من الامير ابراهيم كتخدا الى السمان اديب الزمان

شاطر
avatar
الإدارة
Admin

عدد المساهمات : 3065
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

من الامير ابراهيم كتخدا الى السمان اديب الزمان

مُساهمة من طرف الإدارة في الخميس 22 فبراير 2018 - 3:36


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها وتراجم اعيانها
ووفياتهم ابتداء من ظهور امر الفقارية

ومات الامير ابراهيم كتخدا تابع سليمان كتخدا القازدغلي وسليمان هذا تابع مصطفى كتخدا الكبير القازدغلي وخشداش حسن جاويش استاذ عثمان كتخدا والد عبد الرحمن كتخدا المشهور لبس الضلمة في سنة 1148 وعمل جاويشا وطلع سردار قطار في الحج في امارة عثمان بك ذي الفقار سنة 1153
وفي تلك السنة استوحش منه عثمان بك باطنا لانه كان شديد المراس قوي الشكيمة وبعد رجوعه من الحج في سنة 1152 نما ذكره وانتشر صيته ولم يزل من حينئذ ينمو أمره وتزيد صولته وتنفذ كلمته وكان ذا دهاء ومكر وتحيل ولين وقسوة وسماحة وسعة صدر وتؤدة وحزم واقدام ونظر في العواقب
ولم يزل يدبر على عثمان بك وضم اليه كتخداه احمد السكري ورضوان كتخدا الجلفي وخليل بك قطامش وعمر بك بسبب منافسة معه على بلاد هوارة كما تقدم حتى أوقع به على حين غفلة وخرج عثمان بك من مصر على الصورة المتقدمة
فعند ذلك عظم شأنه وزادت سطوته واستكثر من شراء المماليك وقلد عثمان مملوكه الذي كان اغات متفرقة صنجقا وهو اول صناجقه وهو الذي عرف بالجرجاوي
ولما قتل خليل بك قطامش وعمر بك بلاط وعلي بك الدمياطي ومحمد بك في ايام راغب باشا بمغامرة حسين بك الخشاب ثم حصلت ايضا كائنة الخشاب وخروجه ومن معه من مصر وزالت دولة القطامشة والدمايطة والخشابية وعزلوا راغب باشا في اثناء ذلك كما تقدم فعند ذلك انتهت رئاسة مصر وسيادتها للمترجم وقسيمه رضوان كتخدا الجلفي ونفذت كلمتهما وعلت سطوتهما على باقي الامراء والاختيارية الموجودين بمصر وتقلد المترجم كتخدائية باب مستحفظان ثلاثة اشهر ثم انفصل عنها
وذلك كما يقال لاجل حرمة الوجاق وقلد مملوكية عليا وحسينا صنجقين وكذلك رضوان كتخدا كما سبق وصار لكل واحد منهما ثلاثة صناجق
واشتعل المترجم بالاحكام وقبض الاموال الميرية وصرفها في جهاتها وكذلك العلوفات وغلال الانبار ومهمات الحج والخزينة ولوازم الدولة والولاة وقسيمة رضوان كتخدا مشتغل بلذاته ومنهمك على خلاعاته ولا يتداخل في شيء مما ذكر والمترجم يرسل له الاموال ويوالي بر الجميع ويراعي خواطرهم وينفذ اغراضهم وعبد الرحمن كتخدا مشتغل بالعمائر وفعل الخيرات وبناء المساجد
واستكثر المترجم من شراء المماليك وقلدهم الامريات والمناصب وقلد امارة الحج لمملوكه علي بك الكبير وطلع بالحج ورجع سنة 1167
وفي تلك السنة نزل على الحجاج سيل عظيم بمنزلة ظهر حمار فأخذ معظم الحجاج بجمالهم واحمالهم الى البحر ولم يرجع من الحجاج الا القليل
ومما يحكى عنه انه رأى في منامه ان يديه مملوءتان عقارب فقصها على الشيخ الشبراوي فقال هؤلاء مماليك يكونون مثل العقارب ويسري شرهم وفسادهم لجميع الناس
فان العقرب لدغت النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فقال صلى الله عليه و سلم لعن الله العقرب لا تدع نبيا ولا غيره الا لدغته وكذا يكون مماليكك
وكان الامر كذلك وليس للمرتجم مآثر أخروية ولا افعال خيرية يدخرها ميعاده ويخفف عنه بها ظلم خلقه وعباده بل كان معظم اجتهاده الحرص على الرياسة والامارة وعمر داره التي بخط قوصون بجوار دار رضوان كتخدا والدار التي بباب الخرق وهي دار زوجته بنت البارودي والقصر المنسوب اليها أيضا بمصر القديمة
والقصرالذي عند سبيل قيماز بالعادلية وزوج الكثير من مماليكه نساء الامراء الذين ماتوا وقتلوا وأسكنهم في بيوتهم وعمل وليمة لمصفي باشا وعزمه في بيته بحارة قوصون في سنة 1166 وقدم له تقادم وهدايا وادرك المترجم من العز والعظمة ونفاذ الكلمة وحسن السياسة واستقرار الامور ما لم يدركه غيره بمصر ولم يزل في سيادته حتى مات على فرشه في شهر صفر سنة 1168
ومات بعده رضوان كتخدا الجلفي وهو مملوك علي كتخدا الجلفي تقلد كتخدائية باب عزبان بعد قتل استاذه بعناية عثمان بك ذي الفقار كما تقدم ولم يزل يراعي لعثمان بك حقه وجميلة حتى اوقع بينهما ابراهيم كتخدا كما تقدم
ولما استقرت الامور له ولقسيمه ترك له الرياسة في الاحكام واعتكف المترجم على لذاته وفسوقه وخلاعاته ونزهاته وانشأ عدة قصور واماكن بالغ في زخرفتها وتأنيقها وخصوصا داره التي انشأها على بركة الازبكية واصلها بيت الدادة الشرايبي وهي التي على بابها العامودان الملتفان المعروفة عند اولاد البلد بثلاثة وليه وعقد على مجالسها العالية قبابا عجيبة الصنعة منقوشة بالذهب المحلول واللازورد والزجاج الملون والالوان المفرحة والصنائع الدقيقة ووسع قطعة الخليج بظاهر قنطرة الدكة بحيث جعلها بركة عظيمة وبنى عليها قصرا مطلا عليها وعلى الخليج الناصري من الجهة الاخرى
وكذلك انشأ في صدر البركة مجلسا خارجا بعضه على عدة قناطر لطيفة وبعضه داخل الغيط المعروف بغيط المعدية وبوسطه بحيرة تمتلىء بالماء من اعلى ويصب منها الى حوض من اسفل ويجري الى البستان لسقي الاشجار
وبنى قصرا آخر بداخل البستان مطلا على الخليج وعلى الاعلاق من ظاهره
فكان يتنقل في تلك القصور وخصوصا في ايام النيل ويتجاهر بالمعاصي والراح والوجوه الملاح وتبرج النساء ومخاليع اولاد البلد
وخرجوا عن الحد في تلك الايام ومنع اصحاب الشرطة من التعرض للناس في افاعيلهم
فكانت مصر في تلك الايام مراتع غزلان ومواطن حور وولدان كأنما اهلها خلصوا من الحساب ورفع عنهم التكليف والخطاب
وهو الذي عمر باب القلعة الذي بالرميلة المعروف بباب العزب وعمل حوله هاتين البدنتين العظيمتين والزلاقة على هذه الصورة الموجودة الآن
وقصدته الشعراء ومدحوه بالقصائد والمقامات والتواشيح واعطاهم الجوائز السنية وداعب بعضهم بعضا فكان يغري هذا بهذا ويضحك منهم ويباسطهم واتخذ له جلساء وندماء منهم الشيخ علي جبريل والسيد سليمان والسيد حمودة السديدي والشيخ معروف والشيخ مصطفى اللقيمي الدمياطي صاحب المدامة الارجوانية في المدائح الرضوانية ومحمد افندي المدني
وامتدحه العلامة الشيخ يوسف الحفني بقصائد طنانة وللشيخ عمار القروي فيه مدحا في المترجم ومداعبة للسيد حمودة السديدي المحلاوي
ولم يزل رضوان كتخدا وقسيمة على امارة مصر ورئاستها حتى مات ابراهيم كتخدا كما تقدم فتداعى بموته ركن المترجم ورفعت النيام رؤوسها وتحركت حفائظها ونفوسها وظهر شان عبد الرحمن كتخدا القازدغلي وراج سوق نفاقه واخذ يعضد مماليك ابراهيم كتخدا ويغريهم ويحرضهم على الجلفية لكونهم مواليه
فيخلص له بهم ملك مصر ويظن انهم يراعون حق ولائه وسيادته جده فكان الامر عليه بخلاف ذلك كما ستراه وهم كذلك يظهرون له الانقياد ويرجعون الى رايه ومشورته ليتم لهم به المراد
وكل من امراء ابراهيم كتخدا متطلع للرياسة ايضا بالبلدة من الاكابر والاختيارية واصحاب الوجاهة مثل حسن كتخدا ابي شنب وعلي كتخدا الخربطلي وحسن كتخدا الشعراوي وقرا حسن كتخدا واسمعيل كتخدا التبانة وعثمان اغا الوكيل وابراهيم كتخدا مناو وعلي اغا توكلي وعمر اغا متفرقة وعمر افندي محرم اختيار جاويشان وخليل جاويش حيضان مصلي وخليل جاويش القازدغلي وبيت الهياتم وابراهيم اغا بن الساعي وبيت درب الشمسي وعمر جاويش الداودية ومصطفى افندي الشريف اختيارية متفرقة وبيت بلغيه وبيت قصبة رضوان وبيت الفلاح وهم كثيرون اختيارية واوده باشيه ومنهم احمد كتخدا واسمعيل كتخدا وعلي كتخدا وذو الفقار جاويش واسمعيل جاويش وغيرهم فأخذ اتباع ابراهيم كتخدا يدبرون في اغتيال رضوان كتخدا وازالته وسعت فيهم عقارب الفتن فتنبه رضوان كتخدا لذلك فاتفق مع اغراضه وملك القلعة ولابواب والمحمودية وجامع السلطان حسن واجمع اليه جمع كثير من امرائه وغيرهم ومن انضم اليهم وكاد يتم له الامر فسعى عبد الرحمن كتخدا ولاختيارية في اجراء الصلح وطلع بعضهم الى رضوان نصحهم لانه كان سليم الصدر ففرق الجمع ونزل الى بيته الذي بقوصون فاغتنموا عند ذلك الفرصة وبيتوا امرهم ليلا وملكوا القلعة والابواب والجهات والمترجم في غفلته آمن في بيته مطمئن من قبلهم ولا يدري ما خبىء له فلم يشعر الا وهم يضربون عليه بالمدافع وكان المزين يحلق له رأسه فسقطت على داره الحلل فأمر بالاستعداد وطلب من يركن اليهم فلم يجد احدا وجدهم قد أخذوا حوله الطرق والنواحي فحارب فيهم الى قريب الظهر وخامر عليه اتباعه فضربه مملوكه صالح الصغير برصاصة من خلف الباب الموصل لبيت الراحة فاصابته في ساقه وهرب مملوكه الى الاخصام وكانوا وعدوه بأمرية ان هو قتل سيده
فلما حضر اليهم وأخبهم بما فعل أمر علي بك بقتله
ثم امر رضوان بك بالخيول وركب في خاصته وخرج من نقب نقبه في ظهر البيت وتألم من الضربة لانها كسرت عظم ساقه فسار الى جهة البساتين وهو لا يصدق بالنجاة فلم يتبعه احد ونهبوا داره ثم ركب وسار الى جهة الصعيد فمات بشرق اولاد يحيى ودفن هناك
فكانت مدته بعد قسيمه قريبا من ستة اشهر
ولما مات تفرقت صناجقه ومماليكه في البلاد وسافر بعضهم الى الحجاز من ناحية القصير ثم ذهبوا من الحجاز الى بغداد واستوطنوها وتناسلوا وماتوا وانقضت دولتهما
فكانت مدتهما نحو سبع سنوات ومصر في تلك المدة هادية من الفتن والشرور والاقليم البحري والقبلي امن وامان والاسعار رخية والاحوال مرضية واللحم الضاني المجروم من عظمه رطله بنصفين والجاموسي بنصف والسمن البقري عشرته باربعين نصف فضة اللبن الحليب عشرته باربعة انصاف والرطل الصابون بخمسة انصاف والسكر المنعاد كذلك والمكرر قنطاره بالف نصف والعسل القطر قنطاره بمائة وعشرين نصفا واقل والرطل البن القهوة باثني عشر نصفا والتمر يجلب من الصعيد في المراكب الكبار ويصب على ساحل بولاق مثل عرم الغلال ويباع بالكيل والارداب والارز اردبه باربعمائة نصف والعسل النحل قنطاره بخمسمائة نصف وشمع العسل رطله بخمسة وعشرين نصفا وشمع الدهن باربعة انصاف والفحم قنطاره باربعين نصفا والبصل قنطاره بسبعة انصاف وفسر على ذلك
يقول جامعة اني ادركت بقايا تلك الايام وذلك ان مولدي كان في سنة 1167 ولما صرت في سن التمييز رأيت الاشياء على ما ذكر الا قليلا وكنت اسمع الناس يقولون الشيء الفلاني زاد سعره عما كان في سنة كذا وذلك في مبادىء دولة ابراهيم كتخدا
وحدوث الاختلال في الامور وكانت مصر اذ ذاك محاسنها باهرة وفضائلها ظاهرة ولاعدائها قاهرة يعيش رغدا بها الفقير وتتسع للجليل والحقير وكان لاهل مصر سنن وطرائق في مكارم الاخلاق لا توجد في غيرهم
ان في كل بيت من بيوت جميع الاعيان مطبخين احدهما اسفل رجالي والثاني في الحريم
فيوضع في بيوت الاعيان السماط في وقتي العشاء والغداء مستطيلا في المكان الخارج مبذولا للناس ويجلس يصدره امير المجلس وحوله الضيفان ومن دونهم مماليكه واتباعه
ويقف الفراشون في وسطه يفرقون على الجالسين ويقربون اليهم ما بعد عنهم من القلايا والمحمرات ولا يمنعون في وقت الطعام من يريد الدخول اصلا ويرون ان ذلك من المعايب حتى ان بعض ذوي الحاجات عند الامراء اذا حجبهم الخدام انتظروا وقت الطعام ودخلوا فلا يمنعهم الخدم في ذلك الوقت فيدخل صاحب الحاجة ويأكل وينال غرضه من مخاطبة الامير لانه اذا نظر على سماطه شخصا لم يكن رآه قبل ذلك ولم يذهب بعد الطعام عرف ان له حاجة
فيطلبه ويسأله عن حاجته فيقضيها له وان كان محتاجا واساه بشيء
ولهم عادات وصدقات في ايام المواسم مثل ايام اول رجب والمعراج ونصف شعبان وليالي رمضان والاعياد وعاشوراء والمولد الشريف يطبخون فيها الارز باللبن والزردة ويملأون من ذلك قصاعا كثيرة ويفرقون منها على من يعرفونه من المحتاجين
ويجتمع في كل بيت الكثير من الفقراء فيفرقون عليهم الخبز ويأكلون حتى يشبعوا من ذلك اللبن والزردة
ويعطونهم بعد ذلك دراهم ولهم غير ذلك صدقات وصلات لمن يلوذ فيهم ويعرفون منه الاحتجاج وذلك خلاف ما يعمل ويفرق من الكعك المحشو بالسكر والعجمية والشريك على المدافن والترب في الجمع والمواسم
وكذلك اهل القرى والارياف فيهم من مكارم الاخلاق مالا يوجد في غيرهم من اهل قرى الاقاليم فان اقل ما فيهم اذا نزل به ضيف ولو لم يعرفه اجتهد وبادر بقراه في الحال وبذل وسعة في اكرامه وذبح له ذبيحة في العشاء وذلك ما عدا مشايخ البلاد والمشاهير من كبار العرب والمقادم فان لهم مضايف واستعدادات للضيوف ومن ينزل عليهم من السفار والاجناد ولهم مساميح واطيان في نظير ذلك خلفا عن سلف الى غير ذلك مما يطول شرحه ويعسر استقصاؤه
وبموت رضوان كتخدا لم يقم لوجاق العزب صوله
ومات الاجل المكرم والملاذ المفخم الخواجا الحاج احمد بن محمد الشرايبي وكان من اعيان التجار المشتهرين كاسلافه وبيتهم المشهور بالازبكية بيت المجد والفخر والعز ومماليكهم واولاد مماليكهم من اعيان مصر جربجية وامراء ومنهم يوسف بك الشرايبي
وكانوا في غاية من الغنى والرفاهية والنظام ومكارم الاخلاق والاحسان للخاص والعام ويتردد الى منزلهم العلماء والفضلاء ومجالسهم مشحونة بكتب العلم النفيسة للاعارة والتغيير وانتفاع الطلبة ولا يكتبون عليها وقفية ولا يدخلونها في مواريثهم
ويرغبون فيها ويشترونها باغلى ثمن ويضعونها على الرفوف والخزائن والخورنقات وفي مجالسهم جميعا
فكل من دخل الى بيتهم من اهل العلم الى اي مكان يقصد الاعارة او المراجعة وجد بغيته ومطلوبه في اي علم كان من العلوم ولو لم يكن الطالب معروفا ولا يمنعون من يأخذ الكتاب بتمامه فان رده في مكانه رده وان لم يرده واختص به او باعه لا يسأل عنه وربما بيع الكتاب عليهم واشتروه مرارا ويعتذرون عن الجاني بضرورة الاحتياج وخبزهم وطعامهم مشهور بغاية الجودة والاتقان والكثرة وهو مبذول للقاصي والداني مع السعة والاستعداد وجميعهم مالكيو المذهب على طريقة اسلافهم واخلاقهم جميلة واوضاعهم منزهة عن كل نقص ورذيلة
ومن اوضاعهم وطرائقهم انهم لا يتزوجون الامن بعضهم البعض ولا تخرج من بيتهم امرأة الا للمقبرة فاذا عملوا عرسا اولموا الولائم واطعموا الفقراء والقراء على نسق اعتادوه وتنزل العروس من حريم ابيها الى مكان زوجها بالنساء الخلص والمغاني والجنك تزفها ليلا بالشموع وباب البيت مغلوق عليهن وذلك عندما يكون الرجال في صلاة العشاء بالمسجد الازبكي المقابل لسكنهم وبيتهم يشتمل على اثني عشر مسكنا كل مسكن بيت متسع على حدته
وكان الامراء بمصر يترددون اليهم كثيرا من غير سبق دعوة وكان رضوان كتخدا يتفسح عند المترجم في كثير من الاوقات مع الكمال والاحتشام ولا يصحبة في ذلك المجلس الا اللطفاء من ندمائه واذا قصده الشعراء بمدح لا يأتونه في الغالب الا في مجلسه لينالوا فضيلتين ويحرزوا جائزتين
وكان من سنتهم انهم يجعلون عليهم كبيرا منهم وتحت يده الكاتب والمستوفي والجابي فيجمع لديه جميع الايراد من الالتزام والعقار والجامكية ويسدد الميري ويصرف لكل انسان راتبه على قدر حاله وقانون استحقاقه
وكذلك لوازم الكساوي للرجال والنساء في الشتاء والصيف ومصروف الجيب في كل شهر وعند تمام السنة يعمل الحساب ويجمع ما فضل عنده من المال ويقسمه على كل فرد بقدر استحقاقه وطبقته
واستمروا على هذا الرسم والترتيب مدة مديدة فلما مات كبارهم وقع بينهم الاختلاف واقتسوا الايراد واختص كل فرد منهم بنصيبه يفعل به ما يشتهي
وتفرق الجمع وقلت البركة وانعزل المحبون وصار كل حزب بما لديهم فرحون وكان مسك ختامهم صديقنا واخانا في الله اللوذعي الاريب والنادرة المفرد النجيب سيدي ابراهيم بن محمد بن الدادة الشرايبي الغزالي
كان رحمه الله تعالى ملكي الصفات بسام الثنايات عذب المورد رحيب النادي واسع الصدر للحاضر والبادي قطعنا معه اوقاتا كانت لعين الدهر قرة وعلى مكتوب العمر عنوان المسرة
وما زال يشتري متاع الحياة بجوهر عمره النفيس مواظبا على مذاكرة العلم وحضور التدريس حتى كدر الموت ورده وبدد الحسود بنوائبه عقده كما يأتي تتمة ذلك في سنة وفاته وانمحت بموته من بيتهم المآثر وتبدد بقية عقدهم المتناثر
ومات احمد جلبي ابن الأمير علي والأمير عثمان وتزوج مماليك القازدغلية نساءهم وسكنوا في بيتهم
ومنهم سليمان اغا صالح وتقلد الزعامة وصار بيتهم بيت الوالي وتوفي سنة 1171
● ● وفاة السلطان محمود خان وتولية السلطان عثمان
ومات سلطان الزمان السلطان محمود خان العثماني وكانت مدته نيفا وعشرين سنة وهو آخر بني عثمان في حسن السيرة والشهامة والحرمة واستقامة الاحوال والمآثر الحسنة توفي ثامن صفر سنة 1168
وتولى السلطان عثمان بن أحمد اصلح الله شأنه
ومات النبيه النبيل والفقيه الجليل والسيد الاصيل السيد محمد المدعو حمودة السديدي احد ندماء الامير رضوان كتخدا ولد بالمحلة الكبرى وبها نشأ وحفظ القرآن واشتغل بطلب العلم فحصل مأموله في الفقه والمعقول والمعاني والبيان والعروض وعانى نظم الشعر وكان جيد القريحة حسن السليقة في النظم والنثر والانشاء وحضر الى مصر واخذ عن علمائها واجتمع بالامير رضوان كتخدا عزبان الجلفي المشار اليه وصار من خاصة ندمائه وامتدحه بقصائد كثيرة طنانة وموشحات ومزدوجة بديعة والمقامة التي داعب بها الشيخ عمار القروي واردفها بقصيدة رائية بليغة في هجو المذور سامحهما الله
وكل ذلك مذكور في الفوائح الجنائية لجامعه الشيخ عبد الله الادكاوي
حج رحمه الله ومات وهو آريب باجرود سنة 1163
ومات الاجل المكرم محمد جلبي ابن ابراهيم جربجي الصابونجي مقتولا وخبره انه لما توفي ابوه واخذ بلاده وبيتهم تجاه العتبة الزرقاء على بركة الازبكية فتوفى ايضا عثمان جربجي الصابونجي بمنفلوط وذلك سنة 1147 ومات غيره كذلك من معاتيقهم وكان محمد جربجي مثل والده بالباب ويلتجيء الى يوسف كتخدا البركاوي فلما مات البركاوي خاف من علي كتخدا الجلفي فالتجأ الى عبد الله كتخدا القازدغلي وعمل ينكجري فاراد ان يقلده اوده باشه ويلبسه الضلمة فقصد السفر الى الوجه القبلي وذلك في سنة اربع وخمسين فسافر واستولى على بلاد عثمان جربجي ومعاتيقه وقام هناك وكان رذلا نجيلا طماعا شرها في الدنيا وكان مماليكه يهربون منه وكانت اخته زوجا لعمر أغا خازندار أبيه ولم يفتقدها بشيء
ولما مات ابراهيم كتخدا الجلفي القازدغلي ورضوان كتخدا الجلفي بدأ أمر اتباع ابراهيم كتخدا في الظهور وكان المتعين بالامارة منهم عثمان بك الجرجاوي وعلي بك الذي عرف بالغزاوي وحسين بك الذي عرف بكشكش وهؤلاء الثلاثة تقلدوا الصنجقية والامارة في حياة استاذهم
والذي تقلد الامارة منهم بعد موته حسين بك الذي عرف بالصابونجي وعلي بك بلوط قبان وخليل بك الكبير
واما من تأمر منهم بعد قتل حسين بك الصابونجي فهم حسن بك جوجه واسمعيل بك ابو مدفع
واما من تأمر بعد ذلك بعناية علي بك بلوط قبان عندما ظهر امره فهو اسمعيل بك الاخير الذي تزوج ببنت استاذه وكان خازنداره وعلي بك السروجي
فلما استقر امرهم بعد خروج رضوان كتخدا وزوال دولة الجلفية تعين بالرياسة منهم على اقرانه عثمان بك الجرجاوي فسار سيرا عنيفا من غير تدبر وناكد زوجة سيدة بنت البارودي وصادرها في بعض تعلقاتها فشكت امرها الى كبار الاختيارية فخاطبوه في شأنها وكلمه حسن كتخدا ابو شنب فرد عليه ردا قبيحا فتحزبوا عليه ونزعوه من الرياسة وقدموا حسين بك الصابونجي وجعلوه شيخ البلد
ولم يزل حتى حقد عليه خشداشينه وقتلوه
وخبر موت حسين بك المذكور انه لما مات ابراهيم كتخدا قلدوا المذكور امارة الحج وطلع سنة 1169 وسنة 1170 ثم تعين بالرياسة وصار هو كبير القوم والمشار اليه وكان كريما جوادا وجيها وكان يميل بطبعه الى نصف حرام لان اصله من مماليك الصابونجي فهرب من بيته وهو صغير وذهب الى ابراهيم جاويش فاشتراه من الصابونجي ورباه ورقاه ثم زوجه بزوجة محمد جربجي ابن ابراهيم الصابونجي وسكن بيتهم وعمره ووسعه وانشأ فيه قاعة عظيمة فلذلك اشتهر بالصابونجي
ولما رجع من الحجاز قلد عبد الرحمن اغا اغاوية مستحفظان وهو عبد الرحمن اغا المشهور في شهر شعبان من سنة 1171 وطلع بالحج في تلك السنة محمد بك بن الدالي ورجع في سنة 1172 ثم ان المترجم اخرج خشداشة علي بك المعروف ببلوط قبان ونفاه الى بلده النوسات واخرج خشداشة ايضا عثمان بك الجرجاوي منفيا الى اسيوط واراد نفي علي بك الغزاوي واخرجه الى جهة العادلية فسعى فيه الاختيارية بواسطة نسيبه علي كتخدا الخربطلي وحسن كتخدا ابي شنب فالزمه أن يقيم بمنزل صهره علي كتخدا المذكور ببركة الرطلي ولا يخرج من البيت ولا يجتمع باحد من اقرانه وأرسل الى خشداشة حسين بك المعروف بكشكش فاحضره من جرجا وكان حاكما بالولاية فأمره بالاقامة في قصر العيني ولا يدخل الى المدينة
ثم ارسل اليه يأمره بالسفر الى جهة البحيرة وأحضروا اليه المراكب التي يسافر فيها ويريد بذلك تفرق خشداشينه في الجهات ثم يرسل اليهم ويقتلهم لينفرد بالامر والرياسة ويستقل بملك مصر ويظهر دولة نصف حرام وهو غرضه الباطني
وضم اليه جماعة من خشداشينه وتوافقوا معه على مقصد ظاهرا وهم حسن كاشف جوجه وقاسم كاشف وخليل كاشف جرجي وعلي اغا المنجي واسمعيل كاشف ابو مدفع وآخر يسمى حسن كاشف
وكانوا من اخصائه وملازميه فاشتغل معهم حسين بك كشكش واستمالهم سرا واتفق معهم على اغتياله فحضروا عنده في يوم الجمعة على جري عادتهم وركبوا صحبته الى القرافة فزاروا ضريح الامام الشافعي ثم رجع صحبتهم الى مصر القديمة فنزلوا بقصر الوكيل وباتوا صحبته في انس وضحك
وفي الصباح حضر اليهم الفطور فأكلوه وشربوا القهوة وخرج المماليك ليأكلوا الفطور مع بعضهم وبقي هو مع الجماعة وحده وكانوا طلبوا منه انعاما فكتب الى كل واحد منهم وصولا بالف ريال والف اردب قمح وغلال ووضعوا الاوراق في جيوبهم ثم سحبوا عليه السلاح وقتلوه وقطعوه قطعا ونزلوا من القصر واغلقوه على المماليك والطائفة من خارج
وركب حسن كاشف جوجه ركوبة حسين بك وكان موعدهم مع حسين بك كشكش عند المجراة فانه لما احضروا له مراكب السفر تلكأ في النزول وكلما ارسل اليه حسين بك يستعجله بالسفر يحتج بسكون الريح او ينزل بالمراكب ويعدي الى البر الآخر ويوهم انه مسافر ثم يرجع ليلا ويتعلل بقضاء اشغاله
واستمر على ذلك الحال ثلاثة ايام حتى تمم اغراضه وشغله مع الجماعة ووعدهم بالامريات
واتفق معهم انه ينتظرهم عند المجراة وهم يركبون مع حسين بك ويقتلونه في الطريق ان لم يتمكنوا من قتله بالقصر
فقدر الله انهم قتلوه وركبوا حتى وصلوا الى حسين بك كشكش فاخبروه بتمام الامر فركب معهم ودخلوا الى مصر وذهب كشكش الى بيت حسين بك بالداودية وملكه بما فيه وارسل باحضار خشداشيه المنفيين
وعندما وصل الخبر الى علي بك الغزاوي ببركة الرطلي ركب في الحال مع القاتلين وطلعوا الى القلعة واخذوا في طريقهم اكابر الوجاقلية ومنهم حسن كتخدا ابو شنب وهو من اغراض حسين بك المقتول وكان مريضا بالآكلة في فمه
فلما دخلوا اليه وطلبوه نزل اليهم من الحريم فاخبروه بقتلهم حسين بك فطلبوه للركوب معهم فاعتذر بالمرض فلم يقبلوا عذره فتطيلس وركب معهم الى القلعة وولوا علي بك كبير البلد عوضا عن حسين بك المقتول وكان قتله في شهر صفر سنة 1171 ثم ان مماليكه وضعوا اعضاءه في خرج وحملوه على هجين ودخلوا به الى المدينة فادخلوه الى بيت الشيخ الشبراوي بالرويعي فغسلوه وكفنوه ودفنوه بالقرافة
وسكن علي بك المذكور بيت حسين بك الصابونجي الذي بالازبكية واحضروا علي بك من النوسات وعثمان بك الجرجاوي من اسيوط وقلدوا خليل كاشف صنجقية واسمعيل ابو مدفع كذلك وقاسم كاشف قلدوه الزعامة ثم قلدوا بعد اشهر حسن كاشف المعروف بجوجه صنجقية ايما وكان ذلك في ولاية علي باشا ابن الحكيم الثانية فكان حال حسين بك المقتول مع قاتليه كما قال الشاعر ... واخوان تخذتهمو دروعا ... فكانوها ولكن للاعادي ... وخلتهمو سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي ...
واما من مات في هذا التاريخ من الاعيان خلاف حسين بك المذكور فالشيخ الامام الفقيه المحدث الاصولي المتكلم الماهر الشاعر الاديب عبد الله بن محمد بن عامر بن شرف الدين الشبراوي الشافعي ولد تقريبا في سنة 1092 وهو من بيت العلم والجلالة فجده عامر بن شرف الدين ترجمه الاميني في الخلاصة ووصفه بالحفظ والذكاء فاول من شملته اجازته سيدي محمد بن عبد الله الخرشي وعمره اذ ذاك نحو ثمان سنوات وذلك في سنة 1100 وتوفي الشيخ الخرشي المالكي في سابع عشرين الحجة سنة 1101 وتولى بعده مشيخة الازهر الشيخ محمد النشرتي المالكي وتوفي في ثامن عشري الحجة سنة 1120 ووقع بعد موته فتنة بالجامع الازهر بسبب المشيخة والتدريس بالاقبغاوية وافترق المجاورون فرقتين تريد الشيخ احمد النفراوي والاخرى تريد الشيخ عبد الباقي القليني ولم يكن حاضرا بمصر فتعصب له جماعة النشرتي وارسلوا يستعجلونه للحضور فقبل حضوره تصدر الشيخ احمد النفراوي وحضر للدتريس بالاقبغاوية فمنعه القاطنون بها وحضر القليني فانضم اليه جماعة النشرتي وتعصبوا له فحضر جماعة النفراوي الى الجامع ليلا ومعهم بنادق واسلحة وضربوا بالبنادق في الجامع واخرجوا جماعة القليني وكسروا باب الاقبغاوية واجلسوا النفراوي مكان النشرتي
فاجتمعت جماعة القليني في يومها بعد العصر وكبسوا الجامع وقفلوا أبوابه وتضاربوا مع جماعة النفراوي فقتلوا منهم نحو العشرة انفار وانجرح بينهم جرحى كثيرة وانتهبت الخزائن وتكسرت القناديل
وحضر الوالي فاخرج القتلى وتفرق المجاورون ولم يبق بالجامع احد
ولم يصل فيه ذلك اليوم وفي ثاني يوم طلع الشيخ احمد النفراوي الى الديوان ومعه حجة الكشف على المقتولين فلم يلتفت الباشا الى دعواه لعلمه بتعديه وامره بلزوم بيته وامر بنفي الشيخ محمد شنن الى بلده الجدية وقبضوا على من كان بصحبته وحبسوهم في العرقانة وكانوا اثنى عشر رجلا
واستقر القليني في المشيخة والتدريس
ولما مات تقلد بعده الشيخ محمد شنن وكان النفراوي قد مات
ولما مات الشيخ شنن تقلد المشيخة الشيخ ابراهيم ابن موسى الفيومي المالكي
ولما مات في سنة سبع وثلاثين انتقلت المشيخة الى الشافعية فتولاها الشيخ عبد الله السبراوي المترجم المذكور في حياة كبار العلماء بعد ان تمكن وحضر الاشياخ كالشيخ خليل بن ابراهيم اللقاني والشهاب الخليفي والشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني والشيخ احمد النفراوي والشيخ منصور المنوفي والشيخ صالح الحنبلي والشيخ محمد المغربي والشيخ عيد النمرسي وسمع الاولية واوائل الكتب من الشيخ عبد الله بن سالم البصري ايام حجه ولم يزل يترقى في الاحوال والاطوار ويفيد ويملي ويدرس حتى صار اعظم الاعاظم ذا جاه ومنزلة عند رجال الدولة والامراء ونفذت كلمته وقبلت شفاعته وصار لاهل العلم في مدته رفعة مقام ومهابة عند الخاص والعام واقبلت عليه الامراء وهادوه بانفس ما عندهم وعمر دارا عظيمة على بركة الازبكية بالقرب من الرويعي وكذلك ولده سيدي عامر عمر دارا تجاه دار أبيه وصرف عليها اموالا جمة
وكان يقتني الظرائف والتحائف من كل شيء والكتب المكلفة النفسية بالخط الحسن وكان راتب مطبخ ولده سيدي عامر في كل يوم من اللحم الضاني راسين من الغنم السمان يذبحان في بيته وكان طلبة العلم في ايام مشيخة الشيخ عبد الله الشبراوي في غاية الادب والاحترام
ومن آثاره كتاب مفائح الالطاف في مدائح الاشراف وشرح الصدر في غزوة بدر الفها باشارة علي باشا ابن الحكيم وذكر في اخرها نبذة من التاريخ وولاة مصر الى وقت صاحب الاشارة
وله ديوان يحتوي على غزليات واشعار ومقاطيع مشهور بايدي الناس وغير ذلك كثير توفي في صبيحة يوم الخميس سادس ذي الحجة ختام سنة 1171 وصلي عليه بالازهر في مشهد حافل عن ثمانين سنة تقريبا
ومات الشيخ الامام الاحق بالتقديم الفقيه المحدث الورع الشيخ حسن ابن علي بن احمد بن عبد الله الشافعي الازهري المنطاوي الشهير بالمدابغي اخذ العلوم عن الشيخ منصور المنوفي وعمر بن عبد السلام التطاوني والشيخ عيد النمرسي والشيخ محمد بن احمد الوزازي ومحمد بن سعيد التنبكتي وغيرهم خدم العلم ودرس بالجامع الازهر وافتى والف واجاد منها حاشيته على شرح الخطيب على ابي شجاع نافعة للطلبة وثلاثة شروح على الآجرومية وشرح الصيغة الاحمدية وشرح الدلائل وشرح على حزب البحر وشرح حزب النووي شرحا لطيفا
واختصر شرح الحزب الكبير للبناني ورسالة في القراءات العشر واخرى في فضائل ليلة القدر واخرى في المولد الشريف وحاشيته على جمع الجوامع المشهورة وحاشيته على شرح الاربعين لابن حجر واختصر سيرة ابن الميت وحاشية التحرير وحاشية علي الاشموني وشرح قصيدة المقري التي اولها سبحان من قسم الحظوظ وحاشية على الشيخ خالد وغير ذلك
ومات العلامة القدوة شمس الدين محمد بن الطيب بن محمد الشرفي الفاسي ولد بفاس سنة 1110 واستجاز له والده من ابي الاسرار حسن ابن علي العجمي من مكة المشرفة وعمره اذ ذاك ثلاث سنوات فدخل في عموم اجازته وتوفي بالمدينة المنورة سنة 1170 وتاريخه مغلق عن ستين عاما رحمه الله تعالى
ومات الشيخ داود بن سليمان بن احمد بن محمد بن عمر بن عامر بن خضر الشرنوبي البرهاني المالكي الخربتاوي ولد سنة 1080 وحضر على كبار اهل العصر كالشيخ محمد الزرقاني والخرشي وطبقتهما وعاش حتى الحق الاحفاد بالاجداد وكان شيخا معمرا مسندا له عناية بالحديث
توفي في جمادى الثانية سنة 1170
ومات الشيخ القطب الصالح العارف الواصل الشيخ محمد بن علي الجزائي القاسمي الشهير بكشك ورد مصر صغيرا وبها نشأ وحج واخذ الطريقة عن سيدي احمد السوسي تلميذ سيدي قاسم وجعله خليفة القاسمية بمصر فلو حظ بالانوار والاسرار ثم دخل المغرب ليزور شيخه فوجده قد مات قبل وصوله بثلاثة ايام واخبره تلامذة الشيخ ان الشيخ اخبر بوصول المترجم واودع له امانة فاخذها ورجع الى مصر وجلس للارشاد واخذ العهود ويقال إنه تولى القبطانية توفي سنة 1170
ومات الشيخ الفاضل العلامة محمد بن احمد الحنفي الازهري الشهير بالصائم تفقه على سيدي علي العقدي والشيخ سليمان المنصوري والسيد محمد ابي السعود وغيرهم وبرع في معرفة فروع المذهب ودرس بالازهر وبمسجد الحنفي ومسجد محرم في انواع الفنون ولازم الشيخ العقيقي كثيرا ثم اجتمع بالشيخ احمد العريان وتجرد للذكر والسلوك وترك علائق الدنيا ولبس زي الفقراء ثم باع ما ملكت يداه وتوجه الى السويس فركب في سفينة فانكسرت فخرج مجردا يساتر العورة
ومال الى بعض خباء الاعراب فاكرمته امرأة منهم وجلس عندها مدة يخدمها ثم وصل الى الينبع على هيئة رثة واوى الى جامعها
واتفق له انه صعد ليلة من الليالي على المنارة وسبح على طريقة المصريين فسمعه الوزير اذ كان منزله قريبا من هناك فلما اصبح طلبه وسأله فلم يظهر حاله سوى انه من الفقراء فانعم عليه ببعض ملابس وامره ان يحضر الى داره كل يوم للطعام ومضت على ذلك برهة الى ان اتفق موت بعض مشايخ العربان وتشاجر اولاده بسبب قسمة التركة فاتوا الى الينبع يستفتون فلم يكن هناك من يفك المشكل فراى الوزير ان يكتب السؤال ويرسله مع الهجان باجرة معينة الى مكة يستفتي العلماء فاستقل الهجان الاجرة ونكص عن السفر ووقع التشاجر في دفع الزيادة للهجان وامتنع اكثرهم ووقعوا في الحيرة
فلما راى المترجم ذلك طلب الدواة والقلم وذهب الى خلوة له بالمسجد فكتب الجواب مفصلا بنصوص المذهب وختم عليها وناوله للوزير فلما قرأ تعجب واكرمه الوزير واجله ورفع منزلته وعين له من المال والكسوة وصار يقرأ دروس الفقه والحديث هناك حتى اشتهر امره واقبلت عليه الدنيا
فلما امتلأ كيسه وانجلى بؤسه وقرب ورود الركب المصري رأى الوزير تفلته من يده فقيد عليه ثم لما لم يجد بدا عاهده على انه يحج ويعود اليه فوصل مع الركب الى مكة واكرم وعاد الى مصر ولم يزل على حالة مستقيمة حتى توفي عن فالج فيه جلس فيه شهورا في سنة 1170 وهو منسوب الى سفط الصائم احدى قرى مصر من اعمال الفشن بالصعيد الادنى ولم يخلف في فضائله مثله رحمه الله
ومات الامام الاديب الماهر المتفنن اعجوبة الزمان علي بن تاج الدين محمد ابن عبد المحسن بن محمد بن سالم القلعي الحنفي المكي ولد بمكة وتربى في حجر ابيه في غاية العز والسيادة والسعادة وقرأ عليه وعلى غيره من فضلاء مكة واخذ عن الورادين اليها ومال الى فن الادب وغاص في بحره فاستخرج منه اللآلىء والجواهر وطارح الادباء في المحاضر فبان فضله وبهر برهانه ورحل الى الشام في سنة 1142 واجتمع بالشيخ عبد الغني النابلسي فاخذ عنه وتوجه الى الروم وعاد الى مكة وقدم الى مصر سنة ستين ثم غاب عنها نحو عشر سنين ثم ورد عليها وحينئذ كمل شرحه على بديعيته وعلى بديعيتين لشيخه الشيخ عبد الغني وغيره ممن تقدم وهي عشر بديعيات وشرحه على بديعيته ثلاث مجلدات قرظ عليه غالب فضلاء مصر كالشبراوي والادكاوي والمرحومي ومن اهل الحجاز الشيخ ابراهيم المنوفي وكان للمترجم بالوزير المرحوم علي باشا ابن الحكيم التئام زائد لكونه له قوة يد ومعرفة في علم الرمل وكان في اول اجتماعه به في الروم اخبره بامور فوقعت كما ذكر فازداد عنده مهابة وقبولا
ولما تولى المذكور ثاني توليته وهي سنة سبعين قدم اليه من مكة من طريق البحر فاغدق عليه ما لا يوصف ونزل في منزل بالقرب من جامع ازبك بخط الصليبة وصار يركب في موكب حافل تقليدا للوزير
ورتب في بيته كتخدا وخازندار والمصرف والحاجب على عادة الامراء وكان فيه الكرم المفرط والحياء والمروءة وسعة الصدر في اجازة الوافدين مالا وشعرا
ومدحه شعراء عصره بمدائح جليلة منهم الشيخ عبد الله الادكاوي له فيه عدة قصائد وجوزي بجوائز سنية
ولما عزل مخدومه توجه معه الى الروم فلما ولى الختام ثانيا زاد المترجم عنده ابهة حتى صار في سدة السلطنة احد الاعيان المشار اليهم واتخذ دارا واسعة فيها اربعون قصرا ووضع في كل قصر جارية بلوازمها
ولما عزل الوزير ونفي الى احدى مدن الروم سلب المترجم جميع ما كان بيده ونفي الى الاسكندرية
فمكث هناك حتى مات في سنة 1172 شهيدا غريبا ولم يخلف بعده مثله
وله ديوان شعر ورسائل منها تكميل الفضل بعلم الرمل ومتن البديعية سماه الفرج في مدح عالي الدرج اقترح فيها بانواع منها وسع الاطلاع والتطريز والرث والاعتراف والعود والتعجيب والترهيب والتعريض وامثلة ذلك كله موضحة في شرحه على البديعية
ولما تغيرت دولة مخدومه وتغير وجه الزمان عاد روض انسه ذابل الافنان ذا احزان واشجان لم يطب له المكان ودخل اسم عزه في خبر كان وتوفي في نحو هذا التاريخ
ومات العمدة الاجل النبيه الفصيح المفوه الشيخ يوسف بن عبد الوهاب الدلجي وهو اخو الشيخ محمد الدلجي كلاهما ابنا خال المرحوم الوالد وكان انسانا حسنا ذا ثروة وحسن عشرة وكان من جملة جلساء الامير عثمان بك ذي الفقار ولديه فضيلة ومناسبات ويحفظ كثيرا من النوادر والشواهد وكان منزله المشرف على النيل ببولاق مأوى اللطفاء والظرفاء ويقتني السراري والجواري توفي سنة 1171 عن ولديه حسين وقاسم وابنة اسمها فاطمة موجودة في الاحياء الى الان
ومات الشيخ النبيه الصالح علي بن خضر بن احمد العمروسي المالكي اخذ عن السيد محمد السلموني والشهاب النفراوي والشيخ محمد الزرقاني ودرس بالجامع الازهر وانتفع به الطلبة واختصر المختصر الخليلي في نحو الرابع ثم شرحه وكان انسانا حسنا منجمعا عن الناس مقبلا على شأنه توفي سنة 1173
ومات الاستاذ المبجل ذو المناقب الحميدة السيد شمس الدين محمد ابو الاشراق بن وفي وهو ابن اخي الشيخ عبد الخالق ولما توفي عمه في سنة 1161 خلفه في المشيخة والتكلم وكان ذا ابهة ووقار محتشما سليم الصدر كريم النفس بشوشا
توفي سادس جمادى الاولى سنة 1171 وصلي عليه بالازهر وحمل الى الزاوية فدفن عند عمه وقام بعده في الخلافة الاستاذ مجد الدين محمد ابو هادي ابن وفي رضي الله عنهم اجمعين
ومات الامام العلامة الفريد الفقيه الفرضي الحيسوبي الشيخ حسين المحلي الشافعي كان وححيد دهرة وفريد عصره فقها واصولا ومعقولا جيد الاستحضار والحفظ للفروع الفقيه
واما في علم الحساب الهوائي والغباري والفرائض وشباك ابن الهائم والجبر والمقابلة والمساحة وحل الاعداد فكان بحرا لا تشبهه البحار ولا يدرك له قرار وله في ذلك عدة تآليف ومنها شرح السخاوية وشرح النزهة والقلصاوي وكان يكتب تآليفه بخطه ويبيعها لمن يرغب فيها ويأخذ من الطالبين اجرة على تعليمهم فاذا جاء من يريد التعلم وطلب ان يقرأ عليه الكتاب الفلاني تعزز عليه وتمنع ويساومه على ذلك بعد جهد عظيم وكان له حانوت بجوار باب الازهر يتكسب فيه ببيع المناكيب لمعرفة الاوقات والكتب وتسفيرها
والف كتابا حافلا في الفروع الفقيهة على مذهب الامام الشافعي وهو كتاب ضخم في مجلدين معتبر مشهور معتمد الاقوال في الافتاء وله غير ذلك كثير
وبالجملة فكان طودا راسخا تلقى عنه كثير من اشياخ العصر ومنهم شيخنا الشيخ محمد الشافعي الجناحي المالكي وغيره
توفي سنة 1170
ومات الشيخ الامام المعمر القطب احد مشايخ الطريق صاحب الكرامات الظاهرة والانوار الساطعة الباهرة عبد الوهاب بن عبد السلام بن احمد ابن حجازي بن عبد القادر بن ابي العباس بن مدين بن ابي العباس بن عبد القادر بن ابي العباس بن شعيب بن محمد بن القطب سيدي عمر الرزوقي العفيفي المالكي البرهاني يتصل نسبة الى القطب الكبير سيدي مرزوق الكفافي المشهور ولد المترجم بمنية عفيف احدى قرى مصر ونشأ بها على صلاح وعفة ولما ترعرع قدم الى مصر فحضر على شيخ المالكية في عصره الشيخ سالم النفراوي اياما في مختصر الشيخ خليل واقبل على العبادة وقطن بالقاعة بالقرب من الازهر بجوار مدرسة السنانية وحج فلقي بمكة الشيخ ادريس اليماني فأجازه وعاد الى مصر وحضر دروس الحديث على الامام المحدث الشيخ احمد بن مصطفى الاسكندري الشهير بالصباغ ولازمه كثيرا حتى عرف به
واجازه مولاي احمد التهامي حين ورد الى مصر بطريقة الاقطاب والاحزاب الشاذلية والسيد مصطفى البكري بالخلوتية
ولما توفي شيخه الصباغ لازم السيد محمد البليدي في دروسه من ذلك تفسير البيضاوي بتمامه
وروى عنه جملة من افاضل عصره كالشيخ محمد الصبان والسيد محمد مرتضى والشيخ محمد بن اسمعيل النفراوي وسمعوا عليه صحيح مسلم بالاشرفية وكان كثيرا لزيارة لمشاهد الاولياء متواضعا لا يرى لنفسه مقاما متحرزا في مأكله وملبسه لا ياكل الا ما يؤتى اليه من زرعه من بلده من العيش اليابس مع الدقة وكانت الامراء تأتي لزيارته ويشمئز منهم ويفر منهم في بعض الاحيان
وكل من دخل عنده يقدم له ما تيسر من الزاد من خبزه الذي كان يأكل منه
وانتفع به المريدون وكثروا في البلاد ونجبوا ولم يزل يترقى في مدارج الوصول الى الحق حتى تعلل اياما بمنزله الذي بقصر الشوك
وتوفي في ثاني عشر صفر سنة 1172 ودفن سيدي عبد الله المنوفي ونزل سيل عظيم وذلك في سنة 1178 فهدم القبور وعامت الاموات فانهدم قبره وامتلأ بالماء فاجتمع اولاده ومريدوه وبنوا له قبرا في العلوة على يمين تربة الشيخ المنوفي ونقلوه اليه قريبا من عمارة السلطان قايتباي وبنوا على قبره قبة معقودة وعملوا له مقصورة ومقاما من داخلها وعليه عمامة كبيرة وصيروه مزارا عظيما يقصد للزيارة ويختلط به الرجال والنساء
ثم أنشأوا بجانبه قصرا عاليا عمره محمد كتخدا اباظة وسوروا له رحبة متسعة مثل الحوش لموقف الدواب من الخيل والحمير دثروا بها قبورا كثيرة بها كثير من اكابر الاولياء والعلماء والمحدثين وغيرهم من المسلمين والمسلمات
ثم انهم ابتدعوا له موسما وعيدا في كل سنة يدعون اليه الناس من البلاد القبلية والبحرية فينصبون خياما كثيرة وصواوين ومطابخ وقهاوي ويجتمع العالم الاكبر من اخلاط الناس وخواصهم وعوامهم وفلاحي الارياف وارباب الملاهي والملاعب والغوازي والبغايا والقزادين والحواة فيملأون الصحراء والبستان فيطأون القبور ويوقدون عليها النيران ويصبون عليها القاذورات ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلا ونهارا ويستمر ذلك نحو عشرة ايام او اكثر ويجتمع لذلك ايضا الفقهاء والعلماء وينصبون لهم خياما ايضا ويقتدي بهم الاكابر من الامراء والتجار والعامة من غير انكار بل ويعتقدون ان ذلك قربة وعبادة
ولو لم يكن كذلك لانكره العلماء فضلا عن كونهم بفعلونه فالله يتولى هدانا اجمعين
ومات الشيخ الاجل المعظم سيدي محمد بكري احمد بن عبدالمنعم ابن محمد بن ابي السرور محمد بن القطب ابي المكارم محمد ابيض الوجه ابن ابي الحسن محمد بن الجلال عبد الرحمن بن احمد بن محمد بن احمد ابن محمد بن عوض بن محمد بن عبد الخالق بن عبد المنعم بن يحيى بن الحسن بن موسى بن يحيى بن يعقوب بن نجم بن عيسى بن شعبان ابن عيسى بن داود بن محمد بن نوح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن ابي بكر الصديق وكان يقال له سيدي ابو بكر البكري شيخ السجادة بمصر ولاه ابوه الخلافة في حياته لما تفرس فيه النجابة مع وجود اخوته الذين هم اعمامه وهم ابو المواهب وعبد الخالق ومحمد بن عبد المنعم
فسار في المشيخة احسن سير وكان شيخا مهيبا ذا كلمة نافذة وحشمة زائدة تسعى اليه الوزراء والاعيان والامراء
وكان الشيخ عبد الله الشبراوي يأتيه في كل يوم قبل الشروق يجلس معه مقدار ساعة زمانية ثم يركب ويذهب الى الازهر
ولما مات خلفه ولده الشيخ سيد احمد وكان المترجم متزوجا بنت الشيخ الحنفي فاولدها سيدي خليلا وهو الموجود الآن تركه صغيرا فتربى في كفالة ابن عمه السيد محمد افندي ابن علي افندي الذي انحصرت فيه المشيخة بعد وفاة ابن عمه الشيخ سيد احمد مضافة الى نقابة السادة الاشراف كما يأتي ذكر ذلك ان شاء الله
وكانت وفاة المترجم في اواخر شهر صفر سنة 1171
ومات ايضا في هذه السنة السلطان عثمان خان العثماني
وتولى السلطان مصطفى بن احمد خان وعزل علي باشا ابن الحكيم وحضر الى مصر محمد سعيد باشا في اواخر رجب سنة 1171 واستمر في ولاية مصر الى سنة 1173
وفي تلك السنة نزل مطر كثير سالت منه السيول
ومات افضل النبلاء وانبل الفضلاء بلبل دوحة الفصاحة وغريدها من انحازت له بدائعها طريفها وتليدها الماجد الاكرم مصطفى اسعد اللقيمي الدمياطي وهو احد الاخوة الاربعة وهم عمر ومحمد وعثمان والمترجم اولاد المرحوم احمد بن محمد بن احمد بن صلاح الدين اللقيمي الدمياطي الشافعي سبط العنبوسي وكلهم شعراء بلغاء توفي في سنة 1173
ومات اديب الزمان وشاعر العصر والاوان العلامة الفاضل شمس الدين الشيخ محمد سعيد بن محمد الحنفي الدمشقي الشهير بالسمان ورد الى مصر في سنة 1144 فطارح الادباء وزاحم بمناكبه الفضلاء ثم عاد الى وطنه وورد الى مصر ايضا في سنة 1172 وكان ذا حافظة وبراعة وحسن عشرة وصار بينه وبين الشيخ عبد الله الادكاوي محاضرات ومطارحات وذكره في مجموعته واثنى عليه واورد له من شعره كثيرا ثم توجه الى الشام وقد وافاه الحمام ودفن بالصالحية سنة ثلاث وسبعين ومائة والف

● [ لهذا الجزء بقية فتابعها ] ●


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 25 يونيو 2018 - 6:41