالحا للزراعة وظن أن ذلك لايدخل في المساحة فاسقطه منها فوقع له ما وقع واسقطوا اسمه من كتاب الروزنامة ومنعوه منها وانقطع في داره وزاد به الم رجله
وفيه انحرف أيضا الباشا على الخواجا محمود حسن وعزله من الجمارك والبزرجانية واكل عليه المطلوب له وهو مبلغ الفان وخمسون كيسا

{ أحداث شهر ربيع الثاني سنة 1225 }

واستهل شهر ربيع الثاني بيوم السبت
فيه وصلت الاخبار من البلاد الحجازية بنزول سيل عظيم حصل منه ضرر كثير وهدم دورا كثيرة بمكة وجدة واتلف كثيرا من البضائع للتجار حكوا انه هدم بمكة خاصة ستمائة دار وكان ذلك في شهر صفر
وفيه وصل الامراء المصريون الى ناحية الرقق واوائلهم وصلوا الى دهشور وخرج اليهم الاتباع بالملاقاة من بيوتهم واحبابهم وذهب اليهم مصطفى أغا الوكيل وعلي كاشف الصابونجي وديوان افندي ثم الباشا ثم في اثرهم طوسون ابن الباشا وقدم له ابراهيم بك تقادم واقام بوطاقه اياما ثم رجعوا وكثر ترداد المراسلات والاختلافات في امر الشروط
وفي خامسه حضر عثمان بك يوسف وصحبته صنجق آخر فطلعا الى القلعة وقابلا الباشا ثم رجعا وحضرا في ثاني يوم كذلك فخلع عليهما خلعا واعطاهما اكياسا وارسل الى ابرهيم بك هدايا والى سليم بك المحرمجي المرادي ايضا
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره وصل الجميع الى الجيزة ونصبوا وطاقهم خارج الجيزة وصحبتهم عربان وهوارة كثيرة وانتظروا أن الباشا يضرب لحضورهم مدافع فلم يفعل وقال ابراهيم بك سبحان الله ما هذا الاحتقار الم اكن امير مصر نيفا واربعين سنة وتقلدت قائمقامية ولايتها ووزارتها مرارا وبالآخرة صار من اتباعي واعطيه خرجه من كيلاري ثم احضر انا وباقي الامراء على صورة الصلح فلا يضرب لنا مدافع كما يفعل لحضور بعض الافرنج وتأثر من ذلك واشيع في الناس تعدية الباشا من الغد للسلام على ابراهيم بك فلم يثبت وظهر انه لم يفعل واصبح مبكرا الى شبرا وجلس في قصره وحضر اليه شاهين بك الألفي وفي سفينة ووقع بينهما مكالمات ورجع من عنده عائدا الى الجيزة منفعل الخاطر ثم ان الباشا عرض عساكره فاجتمع اليه الجميع وبدا اللغط وكثرت القلقة وعندما وصل شاهين بك الى ا الجيزة ازر حريمة واركبهن وارسلهن الى الفيوم ونقل متاعه وفرشه من قصر الجيزة في بقية اليوم وكسر المرايات وزجاج الشبابيك التي في مجالسه الخاصة ثم ركب في طوائفه واتباعه وخشداشينه ومماليكه وذهب الى عرضي اخوانه وقبيلته ونصب خيامه ووطاقه بحذائهم واجتمع بهم وتصافى معهم وقد كان حضر اليه عبد الرحمن بك تابع عثمان بك المرادي المعروف بالطنبرجي وحول دماغه واتفق معه على الانضمام اليهم والخروج عن الباشا ففعل ما فعل وجعلوه رئيس الامراء المرادية
وفي ذلك اليوم عدى حسن باشا وصالح أغا قوج الى بر الجيزة وذهبا الى عرضي الامراء وسلما عليهم وتغديا عند شاهين بك وجرى بينهما وبين ابراهيم بك كلام كثير وقال له حسن باشا انكم وصلتم الى هنا لتمام الصلح على الشروط التي حصلت بينكم وبين الباشا والاتفاق الذي جرى بأسيوط ويكون تمامه عند وصولكم الى الجيزة واجتماعكم وقد حصل فقال له ابراهيم بك وما هي الشروط قال هي أن تدخلوا تحت حكمه وطاعته وهو يوليكم المناصب التي تريدونها بشرط أن تقوموا بدفع الفرض التي يقررها على النواحي والغلال الميرية والخراج وتعيين من يريده منكم صحبة العساكر الموجه الى البلاد الحجازية لفتح الحرمين وتكونوا معه امراء مطيعين وهو يعطيكم الامريات والانعامات الجزيلة ويعمر لكم ما تريدونه من الدور والقصور التي لكم ولاتباعكم على طرفه لايكلفكم بشيء من الاشياء وقد رايتم وسمعتم ما فعله من الاكرام والانعام على شاهين بك وما اعطاه من المماليك والجواري الحسان وشفاعاته عنده لاترد واطلق له التصرف في البر الغربي من رشيد الى الفيوم الى بني سويف والبهنسا مما هو تحت حكمه ويراعي بجانبه الى الغاية فقال له ابراهيم بك نعم انه فعل مع شاهين بك مالا تفعله الملوك فضلا عن الوزراء وليس ذلك لسابق معروف فعله شاهين بك معه ليستحق به ذلك بل هو لغرض سوء يكمنه في نفسه وشبكة يصطاد بها غيره فاننا سبرنا احواله وخيانته وشاهدنا ذلك في كثير ممن خدموه ونصحوا معه حتى ملكوه هذه المملكة قال ومن هم قال اولهم مخدومه محمد باشا خسرو ثم كتخداه وخازنداره عثمان أغا جنج الذي خامر معه وملك مع اخيه المرحوم طاهر باشا القلعة واحرق سرايته ثم سلط الاتراك على طاهر باشا حتى قتلوه في داره واظهر موالاتنا وصداقتنا ومساعدتنا وصبر نفسه من عسكرنا واتحد بعثمان بك البرديسي واظهر له خلوص الصداقة والاخوة وعاهده بالايمان حتى اغراه على علي باشا الطرابلسي وجرى ما جرى عليه من القتل ونسب ذلك الينا ثم اشتغل معه على خيانته لاخيه الألفي واتباعه ثم سلط علينا العساكر يطلب العلوفة واشار على عثمان بك بطلب المال من الرعية حتى وقع لنا ما وقع وخرجنا من مصر على الصورة التي خرجنا عليها ام احضر احمد باشا خورشيد وولاه وزيرا وخرج هو لمحاربتنا ثم اتضح امره لاحمد باشا واراد الايقاع به فعجل العود الى مصر واوقع بينه وبين جنده حتى نفروا منه ونابذوه والقى الى السيد عمر والقاضي والمشايخ أن احمد باشا يرد الفتك بهم فهيجوا العامة والخاصة وجرى ما جرى من الحروب وحرق الدور وبذل السيد عمر جهده في النصح معه بما يظهره له من الحب والصداقة وراجت عليه احواله حتى تمكن امره وبلغ مراده واوقع به ما اوقع واخرجه من مصر وغربه عن وطنه ونقض العهود والمواثيق التي كانت بينه وبينه كما فعل بعمر بك وغيره وكل ذلك معلوم ومشاهد لكم ولغيركم فمن يأمن لهذا ويعقد معه صلحا واعلم يا ولدي اننا كنا بمصر نحو العشرة آلاف او اقل او اكثر ما بين مقدمي الوف وامراء وكشاف واكابر وجاقات ومماليك واجناد وطوائف وخدم واتباع مرفهي المعاش بانواع الملاذ كل امير مختص ومعتكف باقطاعه مع كثرة مصارفنا وانعامتنا على اتباعنا ومن ينتسب الينا واسمطة الجميع ممدودة في الاوقات المعهودة ولا نعرف عسكرا ولا علوفة عسكر والقرى والبلاد مطمئنة والفلاحون ومشايخ البلاد مرتاحون في اوطانهم ومضايفهم مفتوحة للواردين والضيفان مع ما كان يلزم علينا من المصارف الميرية ومرتبات الفقراء وخزينة السلطان وصرة الحرمين والحجاج وعوائد العربان وكلف الوزراء المتولين والاغوات والقابجية المعينين وخدمهم والهدايا السلطانية وغير ذلك وافندينا ما كفاه ايراد الاقليم وما احدثه من الجمارك والمكوس وما قرره على القرى والبلدان من فرض المال والغلال والجمال والخيول والتعدي على الملتزمين ومقاسمتهم في فائظهم ومعاشهم وذلك خلاف مصادرات الناس والتجار في مصر وقراها والدعاوي والشكاوي والتزايد في الجمارك وما احدثه في الضربخانة من ضرب القروش النحاس واستغرقها اموال الناس بحيث صار ايراد كل قلم من اقلام المكوس بايراد اقليم من الاقاليم ويبخل علينا بما نتعيش به ونحن وعيالنا ومن بقي معنا من اتباعنا ومماليكنا بل وقصده صيدنا وهلاكنا عن اخرنا فقال حسن باشا حاش لله لم يكن ذلك ودائما يقول والدنا ابراهيم بك ولكن لايخفاكم أن الله اعطاه ولاية هذا القطر وهو يؤتى الملك من يشاء ولا ترضى نفسه من يخالف عليه او يشاركه بالقهر والاستيلاء فاذا صار الصلح ووقع الصفاء اعطاكم فوق ما مولكم فهز ابراهيم بك رأسه وقال صحيح يكون خيرا وانفض المجلس ورجع حسن باشا وصالح قوج وعديا الى بر مصر
وفي تلك الليلة خرج الجميع من كان بمصر من الامراء والاجناد المصرية بخيلهم وهجنهم ومتاعهم وعدوا الى بر الجيزة ولم يبق منهم الا القليل واجتمعوا مع بعضهم وقسموا الامر بينهم ثلاثة اقسام قسم للمرادية وكبيرهم شاهين بك وقسم للمحمدية وكبيرهم علي بك ايوب وقسم للابراهيمية وكبيرهم عثمان بك حسن وكتبوا مكاتبات وارسلوها الى مشايخ العربان لم اقف على مضمونها
وفي يوم الجمعة رابع عشره اوقفوا عساكر على ابواب المدينة يمنعون الخارجين من البلد حتى الخدم ومنعوا التعدية الى البر الغربي وجمعوا المراكب والمعادي الى البر الشرقي ونقلوا البضائع التي في مراكب التجار المعدة لسفر رشيد ودمياط المعروفة بالرواحل واخذوها اليهم وشرعوا في التعدية بطول يوم الجمعة والسبت وعدى الباشا آخر النهار دخل الى قصر الجيزة الذي كان به شاهين بك وكذا عدوا بالخيام والمدافع والعربات والاثقال واجتمعت طوائف العسكر من الاتراك والارنؤد والدلاة والسجمان بالجيزة وتحققت المفاقمة والامراء المصرية خلف السور في مقابلتهم واستمروا على ذلك الى ثاني يوم والناس متوقعون حصول الحرب بين الفريقين ولم يحصل وانتقل المصرية وترفعوا الى قبلي الجيزة بناحية دهشور وزنين
وفي يوم الاثنين والثلاثاء انفق الباشا على العسكر وكان له مدة شهور لم ينفق عليهم
وفي ليلة الثلاثاء ركب الباشا ليلا وسافر الى ناحة كرداسة على جرائد الخيل ورجع في ثاني ليلة وكان سبب ركوبه انه بلغه أن طائفة من العربان مارين يريدون المصرية فأراد أن يقطع عليهم الطرق فلم يجد احدا وصادف نجعا مقيمين في محطة فنهب مواشيهم ورجع تعبا وانقطع عنه افراد من العسكر ومات بعضهم من العطش
وفي يوم الجمعة ارتحل المصرية وترفعوا الى ناحية جرزا الهوى بالقرب من الرقق
وفيه حضر مشايخ عربان اولاد علي للباشا فكساهم وخلع عليهم والبسهم شالات كشميري عدتها ثمان شالات وانعم عليهم بمائة وخمسين كيسا وحضر عند المصرية عربان الهنادي ومشايخهم وانضموا اليهم وفي يوم الاحد ثالث عشرينه عدى الباشا الى بر مصر وذهب الى بيته بالازبكية فبات به ليلتين ثم طلع في يوم الثلاثاء الى القلعة وقد تكدر طبعه من هذه الحادثة بعد أن حصلوا بالجيزة وكاد يتم قصده فيهم وخصوصا ما فعله شاهين بك الذي انفق عليه الوفا من الاموال ذهبت جميعها في الفارغ البطال
وفي هذه الايام اعني منتصف شهر بشنس القبطي زاد النيل زيادة ظاهرة اكثر من ذراع ونصف واستمر اياما ثم رجع الى حاله الاول وهذا من جملة عجائب الوقت


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 27 مايو 2018 - 10:23