احداث سنة خمس ومائتين وألف

شاطر

الرسالة
Admin

عدد المساهمات : 3078
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

احداث سنة خمس ومائتين وألف

مُساهمة من طرف الرسالة في الثلاثاء 20 مارس 2018 - 9:10


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها وتراجم اعيانها
ووفياتهم ابتداء من ظهور امر الفقارية
{ احداث سنة خمس ومائتين وألف }

واستهلت سنة خمس ومائتين وألف
في حادي عشر المحرم ورد أغا وعلى يده تقرير لاسمعيل باشا على السنة الجديدة فعملوا له موكبا وطلع إلى القلعة وقرىء المقرر بحضرة الجمع وضربوا له مدافع
وفي ذلك اليوم قبض اسمعيل بك على المعلم يوسف كساب معلم الدواوين وأمر بتغريقه في بحر النيل
وفي صبحها نفوا صالحا أغا أغات الارنؤد قيل ان السبب في ذلك انه تواطأ مع الامراء القبالي بواسطة المعلم يوسف المذكور على انه يملكهم المراكب الرومية والقلاع التي بناحية طرا والجيزة وعملوا له مبلغا من المال التزم به الذمي يوسف وكتب على نفسه تمسكا بذلك
وفيه كثر تعدى أحمد أغا الوالي علىأهل الحسينية وتكرر قبضه وايذاؤه لاناس منهم بالحبس والضرب واخذ المال بل ونهب بعض البيوت وأرسل في يوم الجمعة ثاني عشرينه أعوانه بطلب أحمد سالم الجزار شيخ طائفة البيومية وله كلمة وصولة بتلك الدائرة وأرادوا القبض عليه فثارت طوائفه على أتباع الوالي ومنعوه منهم وتحركت حميتهم عند ذلك وتجمعوا وانضم اليهم جمع كثير من أهل تلك النواحي وغيرها وأغلقوا الأسواق والدكاكين وحضروا الى الجامع الازهر ومعهم طبول وقفلوا ابواب الجامع وصعدوا على المنارات وهم يصرخون ويصيحون ويضربون على الطبول وأبطلوا الدروس فقال لهم الشيخ العروسي أنا أذهب الى اسمعيل بك في هذا الوقت وأكلمه في عزل الوالي وتخلص منهم بذلك وذهب إلى اسمعيل بك فاعتذر بأن الوالي ليس من جماعته بل هو من جماعة حسن بك الجداوي وأمر بعض اتباعه بالذهاب اليه واخباره بجمع الناس والمشايخ وطلبهم عزل الوالي فلم يرض بذلك وقال ان كان أنا أعزل الوالي تابعي يعزل هو الاخر الاغا تابعه ويعزل رضوان كتخدا المجنون من المقاطعة ويرفع مصطفى كاشف من طرا ويطرد عسكر القليونجية والارنؤد وترددت بينهم الرسل بذلك ثم ركب حسن بك وخرج الى ناحية العادلية مثل المغضب وصار أحمد أغا الوالي يركب بجماعة كثيرة ويشق من المدينة ليغيظ العامة وكذلك يجمع من العامة خلائق كثيرة ووقع بينه وبينهم بعض مناوشات في مروره وانجرح بينهم جماعة وقتل شخصان ثم ركب المشايخ وذهبوا الى بيت محمد افندي البكري وحضر هناك اسمعيل بك وطيب خاطرهم والتزم لهم بعزل الوالي ومر الوالي في ذلك الوقت على بيت الشيخ البكري وكثير من العامة مجتمع هناك ففزع فيهم بالسيف وفرق جمعهم وسار من بينهم وذهب في طريقه ثم زاد الحال وكثرت غوغاء الناس ومشوا طوائف يأمرون بغلق الدكاكين واجتمع بالأزهر الكثير منهم واستمرت هذه القضية الى يوم الثلاثاء ثالث صفر ثم طلع اسمعيل بك والامراء الى القلعة واصطلحوا على عزل الوالي والآغا وجعلوهما صنجقين وقلدوا خلافهما الاغا من طرف اسمعيل بك والوالي من طرف حسن بك ونزل الوالي الجديد من الديوان إلى الازهر وقابل المشايخ الحاضرين واسترضاهم ثم ركب الى بيته وانفض الجمع وكأنها طلعت بأيديهم والذي كان راكب حمارا ركب فرسا
وفي ليلة الجمعة خامس شهر صفر غيمت السماء غيما مطبقا وسحت امطار غزيرة كأفواه القرب مع رعد شديد الصوت وبرق متتابع متصل قوي اللمعان يخطف بالابصار مستديم الاشتعال واستمر ذلك بطول ليلة الجمعة ويوم الجمعة والامطار نازلة حتى سقطت الدور القديمة على الناس ونزلت السيول من الجبل حتى ملأت الصحراء وخارج باب النصر وهدمت التراب وخسف القبور وصادف ذلك اليوم دخول الحجاج الى المدينة فحصل لهم غاية المشقة وأخذ السيل صيوان أمير الحاج بما فيه وانحدر به من الحصوة الى بركة الحج وكذلك خيام الامراء وغيرهم وسالت السيول من باب النصر ودخلت البلد وامتلأت الوكائل بالمياه وكذلك جامع الحاكم وقتلت اناس في حواصل الخانات وصار خارج باب النصر بركة عظيمة متلاطمة بالامواج وانهدم من دور الحسينية أكثر من النصف وكان امرا مهولا جدا
وفيه حصل ايضا كائنة عبد الوهاب افندي بشناق الواعظ وذلك انه مات رجل من البشانقة من أهل بلده وكان قد جعله وصيا على تركته فاستولى عليها واستأصلها وكان للرجل المتوفي شركة بناحية الاسكندرية فسافر المذكور الى الاسكندرية وحاز باقي التركة ايضا ورجع الى مصر وحضر الوارث وطالبه بتركة مورثه فأظهر له شيئا نزرا فذهب الوارث الى القاضي فدعاه القاضي وكلمه في ذلك فقال له انا وصي مختار وأنا مصدق وليس عندي عندي خلاف ما سلمته له فقال له القاضي انه يدعى عليك بكذا وكذا وعنده اثبات ذلك وطال بينهما الكلام وتطاول على القاضي واستجهله فطلع القاضي الى الباشا وشكا له فأمر باحضاره فحضر في جمع الديوان وناقشوه فلم يتزلزل عن عناده الى أن نسب الكل الى الانحراف عن الحق فحنق الباشا منه وأمر برفعه من المجلس فقبضوا عليه وجروه وضربوه ورموا بتاجه الى الأرض وحبسوه في مكان وصادف ايضا ورود مكتوب من ناحية المدينة من مفتيها كان أرسله المذكور اليه لسبب من الاسباب وذكر فيه الباشا بقوله التعيس الحربي وكذلك الامراء بنحو ذلك فأرسله المفتي وأعاده على يد بعض الناس الى اسمعيل بك حقدا منه عليه لكراهة خفية بينهما سابقة وأوصلة اسمعيل بك ايضا الى الباشا فازداد غيظا وأرعد وابرق وأحضر بشناق افندي من محبسه وقت القائلة وأراه ذلك المكتوب فسقط في يده واعتذر فلطمه على وجهه ونتف لحيته وأراد أن يضربه بخنجره فشفع فيه أكابر أتباعه ثم أخذوه وسجنوه وامر بمحاسبته على ما أخذه من التركة فحوسب وطولب وبقي بالحبس حتى وفي ما طلع عليه وشفع فيه علي بك الدفتردار وخلصه من الترسيم
وفي أواخر صفر قلدوا أحمد بك الوالي المذكور كشوفية الدقهلية وعثمان بك الحسني الغربية وشاهين بك شرقي بلبيس وعلي بك جركس المنوفية وصار جماعة أحمد بك واتباعه عند سفرهم يخطفون دواب الناس من الاسواق وخيول الطواحين ولما سرحوا في البلاد حصل منهم مالا خير فيه من ظلم الفلاحين مما هو معلوم من أفعالهم
وفي شهر ربيع الاول كمل بناء بيت اسمعيل بك وبياضه وأتمه على هيئة متقنة وترتيب في الوضع ونقل اليه قطع الاعمدة العظام التي كانت ملقاة في مكان الجامع الناصري الذي عند فم الخليج وجعلها في جدرانه وبنى به مقعدا عظيما متسعا ليس له مثيل في مقاعد بيوت الامراء في ضخامته وعظمه وهو في جهة البركة وغرس بجانبه بستانا عظيما وظن ان الوقت قد صفا له
وفي اواخر شهر جمادى الاولى أشيع في الناس ان في ليل السابع والعشرين نصف الليل يحصل زلزلة عظيمة وتستمر سبع ساعات ونسوا هذا القول إلى أخبار بعض الفلكيين من غير أصل واعتقده الخاصة فضلا عن العامة وصمموا على حصوله من غير دليل لهم على ذلك فلما كانت تلك الليلة خرج غالب الناس إلى الصحراء والى الاماكن المتسعة مثل بركةالازبكية والفيل وخلافهما ونزلوا في المراكب ولم يبق في بيته إلا من ثبته الله وباتوا ينتظرون ذلك إلى الصباح فلم يحصل شيء وأصبحوا يتضاحكون على بعضهم
وفيه ابتدأ أمر الطاعون وداخل الناس منه وهم عظيم
وفيه قلدوا عبد الرحمن بك عثمان وجعلوه صنجق الخزينة وشرعوا في تشهيله واجتهد اسمعيل بك في سفر الخزينة على الهيئة القديمة ولبس المناصب والسدادة وأرباب الخدم وقد بطل هذا الترتيب والنظام من نيف وثلاثين سنة فأراد اسمعيل بك اعادته ليكون له بذلك منقبة ووجاهة عند دولة بني عثمان فلم يرد الله بذل وعاجله الرجز
وفي شهر رجب زاد أمر الطاعون وقوى عمله بطول شهر رجب وشعبان وخرج عن حد الكثرة ومات به مالا يحصى من الاطفال والشبان والجواري والعبيد والمماليك والاجناد والكشاف والامراء ومن امراء الالوف الصناجق نحو اثنى عشر صنجقا ومنهم اسمعيل بك الكبير المشار اليه وعسكر القليونجية والارنؤد الكائنون ببولاق ومصر القديمة والجيزة حتى كانوا يجفرون حفر المن بالجيزة بالقرب من مسجد أبي هريرة ويلقونهم فيها وكان يخرج من بيت الامير في المشهد الواحد الخمسة والستة والعشرة وازدحموا على الحوانيت في طلب العدد والمغسلين والحمالين ويقف في انتظار المغسل او المغسلة الخمسة والعشرة ويتضاربون على ذلك ولم يبق للناس شغل إلا الموت وأسبابه فلا تجد الا مريضا أو ميتا او عائدا او معزيا أو مشيعا أو راجعا من صلاة جنازة أو دفن او مشغولا في تجهيز ميت او باكيا على نفسه موهوما ولا تبطل صلاة الجنائز من المساجد والمصليات ولا يصلي الا على اربعة او خمسة او ثلاثة وندر جدا من يشتكي ولا يموت وندر ايضا ظهور الطعن ولم يكن بحمي بل يكون الانسان جالسا فيرتعش من البرد فيدثر فلا يفيق الا مخلطا أو يموت من نهاره او ثاني يوم وربما زاد او نقص او كان بخلاف ذلك وكان شبيها بفصل البقر الذي تقدم واستمر عمله الى اوائل رمضان ثم ارتفع ولم يقع بعد ذلك إلا قليلا نادرا ومات الاغا والوالي في اثناء ذلك فولوا خلافهما فماتا بعد ثلاثة ايام فولوا خلافهما فماتا ايضا واتفق ان الميراث انتقل ثلاث مرات في جمعة واحدة ولما مات اسمعيل بك تنازع الرياسة حسن بك الجداوي وعلي بك الدفتردار ثم اتفقوا على تامير عثمان بك طبل تابع اسمعيل بك على مشيخة البلد وسكن ببيت سيده وقلدوا حسن بك قصبة رضوان أمير حاج ثم انهم اظهروا الخوف والتوبة والاقلاع وابطإل الحوادث والمظالم وزيادات المكوس ونادوا بذلك وقلدوا أمراء عوضا عن المقبورين من مماليكهم
وفي غرة رمضان حضر ططرى وعلى يده مرسوم بعزل اسمعيل باشا ولن يتوجه الى الموره وان باشة الموره محمد باشا الذي كان بجدة في العام الماضي المعروف بعزت هو والى مصر فعملوا الديوان وقرئت المرسومات فقال الامراء لا نرضى بذهابك من بلدنا وأنت أحسن لنا من الغريب الذي لا نعرفه فقال وكيف يكون العمل ولا يمكن المخالفة فقالوا نكتب عرضحال الى الدولة ونرجو تمام ذلك فقال لا يتم ذلك فان المتولي كأنكم به وصل الى الاسكندرية وعزم على النزول صبح تاريخه ثم انهم اتفقوا على كتابه عرضحال بسبب تركة اسمعيل بك خوفا من حضور معين بسبب ذلك وعين للسفرية الشيخ محمد الأمير
وفي يوم الخميس خامس عشر رمضان نزل الباشا من القلعة الى بولاق وقصد السفر على الفور وطلب المراكب وأنزل بها متاعة ويرقه فلما رأوا منه العجلة وعدم التأني وقصدهم تأخيره الى حضور الباشا الجديد ويحاسب على ما دخل في جهته فاجتمعوا عليه صحبة الاختيارية وكلموه في الثاني فعارضهم وعاندهم وصمم على السفر من الغد فاغلظوا عليه في القول وقالوا له هذا غير مناسب يقال ان الباشا أخذ مال مصر وهرب فقال وأي شيء أخذته منكم قالوا له لا بد من عمل حساب فإن الحساب لا كلام فيه ولا بد من التاني حتى نعمل الحساب فقال أنا ابقى عندكم الكتخدا فحاسبوه نيابة عني والذي يطلع لكم في طرفي خذوه منه فلم يرضوا بذلك فقال أنا لا بد من سفري أما اليوم أو غدا فقاموا من عنده على غير رضا وأرسلوا الوالي والاغا يناديان على ساحل البحر على المراكب بان كل من سافر بشيء من متاع الباشا أو بأحد من اتباعه يستاهل الذي يجري عليه وطردوا النواتية من المراكب ولم يتركوا في كل مركب الا شخصا واحدا نوتيا فقط وتركوا عند بيت الباشا جماعة حراسا
وفيه حضر خازندار الباشا الجديد وأخبر بوصول مخدومه الى ثغر الاسكندرية ومعه خلعة القائمقامية لعثمان بك طبل ومكاتبة الى الامراء بعدم سفر الملاقة وأربا الخدم على العادة واخبر انه واصل الى رسيد في البحر بالنقاير فنزل لملاقاته اغات المتفرقة فقط
وفيه رفعوا مصطفى كاشف من طرا وعملوه كتخدا عثمان بك شيخ البلده
وفيه أشيع بان عبد الرحمن بك الابراهيمي حضر من طريق الشام ومر من خلف الجبل وذهب الى سيده بالصعيد
وفي غرة شوال يوم الجمعة وليلة السبت حضر الباشا الجديد الى ساحل بولاق فعملوا له اسقالة وركب الامراء وعدوا الى برأنبابة وسلموا عليه وعدي صحبتهم وركب الى قصر العيني واوكب في يوم الاثنين رابعة في موكب اقل من العادة بكثير الى القلعة من ناحية الصليبة وضربوا له مدافع من القلعة
وفي ذلك اليوم سافر الشيخ محمد الامير بالعرضحال وكانوا آخروا سفره الى أن وصل الباشا الجديد وغيره بعد ان عرضوا عليه الأمر ثم انهم عملوا حساب الباشا المعزول فطلع عليه للباشا المتولي مائتا كيس من ابتداء منصبه وهو سابع عشر رجب وللامراء مبلغ ايضا فسدد ذلك بعضه أوراق وبعضه نقد وبعضه أمتعة وأذنوا له بالسفر فشرع في نزول متاعه بالمراكب بطول يوم الخميس والجمعة وأراد أن يسافر يوم السبت ففي تلك الليلة وصل بشلي من الروم وبيده مرسوم فعمل الباشا في صبحها ديوانا حضر فيه المشايخ والامراء وأبرز الباشا المرسوم فكان مضمونه محاسبة الباشا المعزول من ابتداء شهر توت واستخلاص ما تاداه من ابتداء المدة فعند ذلك ارسلوا ثانيا وحجروا عليه ونكتوا عزاله من المراكب وحبسوا النواتية ونادوا عليه ثاني مرة وذلك في سادس عشره
وفيه تواردت الاخبار بأن الامراء القبالي تحركوا الى الحضور الى مصر فانه لما حصل ما حصل من موت اسمعيل بك والامراء حضر مراد بك من اسيوط الى المنية وانتشر باقي الامراء في المقدمة وعدي بعضهم الى الشرق ووصلت اوائلهم الى كفر العياط وأما ابراهيم بك فأنه لم يزل مقيما بمنفلوط ومنتظرا ارتحال الحجاج ثم يسير الى جهة مصر فأرسلوا علي بك الجديد الى طرا عوضا عن مصطفى كاشف وأرسلوا صالح بك الى الجيزة وأخذوا في الاهتمام 2
وفيه حفر خندق من البحر الى المتاريس وفردوا فلاحين على البلاد للحفر مع اشتغالهم بأمور الحج ودعوا هم نقص مال الصرة وتعطيل الجامكية المضافة لدفتر الحرمين وتوجيه المعينين من القليونجية على الملتزمين
وفي يوم الاحد رابع عشرينه حضر السيد عمر افندي مكرم الاسيوطي بمكاتبة من الامراء القبليين خطابا إلى شيخ البلد والمشايخ وللباشا سرا
وفيه سافر اسمعيل باشا المنفصل من بولاق بعد أن ادى ما عليه
وفي يوم الاثنين خامس عشرنيه خرج المحمل صحبة أمير الحاج حسن بك قصبة رضوان
وفي يوم الثلاثاء اجتمعوا بالديوان عند الباشا وقرئت المكاتبات الواصلة عن الامراء القبليين فكان حاصلها أننا في السابق طلبنا الصلح مع أخواننا والصفح عن الامور السالفة فأبى المرحوم اسمعيل بك ولم يطمئن لطرفنا وكل شيء نصيب والامور مرهونة بأوقاتها والان اشتقنا الى عيالنا وأوطاننا وقد طالت علينا الغربة وعزمنا على الحضور الى مصر علىوجه الصلح وبيدنا ايضا مرسوم من مولانا السلطان وصل الينا صحبة عبد الرحمن بك بالعفو والرضا والماضي لا يعاد ونحن أولاد اليوم وأن اسيادنا المشايخ يضمنون غائلتنا فلما قرئت تلك المكاتبة التفت الباشا الى المشايخ العروسي ان كان التفاقم بينهم وبين أمرائنا المصرية الموجودين الآن فاننا نترجى عندهم وان كان ذلك بينهم وبين السلطان فالامر لنائب مولانا السلطان ثم اتفق الرأي على كتابة جواب حاصله ان الذي يطلب الصلح يقدم الرسالة بذلك قبل قدومه وهو بمكانه وذكرتم انكم تائبون وقد تقدم منكم هذا القول مرارا ولم نر له أثرا فان شرط التوبة رد المظالم وأنتم لم تفعلوا ذلك ولم ترسلوا ما عليكم من الميري في هذه المدة فان كان الامر كذلك فترجعوا الى اماكنكم وترسلوا المال والغلال ونرسل عرضحال الى الدولة بالاذن لكم فان الامراء الذين بمصر لم يدخلوا بسيفهم ولا بقوتهم وانما السلطان هو الذي أخرجكم وأدخلهم وإذا حصل الرضا فلا مانع لكم من ذلك فأننا الجميع تحت الأمر وعلم على ذلك الجواب الباشا والمشايخ وسلموه الى السيد عمر وسافر به في يوم الثلاثاء المذكور ثم اشتغلوا بمهمات الحج وادعوا نقص مال الصرة ستين كيسا ففردوها على التجار ودكاكين الغورية وارتحل الحاج من الحصوة وصحبته الركب الفاسي وذلك يوم السبت غايته وبات بالبركة وارتحل يوم الاحد غرة ذي القعدة
وفي ذلك اليوم عملوا الديوان بالقلعة ورسموا بنفي من كان مقيما بمصر من جماعة القبليين فنفوا أيوب بك الكبير وحسن كتخدا الجربان الى طندتا وكتبوا فرمانا بخروج الغريب وفرمانا آخر بالامن والامان واخذهما الوالي والاغا ونادوا بذلك في صبحها في شوارع البلد ونبهوا على تعمير الدروب وقفل ابواب الاطراف وأجلسوا عند كل مركز حراسا
وفي يوم الخميس نزل الاغا وامامه المناداة بفرمان على الاجناد والطوائف والمماليك بالخروج الى الخلاء
وفيه وصل قاصد من الديار الرومية وهو اغا معين بطلب تركة اسمعيل بك وباقي الامراء الهالكين بالطاعون فأنزلوه ببيت الزعفراني وكرروا المناداة بالخروج الى ناحية طراوكل من تاجر بعد الظهر يستحق العقوبة
وفي تلك الليلة وقت المغرب طلع الامراء الى الباشا وأشاروا عليه بالنزول والتوجه الى ناحية طرا فنزل في صبحها وخرج الى ناحية طرا كما أشاروا عليه وكذلك خرج الامراء وطاف الاغا والوالي بالشوارع وهما يناديان على الالضاشات المنتسبين الى الوجاقات بالصعود الى القلعة والباقي بالخروج الى متاريس الجيزة وطلع الاوده باشا الاختيارية وجلسوا في الابواب
وفي يوم السبت أشيع ان الامراء القبليين يريدون التخريم من وراء الجبل الى جهة للعادلية فخرج احمد بك وصالح بك تابع رضوان بك الى جهة العادلية وأقاموا هناك للمحافظة بتلك الجهة وأرسلوا ايضا الى غرب العائذ فحضروا ايضا هناك
وفيه وصل القبليون الى حلوان ونصبوا وطاقهم هناك وأخذ المصريون حذرهم من خلف متاريس طرا
وفي يوم الثلاثاء توجه المشايخ الى ناحية طرا وسلموا على الباشا والامراء ورجعوا وذلك باشارة الامراء ليشاع عند الاخصام ان الرعية والمشايخ معهم وبقي الامر على ذلك الى يوم الثلاثاء التالي
وفي صبح يوم الاربعاء نزل الاغا والوالي وامامهم المناداة علىالرعية والعامة الكافة بالخروج في صبح يوم الخميس صحبة المشايخ ولا يتأخر احد وحضر الشيخ العروسي الى بيت الشيخ البكري وعملوا هناك جميعة وخرج الاغا من هناك ينادي في الناس ووقع الهرج والمرج وأصبح يوم الخميس فلم يخرج أحد من الناس ووقع الهرج والمرج وأصبح يوم الخميس فلم يخرج أحد من الناس وأشيع ان الامراء القبليين نزلوا اثقالهم في المراكب وتمنعوا الى قبلي ويقولون ان قصدهم الرجوع وبقي الأمر عل السكوت بطول النهار والناس في بهتة والامراء متخيلون من بعضهم البعض وكل من علي بك الدفتردار وحسن بك الجداوي يسيء الظن بالآخر ولم يخطر بالبال مخامرة عثمان بك طبل ولا الباشا فإن عثمان بك تابع اسمعيل بك الخصم الكبير وقد تعين عوضه في امارة مصر ومشيختها والباشا لم يكن من الفريقين فلما كان الليل تحول الباشا والامراء وخرجوا الى ناحية العادلية وأخرجوا شركفلك صحبتهم وجملة مدافع وعملوا متاريس فما فرغوا من عمل ذلك الا ضحوة النهار من يوم الجمعة وهم واقفون على الخيول فلم يشعروا الا والامراء القبالي نازلون من الجبل بخيولهم ورجالهم لكنهم في غاية من الجهد والمشقة فلما نزلوا وجدوا الجماعة والمتاريس امامهم فتشاور المصريون مع بعضهم في الهجوم عليهم فلم يوافق عثمان بك على ذلك وثبطهم عن الاقدام ورجعوا جميع الحملة الى مصر ووقفوا على جرائد الخيل فتمنع القبليون وتباعدوا عنهم ونزلوا عند سبيل علام يأخذون لهم راحة حتى يتكاملوا فلما تكاملوا ونصبوا خيامهم واستراحوا الى العصر ركب مصطفى كاشف صهر حسن كتخدا علي بك وهو من مماليك محمد بك الالفي وصحبته نحو خمسة مماليك وذهب الى سيده ثم ركب محمد بك المبدول ايضا باتباعه وذهب الى مراد بك لانه في الاصل من اتباعه ثم ركب مصطفى كاشف الغزاري وهو اخو عثمان بك طبل شيخ البلد وذهب ايضا اليهم واستوثق لاخيه فكتب له إبراهيم بك بالحضور فلم يتمكن من الحضور الا بعد العشاء الاخيرة حتى انفرد عن حسن بك وعلي بك فلما فعل ذلك وفارقهما سقط في أيديهما وغشى على علي بك ثم أفاق وركب مع حسن بك وصناجقه وهم عثمان بك وشاهين بك وسليم بك المعروف بالدمرجي الذي تآمر عوضا عن علي بك الحبشي ومحمد بك كشكش وصالح بك الذي تآمر عوضا عن رضوان بك العلوي وعلي بك الذي تآمر عوضا عن سليم بك الاسماعيلي وذهب الجميع من خلف القلعة على طريق طرا وذهبوا الى قبلي حيث كانت اخصامهم فسبحان مقلب الاحوال ولما حضر عثمان بك وقابل ابراهيم بك ارسله مع ولده مرزوق بك الى مراد بك فقابله ايضا ثم حضرت اليهم الوجاقلية والاختيارية وقابلوهم وسلموا عليهم وشرع اتباعهم في دخول مصر بطول ليلة السبت حادي عشرين شهر القعدة ولما طلع النهار دخلت أتباعهم بالحملات والجمال شيء كثير جدا ثم دخل ابراهيم وشق المدينة ومعه صناجقة ومماليكه وأكثرهم لابسون الدروع ثم دخل بعده سليمان بك والاغا واخوه ابراهيم بك الوالي ثم عثمان بك الشرقاوي واحمد بك الكلارجي وأيوب بك الدفتردار ومصطفى بك الكبير وعلي أغا وسليم أغا وقائد أغا وعثمان بك الاشقر الابراهيمي وعبد الرحمن بك الذي كان باسلامبول وقاسم بك الموسقو وكشافهم واغواتهم واما مراد بك فانه دخل من على طريق الصحراء ونزل على الرميلة وصحبته عثمان بك الاسماعيلي شيخ البلد وامراؤه وهم محمد بك الالفي وعثمان بك الطنبرجي الذي كان باسلامبول ايضا وكشافهم واغواتهم واستمر انجرارهم الى بعد الظهر خلاف من كان متاخرا او منقطعا فلم يتم دخولهم الا في ثاني يوم وأما مصطفى أغا الوكيل فانه التجأ الى الباشا وكذلك مصطفى كاشف طرا فأخذهما الباشا صحبته وطلعا الى القلعة ودخل الامراء الى بيوتهم وباتوا بها ونسوا الذي جرى وأكثر البيوت كان بها الامراء الهالكون بالطاعون وبقي بها نساؤهم ومات غالب نساء الغائبين فلما رجعوا وجدوها عامرة بالحريم والجواري والخدم فتزوجوهن وجددوا فراشهم وعملوا اعراسهم ومن لم يكن له بيت دخل ما أحب من البيوت وأخذه بما فيه من غير مانع وجلس في مجالس الرجال وانتظر تمام العدة ان كان بقي منها شيء واورثهم الله ارضهم وديارهم وأموالهم وأزواجهم
وفي يوم الاحد ركب سليم أغا ونادى على طائفة القليونجية والارنؤذ والشوام بالسفر ولا يتأخر أحد وكل من وجد بعد ثلاثة أيام استحق ما ينزل به ثم ان المماليك صاروا كل من صادفوه منهم أو رأوه أهانوه وأخذوا سلاحه فاجتمع منهم طائفة وذهبوا الى الباشا فأرسل معهم شخصا من الدلاة أنزلهم الى بولاق في المراكب وصار أولاد البلد والصغار يسخرون بهم ويصفرون عليهم بطول الطريق وسكن مراد بك ببيت اسمعيل بك وكأنه كان يبنيه من أجله
وفي يوم الاثنين ايضا طاف الأغا وهو ينادي على القليونجية والارنؤد
وفي يوم الخميس سادس عشرينه صعد الامراء الى القلعة وقابلوا الباشا وكانوا يروه ولم يرهم قبل ذلك اليوم فخلع عليهم الخلع ونزلوا من عنده وشرعوا في تجهيز تجريدة الى الهاربين لأنهم حجزوا ما وجدوه من مراكبهم وأمتعتهم وكتب الباشا عرضحال في ليلة دخولهم وأرسله صحبة واحد ططرى الى الدولة بحقيقة الحال وعينوا التجريدة ابراهيم بك الولي وعثمان بك المرادي متقلدا امارة الصعيد وعثمان بك الاشقر واحضر مراد بك حسن كتخدا علي بك بأمان وقابله وقيده بتشهيل التجريدة وعمل البقسماط ومصروف البيت من اللحم والخبز والسمن وغير ذلك ووجه عليه المطالب حتى صرف ما جمعه وحواه وباع متاعه وأملاكه ورهنها واستدان ولم يزل حتى مات بقهره وقلدوا علي أغا مستحفظان سابقا وجعلوه كتخدا الجاويشية
وفي حادي عشرين شهر الحجة الموافق لسابع عشر مسرى القبطي أوفي النيل أذرعه ونزل الباشا الى قصر السد وحضر القاضي والامراء وكسر السد بحضرتهم وعملوا الشنك المعتاد وجرىالماء في الخليج ثم توقفت الزيادة ولم يزد بعد الوفاء الا شيئا قليلا ثم نقص واستمر يزيد قليلا وينقص الى الصليب فضجت الناس وتشحطت الغلال وزاد سعرها وانكبوا على الشراء ولاحت الوائح الغلاء
وفيه ايضا شرع الامراء في التعدي على أخذ البلاد من اربابها من الوجاقلية وغيرهم وأخذوا بلاد أمير الحاج
وفيه صالح الباشا الامراء على مصطفى أغا الوكيل وأخلوا له داره وقد كان سكن بها عثمان بك الاشقر فاخلاه له ابراهيم بك ونزل من القلعة اليه ولازم ابراهيم بك ملازمة كلية وكذلك مصطفى كاشف الذي كان يطرا لازم مراد بك واختص به وصار جليسه ونديمه

من مات في هذه السنة من الاعيان

مات الامام العلامة والحبر المدفق الفهامة ذو الفضائل الجمة والتحقيقات المهمة الذكي الألمعي النحوي المعقولي الفقيه النبيه الشيخ عمر لبابلي الشافعي الازهري تفقه على علماء العصر وحضر الشيخ عيسى البراوي والشيخ الصعيدي والشيخ احمد البيلي والشيخ عبد الباسط السنديوني وتمهر في العلوم وقرأ الدروس وأخذ طريق الخلوتية على شيخنا الشيخ محمود الكردي ولقنه الاسماء ولازمه في مجالسه وأوراده ملازمة كلية ولوحظ بأنظاره وتزوج بزوجة الشيخ احمد اخي الشيخ حسن المقدسي الحنفي وكانت مثرية فترونق حاله وتجمل بالملابس وعرفته الناس وماتت زوجته المذكورة لا عن عصبة فحاز ميراثها والتزم بحصة كانت لها بقرية يقال لها دار البقر فعند ذلك اتسعت عليه الدنيا وسكن دارا واسعة واقتنى الجواري والخدم ومواشي وابقارا واغناما واستأجر ارضا قريبة يزرعها بالبرسيم تغدو اليها المواشي وتروح كل يوم من ايام الربيع ثم تزوج ببنت شيخه الشيخ محمود بعد وفاته واقام منعما معها في رفاهية من العيش مع ملازمته للاقراء والافادة الى ان ادركه الاجل المحتوم وتوفي في هذه السنة بالطاعون وكان انسانا حسنا جم الفرائد ولفوائد مهذب الاخلاق لين الطباع حسن المعاشرة جميل الاوصاف رحمه الله تعالى
ومات العمدة الفاضل الواعظ عبد الوهاب بن الحسن البوسنوى السراى المعروف ببشناق افندي قدم مصر سنة تسع وستين ومائة والف ووعظ بمساجدها واكرمه الامراء للجنسية ثم توجه الى الحرمين وقطن بمكة ورتب له شيء معلوم على الوعظ والتدريس ومكث مدة ثم حصلت فتنة بين الاشراف والاتراك فنهب بيته وخرج هاربا الى مصر فالتجأ الى علمائها فكتبوا له عرضا الى الدولة بمعرفة ماجرى عليه فعين له شيء في نظير ما ذهب من متاعه وتوجه الى الحرمين فلم يقر له بمكة قرار ولم يمكنه الاتزاج مع رئيس مكة لسلاقة لسانه واستطالته في كل من دب ودرج فتوجه الى الروم ومكث بها اياما حتى حصل لنفسه شيئا من معلوم آخر فأتى الى مكة وصار يطلع على الكرسي ويتكلم على عادته في الحط على اشراف مكة وذمهم والتشنيع عليهم وعلى اتباعهم وذكر مساويهم وظلمهم فأمر شريف مكة بالخروج منها الى المدينة فخرج اليها وقد حنق غيظا على الشريف فلما استقر بالمدينة لف عليه بعض الاوباش ومن ليس له ميل الى الشريف فصار يطلع على الكرسي ويستطيل بلسانه عليه ويسبه جهرا وغره مرافقة اولئك معه وان الشريف لا يقدر أن يأتي لهم بحركة فتعصبوا وزادوا نفورا واخرجوا الوزير الذي هو من طرف الشريف وكاتبوا الى الدولة برفع يد الشريف عن المدينة مطلقا وانه لا يحكم فيهم ابدا وانما يكون الحاكم شيخ الحرم فقط وارسلوا بالعرض مفتي المدينة فكتب لهم على مقتضى طلبهم خطابا الى أمير الحاج الشامي والى الشريف ولما أحس الشريف بذلك تنبه لهذه الحادثة وعرف ان اصلها من أنفار بالمدينة أحدهم المترجم واستعد للقاء أمير الحاج بعسكر جرار على خلاف عادته ورام مناواته ان برز منه شيء خلاف ما عهد منه فلما رأى أمير الحاج ذلك الحال كتم ما عنده وانكر أن يكون عنده شيء من الاوامر في حقه ومضى لنسكه حتى اذا رجع الى المدينة تنمر وتشمر وكاد أن يأكل على يده من التندم والحسرة وذهب الى الشام ولما خلت مكة من الحجاج جرد الشريف عسكرا على العرب فقاتلوه وصبر معهم حتى ظفر بهم ودخل المدينة فجأة ولم يكن ذلك يخطر ببالهم قط فما وسعهم الا انهم خرجوا للقائه فآنسهم واخبرهم انه ما اتى الا لزيارة جده عليه الصلاة و السلام وليس له غرض سواه فاطمأنوا بقوله وشق سوق المدينة بعسكره وعبيده حتى دخل من باب السلام وتملى من الزيارة واقبلت عليه ارباب الوظائف مسلمين فأكرمهم وكساهم فلما أنس منهم الغفلة امر بأمساك جماعة من المفسدين الذين كانوا يحفرون وراءه فاختفى باقيهم وتسللوا وهرب منهم خفية بالليل جماعة وكان المترجم احد من اختفى في بيته ثلاثة ايام ثم غير هيئه وخرج حتى اتى مصر ومشى على طريقته في الوعظ وعقد له مجلسا بالمشهد الحسيني وخالط الامراء وحضر درسه الامير يوسف بك ومال اليه والبسه فروة ودعاه الى بيته واكرمه وتردد اليه كثيرا وكان يجله ويرفع منزلته ويسمع كلامه وينصت الى قوله ولديه بعض معرفة بالعلم على طريقة بلادهم واستمر بمصر وسكن بحارة الروم ورتب له بالضربخانة مائة ونصف فضة في كل يوم لمصروفه وصار له وجاهة عند ابناء جنسه الى ان وقع له ما وقع مع اسمعيل باشا بسبب الوصاية على التركة كما مر ذلك آنفا وحط من قدره واهانه وحبسه نحو ثلاثة اشهر ثم افرج عنه بشفاعة علي بك الدفتردار وانزوى خاملا في داره الى ان مات في اوائل شعبان بالطاعون سامحه الله تعالى
ومات الجناب المكرم المبجل المعظم جامع المعارف وحاوي اللطائف الامير حسن افندي بن عبد الله الملقب بالرشيدي الرومي الاصل مولى المرحوم علي اغا بشير دار السعادة المكتب المصري اشتراه سيده صغيرا وهذبه ودربه وشغله بالخط فاجتهد فيه وجوده على عبد الله الانيس وكان ليوم اجازته محفل نفيس جمع فيه المرؤس والرئيس ثم زوجه ابنته وجعله خليفته ولم يزل في حال حياة سيده معتكفا على المشق والتسويد معتنيا بالتحرير والتجويد الى ان فاق اهل عصره في الجودة في الفن وجميع كل مستحسن ولما توفي شيخ المكتبين المرحوم اسمعيل الوهبي جعل المترجم شيخا باتفاق منهم لما اعطى من مكارم الشيم وطيب الاخلاق وتمام المروءة وحسن تلقي الواردين وجميل الثناء عليه من اهل الدين والف من اجله شيخنا السيد محمد مرتضى كتاب حكمة الاشراق الى كتاب الافاق جمع فيه ما يتعلق بفنهم مع ذكر أسانيدهم وهو غريب في بابه يستوقف الراتع في مريع هضابه ولم يزل شيخا ومتكلما على جماعة الخطاطين والكتاب وعميدهم الذي يشار اليه عند الارباب نسخ بيده عدة مصاحف وأحزاب واما نسخ الدلائل فكثرتها لا تدخل تحت الحساب الى ان طافت به المنية طواف الوداع ونثرت عقد ذلك الاجتماع وبموته انقرض نظام هذا الفن
ومات صاحبنا الاديب الماهر والنبيه الباهر نادرة العصر وقرة عين الدهر عثمان بن محمد بن حسين الشمسي وهو أحد الاخوة الاربعة أكثرهم معرفة وأغزرهم ادبا واغوصهم في استخراج الدقائق واستنتاج الرقائق وامهم جميعا الشريفة رقية بنت السيد طه الحموي الحسيني ولد المترجم بمصر وربى في حجر ابويه وتعلق من صغره بمعرفة الفنون الغريبة فنال طرفا منها حسنا يليق عند المذاكرة وعرف الفرائض واستخرج منها طرقا غريبة في استحقاق المواريث في قسم الغرماء في شبابيك وله سليقة شعرية مقبولة وله معرفة باللغة جيدة يطالع كتبها ويحل عقدها ويسأل عن غرائب الفن ويغوص بذهنه على كل مستحسن ولقد نظم فرائض الدين وأسماء أهل بدر وغير ذلك وبالجملة انه كان من محاسن الزمان توفي رحمة الله في اواخر شعبان مطعونا وخلف ولديه محمد جربجي وحسن جربجي احياهما الله حياة طيبة
ومات الاجل المبجل بقية السلف ونتيجة الخلف الوجيه الصالح النبيه الشيخ عبد الرحمن بن احمد شيخ سجادة جده سيدي عبد الوهاب الشعراني مات ابوه احمد في سنة اربع وثمانين وتركه صغيرا دون البلوغ فكفلته امه فتولى السجادة الشيخ احمد من اقاربه وتزوج بأمه وسكن بدارهم ولما شب المرتجم وترشد اشترك معه بالمناصفة ثم توفي الشيخ احمد المذكور فاستقل بذلك ونشأ في عز وعفاف وصلاح وحسن حال ومعاشرة ومودة وعمر البيت حسا ومعنى واحيا مآثر اجداده واسلافه وكان شديد الحياء والحشمة والتواضع والانكسار والخشية والحلم والتؤدة ومكارم الاخلاق ولما تم كماله بدا زواله واخترمته في شبابه يد الاجل فقطعت شمس عمره منطقة الامل وخلف ابنا صغيرا يسمى سيدي قاسما بارك الله فيه
ومات اعز الاخوان واخص الاصدقاء والخلان النجيب الصالح والاريب الناجح شقيق النفس والروح وصحبته باب الخير والفتوح المتفنن النبيه سيدي ابراهيم بن محمد الغزالي بن محمد الدادة الشرايبي من اجل اهل بيت الثروة والمجد والعز والكرم وهو كان مسك ختامهم وبموته انقرض بقية نظامهم وقد تقدم استطراد بعض اوصافه في ترجمة المرحوم سيدي احمد رفيق المرحوم رضوان كتخدا الجلفي ومنها حرصه على فعل الخير ومكارم الاخلاق وتقيد الزاد ليوم المعاد والصدقات الخفية والافعال المرضية التي منها تفقد طلبة العلم الفقراء والمنقطعين ومواساتهم ومعونتهم وكان يشتري المصاحف والألواح الكثيرة ويفرقها بيد من يثق به على مكاتب اطفال المسلمين الفقراء معونة لهم على حفظ القرآن ويملأ الاسبلة للعطاش ولا يقبل من فلاحينه زيادة على المال المقرر ويعاون فقراءهم ويقرضهم التقاوي واحتياجات الزراعة وغيرها ويحسب لهم هدايا هم من اصل المال وكان يتفقه على العلامة الشيخ محمد العقاد المالكي ويحضر دروسه في كل يوم وبعد وفاته لازم حضور الشيخ عبد العليم الفيومي وكان ينفق عليه وعلى عياله ويكسوهم ولم يزل سمح السجية بسام الثنية الى ان بغته الطاعون حالا وكان موته ارتجالا فنضبت جداوله واستراحت حساده وعواذله وكان الله حسنة في صحائف الايام والليالي وروضة تنبت الشكر في رياض المعالي فلو بعت يوما منه بالدهر كله لفكرت دهرا ثانيا في ارتجاعه
ومات ايضا من بيتهم الاجل المكرم احمد حلبي بن الامير علي وكان شابا لطيف الذات مليح الصفات مقبول الطباع مهذب الاوضاع
ومات ايضا من بيتهم الامير عثمان بن عبد الله معتوق المرحوم محمد جربجي وان من اكابر بيتهم وبقية السلف من طبقتهم ذا وجاهة وعقل وحشمة وجلالة قدر
ومات ايضا من بيتهم الامير رضوان صهر احمد جلبي المذكور وكان انسانا لا بأس به ايضا
ومات من بيتهم عدد كثير من النساء والصبيان والجواري في تلك الايام المبددة منهم ومن غيرهم عقد النظام
ومات الصنو الفريد والعقد النضيد الذكي النبيه من ليس له في الفضل شبيه صاحبنا الاكرم وعزيزنا الافخم ابراهيم جلبي بن احمد اغا البارودي نشأ مع اخويه علي ومصطفى في حجر والدهم في رفاهية وعز ولما مات والدهم في سنة اثنتين وثمانين ومائة والف تزوجت والدتهم وهي ابنة ابراهيم كتخدا القزادغلي بمحمد خازندار زوجها وهو محمد اغا الذي اشتهر ذكره بعد ذلك فكفل اولاد سيده المذكورين وفتح بيتهم وعانى المترجم تحصيل الفضائل وطلب العلم ولازم حضور الدروس بالازهر في كل يوم وتقيد بحضور الفقه على السيد احمد الطحطاوي والشيخ احمد الخانيوشي وفي المعقول على الشيخ محمد الخشني والشيخ علي الطحان حتى ادرك من ذلك الحظ الاوفر وصار له ملكة يقتدر بها على استحضار ما يحتاج اليه من المسائل النقلية والعقلية وترونق بالفضائل وتحلى بالفواضل الى ان اقتنصه في ليل شبابه صياد المنية وضرب سورا بينه وبين الامنية
ومات ايضا بعده بيومين اخوه سيدي علي وكان جميل الخصائل مليح الشمائل رقيق الطباع يشنف بحسن الفاظه الاسماع اخترمته المنية وحالت بساحة شبابه الرزية
ومات الصاحب الامثل والاجل الافضل حاوي المزايا المنزه عن النقائص والرزايا عبد الرحمن افندي بن احمد المعروف بالهلواتي كاتب كبير باب تفكشيان من أعيان أرباب الاقلام بديوان مصر كان اشتغل بطلب العلم ولازم حضور الاشياخ وحصل في المعقول والمنقول ما تميز به عن غيره من اهل ضناعته مع حسن الاخلاق وجميل الطباع وحضر علي الشيخ مصطفى الطائي كتاب الهداية في الفقه مشاركا لنا وأخذ ايضا الحديث عن السيد مرتضى وسمع معنا عليه كثيرا من الاجزاء والمسلسلات والصحيحين وغير ذلك وألف حاشية على مراقي الفلاح واقتنى كتبا نفيسة وكان يباحث ويناضل مع عدم الادعاء وتهذيب النفس والسكون والتؤدة والامارة والسيادة الى أن أجاب الداعي ونعته النواعي واضمحل حال ابيه بعده وركبته الديون وجفاه الاخدان والمجنون وصار بحالة يرثى لها الشامت ويبكي حزنا عليه من يسمع ذكره من الناعت الى ان توفي بعد بنحو سنتين
ومات الامير المبجل والنبيه المفضل علي بن عبد الله الرومي الاصل مولى الامير احمد كتخدا صالح اشتراه سيده صغيرا فتربى في الحريم وأقرأه القرآن وبعض متون الفقه وتعلم الفروسة ورمى السهام وترقى حتى عمل خازندار عنده وكان بيته موردا للافاضل فكان يكرمهم ويحترمهم ويتعلم منهم العلم ثم أعتقه وأنزله حاكما في بعض ضياعه ثم رقاه الى ان عمله رئيسا في باب المتفرقة وتوجه اميرا على طائفته صحبة الخزينة الى الابواب السلطانية مع شهامة وصرامة ثم عاد الى مصر وكان ممن يعتقد في شيخنا السيد علي المقدسي ويجتمع به كثيرا وكان له حافظة جيدة في استخراج الفروع واتقن فين رمي النشاب الى ان صار استاذا فيه وانفرد في وقته في صنعة القسى والسهام والدهانات فلم يلحقه اهل عصره واضر بعينيه وعالجها كثيرا فلم يفده فصبر واحتسب ومع ذلك فيرد عليه اهل فنه ويسألونه فيه ويعتمدون على قوله ويجيد القسى تركيبا وشدا ولقد اتاه وهو في هذه الضرارة رجل من اهل الروم اسمه حسن فانزله في بيته وعلمه هذه الصنعة حتى فاق في زمن قليل اقرانه وسلم له اهل عصره وسمع المترجم على شيخنا المذكور اكثر الصحيح بقراءة كل من الشريفين الفاضلين سليمان بن طه الاكراشي وعلي بن عبد الله بن احمد وذلك بمنزله المطل على بركة الفيل وكذلك سمع عليه المسلسل بالعيد بشرطه وحديثين مسلسلين بيوم عاشوراء تخريج السيد المذكور أو أشياء أخر ضبطت عند كاتب الاسماء وأخذ الاجازة من الشيخ اسمعيل بن أبي المواهب الجلبي وكان عنده نفيسة في كل فن رحمه الله
ومات الشاب اللطيف المهذب الظريف الذي يحكي بادبه سنا الملك وابن العفيف محمد بن الحسن بن عبد الله الطيب ابوه مولى للقاسم الشرايبي مات أبوه في حداثته وكان مولد سنة اربع وستين ومائة والف وكفله صهره سليمان بن محمد الكاتب احد كتاب المقاطعة بالديوان ونشأ في الرفاهية والنعم وعانى طلب العلم فنال منه ما اخرجه من ربقة الجهل وتعلق بالعروض واخذه عنه الشيخ محمد بن ابراهيم العوفي المالكي فبرع فيه ونظم الشعر الا انه كان يعرض شعره للذم بالتزامه فيه مالا يلزم توفي في غرة شعبان من السنة
ومات الصنو الفريد والنادرة الوحيد النبيه اللبيب والمفرد العجيب الفاضل الناظم الناثر سيدي عثمان بن احمد الصفائي المصري تقدم ذكره في ترجمة والده احمد افندي كاتب الروزنامة بديوان مصر ونشأ هو في ظل النعمة والرفاهية وقرأ النحو المنطق على كل من الشيخ علي الطحان والشيخ مصطفى المرحومي حتى مهر فيهما وكان يباحث ويناضل ويناقش اهل العلم في المسائل العقلية والنقلية وقرأ علم العروض واتقن نظم الشعر وجمع الظروف وكان فيه نوع من الخلاعة واللهو وله وله تخميس على البردة واشعار كثيرة ولم يزل رافلا في حلل السعادة حتى حلت بساحة شبابه الشهادة وتوفي مطعونا بمليج وهو ذاهب لموسم المولد الاحمدي بطندتا في شهر رجب وقد ناهز الاربعين وحضروا به الى مصر محمولا على بعير فغسل وكفن ودفن عند والده رحمه الله
ومات الخواجا المعظم والتاجر المكرم السيد احمد ابن السيد عبد السلام المغربي الفاسي نشأ في حجر والده وتربى في العز والرفاهية حتى كبر وترشد واخذ واعطى وباع واشترى وشارك وعامل واشتهر ذكره وعرف بين التجار ومات ابوه واستقر مكانه في التجارة عرفته الناس زيادة عن ابيه وصار يسافر الى الحجاز في كل سنة مقوما مثل ابيه وبنى داره ووسعها واضاف اليها دكة الحسبة التي بجوار الفحامين وانشأ دارا عظيمة ايضا بخط الساكت بالازبكية وانضوى اليه السيد احمد المحروقي واحبه واتحد به اتحادا كليا وكان له اخ من ابيه بالحجاز يعرف بالعرايشي من اكابر التجار ووكلائهم المشهورين ذو ثروة عظيمة فتوفي وصادف وصول المترجم حينئذ الى الحجاز فوضع يده على ماله ودفاتره وشركاته وتزوج بزوجته واخذ جواره وعبيده ورجع الى مصر واتسع حاله زيادة على ما كان عليه وعظم صيته وصار عظيم التجار وشاه النبدر وسلم قياده وزمامه في الاخذ والعطاء وحساب الشركاء الى السيد احمد المحروقي وارتاح اليه لحذقه ونباهته ونجابته وسعادة جده ولم يزل على ذلك حتى اخترمته المنية وحالت بينه وبين الامنية وتوفي في شعبان مطعونا وغسل وكفن وصلى عليه بالمشهد الحسيني في مشهد حافل بعد العشاء الاخيرة في المشاغل ودفن عند ابيه بزاوية العربي بالقرب من الفحامين والتجأ السيد احمد المحروقي الى محمد اغا البارودي كتخدا اسمعيل بك فسعى اليه واقره مكانه واقامه عوضه في كل شيء وتزوج بزوجاته وسكن داره واستولى على حواصله وبضائعه وامواله ونما امره من حينئذ وأخذ واعطى ووهب وصانع الامراء واصحاب الحل والعقد حتى وصل الى ما وصل اليه وادرك ما لم يدركه غيره فيما سمعنا وراينا كما قيل:
وإذا السعادة لاحظتك عيونها ● نم فالمخاوف كلهن امان

● [ تابع من مات في هذه السنة من الاعيان ] ●


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 22 سبتمبر 2018 - 14:07