ذكر من مات من العلماء والاعاظم وتراجمهم [4]

شاطر

الرسالة
Admin

عدد المساهمات : 3075
تاريخ التسجيل : 01/01/2014

ذكر من مات من العلماء والاعاظم وتراجمهم [4]

مُساهمة من طرف الرسالة في الثلاثاء 20 فبراير 2018 - 3:53


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ تابع ذكر من مات من العلماء والاعاظم }
في هذه السنين وتراجمهم

ومات الامير احمد بك المسلماني ويعرف ايضا باسكي نازي وكان اصله كاتب جراكسة وكان يسمى باحمد افندي ثم عمل باش اختيار جراكسة وحصل له عز عظيم وثروة وكثرة مال وكان أغنى الناس في زمانه وكان بينه وبين اسمعيل بك بن ايواظ وحشة وكان بن ايواظ يكرهه ويريد قتله فالتجأ الى محمد بك جركس
فلما هرب جركس في المرة الاولى اختفى احمد افندي المترجم وبيعت بلاده ومتاعه فلما ظهر جركس ثانيا ظهر احمد افندي وعمل صنجقيا سنة 1133 وصار صنجقيا فقيرا ثم ورد مرسوم بان يتوجه المترجم الى مكة لاجراء الصلح بين الاشراف فتوجه ومكث هناك سنة ثم رجع الى مصر ومكث بها مدة الى 1136 فأرسلوه الى ولاية جرجا ليشهل غلال المبري وكان ذلك حيلة عليه
فلما توجه الى جرجا أرسل محمد باشا فرمانا الى سليمان كاشف خفية بقتله فذهب سليمان كاشف ليسلم عليه فغمز عليه بعض أتباعه فضربوه وقتلوه عند العرمة وقطعوا رأسه في حادي عشرى شهر القعدة سنة 1136
ومات الامير علي كتخدا المعروف بالداودية مستحفظان وكان من اعيان باب الينكجرية وأصحاب الكلمة مع مشاركة مصطفى كتخدا الشريف وكان من الاعيان المعدودين بمصر ولم يزل نافذ الكلمة وافر الحرمة الى أن مات على فراشه في جمادى الاخرة سنة 1133
ومات الامير ابراهيم افندي كاتب كبير الشهير بشهر اوغلان مستحفظان وكان ايضا من الاعيان المشهورين ببابهم مع مشاركة عثمان كتخدا الجرجي تابع شاهين جربجي وانفرد معه بالكلمة بعد مصطفى كتخدا الشريف ورجب كتخدا بشناق لما خرجهما اسمعيل بك بن ايواظ الى الكشيدة كما تقدم الاشارة الى ذلك
فلما قتل اسمعيل بك رجع مصطفى كتخدا الشريف ورجب كتخدا ثانيا الى الباب وانحطت كلمة المترجم وعثمان كتخدا ثم عزل ابراهيم افندي المذكور الى دمياط وأهين ومكث هناك اشهر ثم حضروه وجعلوه سردار جداوي وتوجه مع الحج ومات هناك في سنة 1137
ومات النبيه الفطن الذكي حسن افندي الروزنامجي الدمرداشي وكان باش قلفه الروزنامجه فلما حضر اسمعيل باشا واليا على مصر في سنة ست ومائة والف وكانت سنة تداخل فتكلم الباشا مع ابراهيم بك أبي شنب في كسر الخزينة وعرض عليه المرسوم السلطاني بتعويض كسر الخزينة من اشغال العشرين الف عثماني التي كانت عليهم وكان له ميل للعلوم والمعارف وخصوصا الرياضيات والفلكليات ويوسف الكلارجي الفلكي الماهر هو تابع المذكور ومملوكه
وقرأ على رضوان افندي صاحب الازياج والمعارف وكان كثير العناية برضوان افندي المذكور ورسم باسمه عدة آلات وكرات من نحاس مطلية بالذهب واحضر المتفنين من ارباب الصنائع صنعوا له ما اراد بمباشرة وارشاد رضوان افندي وصرف على ذلك اموالا عظيمة وباقي اثر ذلك الى اليوم بمصر وغيرها ونقش عليها اسمه واسم رضوان افندي وذلك سنة 1113 وقبل ذلك وبعدها ولم يزل في سيادته حتى توفي
ومات الامير مصطفى بك القزلار المعروف بالخطاط تابع يوسف أغا القزلاردار السعادة تولى الامارة الصنجقية في سنة 1094 وتقلد قائمقامية بعد عزل اسمعيل باشا وذلك سنة 1109 قهرا عنه وتقلد مناصب عديدة مثل كشوفية جرجا وغيرها ثم تقلد الدفتردارية سنة ثلاث وثلاثين فكان بين لبسه الدفتردارية والقائمقامية اربع وعشرون سنة وبعد عزله من الدفتردارية مكث في منزله صنجقيا بطالا الى ان توفي سنة 1142
ومات الامير المعظم والملاذ المفخم الامير اسمعيل بك بن الامير الكبير ايواظ بك القاسمي من بيت العز والسيادة والامارة نشأ في حجر والده في صيانة ورفاهية وكان جميل الذات والصفات وتقلد الامارة الصنجقية بعد موت والده الشهيد في الفتنة الكبيرة كما تقدم وكان لها اهلا ومحلا وكان عمره اذ ذاك ست عشرة سنة وقد دب عذاره وسمته النساء قشطة بك
فانه لما اصيب والده في المعركة بالرملة تجاه الروضة وقتل في ذلك اليوم من الغز والاجناد خاصة نحو السبعمائة ودفن والده فلما اصبحوا ركب يوسف الجزار تابع ايواظ بك واحمد كاشف واخذوا معهم المترجم وذهبوا الى بيت قانصوه بك قائمقام فوجدوا عنده ابراهيم بك ابا شنب واحمد بك تابعه وقيطاس بك الفقاري وعثمان بك بارم ذيله ومحمد بك قطامش وهم جلوس وعليهم الكآبة والحزن وصاروا مثل الغنم بلا راع متحيرين في امرهم وما يؤول اليه حالهم فلما استقر بهم الجلوس نظر يوسف الجزار الى قيطاس بك فرآه يبكي فقال له لاي شيء تبكي هذه القضية ليس لنا فيها ذنب ولا علاقة واصل الدعوى فيكم معشر الفقارية والآن انحرجنا وقتل منا واحد وخلف مالا ورجالا قلدوني الصنجقية وامير الحاج وسر عسكر وكذلك قلدوا ابن سيدي هذا صنجقية والده فيكون عوضا عنه ويفتح بيته واعطونا فرمانا وحجة من الذي جعلتموه نائب شرع بالمعافاة من الحلوان ونحن نصرف الحلوان على المقاتلين والله يعطي النصر لمن يشاء
ففعلوا ذلك ورجع يوسف بك وصحبته اسمعيل بك ومن معهم الى بيت المرحوم ايواظ بك وقضوا اشغالهم ورتبوا امورهم وركبوا في صبحها الى باب العزب واخذوا معهم الاموال فانفقوا في الست بلكات وغيرهم من المقاتلين ونظموا احوالهم في الثلاثة ايام الهدنة التي كانوا اتفقوا على رفع الحرب فيها بعد موت ايواظ بك
وكان الفاعل لذلك ايوب بك وقصده حتى يرتب اموره في الثلاثة ايام ثم يركب على بيت قانصوه بك ويهجم على من فيه ولو فعل ذلك في اليوم الذي قتل فيه ايواظ بك لتم لهم الامر ولكن ليقضي الله امرا كان مفعولا
ولم يرد الله لهم بذلك وأخذوا في الجد والاجتهاد وبرزوا للحرب في داخل المدينة وخارجها وعملوا المكايد ونصبوا شباك المصايد وأنفقوا الاموال ونقبوا النقوب حتى نصرهم الله على الفرقة الاخرى وهم أيوب بك ومحمد بك الصعيدي وافرنج احمد وباب الينكجرية ومن تبعهم وقتل من قتل وفر من فر ونهبت دورهم وشردوا في البلاد وتشتتوا في البلاد البعيدة كما ذكر غير مرة واستقر الحال وسافر أميرا بالحج في تلك السنة يوسف بك الجزار واستقر المترجم بمصر وافر الحرمة محتشم المكانة مشاركا لابراهيم بك ابي شنب وقيطاس بك في الامر والرأي وفي نفس قيطاس بك ما فيها من حقد العصبية فصار يناكدهما سرا وسلط حبيب وابنه سالم على خيول اسمعيل بك فجم اذنابها ومعارفها كما ذكر ثم نصب لهما ولمن والاهما شباكا ومكايد ولم يظفره الله بهما ولم يزل على ذلك وهما يتغافلان ويغضيان عن مساويه الخفية الى ان حضر عابدي باشا وارسل قلد يوسف بك الجزار قائمقام وخلع يوسف بك على ابن سيده اسمعيل بك وجعله امين السماط
ولما وصل الباشا الى العادلية وقدمت له الامراء التقادم وقدم له اسمعيل بك المترجم تقدمة عظيمة وتقيد بخدمة السماط أحبه عابدي باشا ومال بكليته اليه ثم انه اختلى معه ومع يوسف بك وسألهما عن سبب موت والده فأخبراه ان مصر من قديم الزمان فرقتان وعرفاه الحال وان قيطامس بك وايوب بك بيت واحد ووقعت بينهما خصومة وأيوب بك أكثر عزوة وجندا فوقع قيطامس بك على ايواظ بك والتجأ اليه فقام بنصرته وفاداه وأنفق بسببه اموالا وتجندلت من رجاله أبطال الى أن مات وقتل وبلغ قيطاس بك بنا ما بلغ فلم يراع معنا جميلا وفي كل وقت ينصب لنا الحبائل ويحفر فينا الغوائل ونحن بالله نستعين فقال الباشا يكون خيرا
وأضمر لقيطاس بك السوء ولم يزل حتى قتله كما ذكر بقراميدان وورد أمر بتقليد المترجم على الحج اميرا وتقليد ابراهيم بك الدفتردارية وألبسهما عابدي باشا الخلع وتسلم أدوات الحج والجمال وأرسل غلال الحرمين وبعث القومانية والغلال الى البنادر وأرسل أناسا وعينهم لحفر الآبار المردومة وتنقية الاحجار من طريق الحجاج وضم اليه جماعة من الفقارية مثل حسين بك ابي يدك وذي الفقار معتوق عمر أغا بلغيه واصلان وقبلان وأمثالهم واخذوا يحفرون للمترجم وينصبون له الغوائل واتفقوا على غدره وخيانته ووقف له طائفة منهم بطريق الرميلة وهو طالع الى الديوان فرموا عليهم الرصاص فلم يصب منهم سوى رجل قواس ورمح اسمعيل بك وأمراؤه الى باب القلعة ونزل بباب العزب وكتب عرضحال وأرسله الى علي باشا صحبة يوسف بك الجزار مضمونه الشكوى من محمد بك جركس وانه جامع عنده المفاسيد ويريدون اثارة الفتن في البلد
فكتب الباشا فرمانات الى الوجاقات باحضار محمد بك جركس وان أبي فحاربوه وركب جركس بالمنضمين اليه وهم قاسمية وفقارية وذلك بعد ابائه وعصيانه فصادف المتوجهين اليه فحاربهم بالرميلة وآل الامر الى انهزامه وتفرق من حوله ولم يتكمن من الوصول الى داره وخرج هاربا من مصر وقبض عليه العربان وأحضروه الى اسمعيل بك أسيرا عريانا في أسوأ حال فكساه واكرمه والبسه فروة سمور واشار عليه احمد كتخدا امين البحرين وعلي كتخدا الجلفي بقتله فلم يوافقهما على ذلك
وقال انه دخل الى بيتي وحل في ذمامي فلا يصح ان اقتله ثم نفاه الى قبرص
ولما سافر محمد بك بن ابي شنب الى اسلامبول بالخزينة في تلك السنة وصى قاسم بك بالارسال الى جركس واحضاره الى مصر ففعل وحضر الى مصر سرا واختفى عنده ولما وصل محمد بك بالخزينة واجتمع بالوزير الاعظم دس اليه كلاما في حق المترجم وقال له ان أهملتم أمره استولى على الممالك المصرية وطرد الولاة ومنع الخزينة فان الامراء والدفتردارية وكبار الامراء والوجاقات صاروا كلهم أتباعه ومساليكه ومماليك ابيه والذي ليس كذلك فهم صنائعه وعلي باشا المتولى لا يخرج عن مراده في كل ما يأمر به
وأخرج من مصر وأقصى كل ناصح في خدمة الدولة مثل محمد بك جركس ومن يلوذ به وعمل للوزير أربعة آلاف كيس على ازالة اسمعيل بك والباشا وتولية خلافة ويكون صاحب شهامة وتدبير وكان ذلك في دولة السلطان احمد فأجابوه الى ذلك وعينوا رجب باشا امير الحاج الشامي ورسموا له رسوما باملاء محمد بك أبي شنب ملخصها قتل الباشا واسمعيل بك وعشيرته ما عدا علي بك الهندي
ولما حضر رجب باشا الى مصر وقد كان قاسم بك احضر محمد جركس واخفاه وكان اسمعيل بك بن ايواظ طالعا بالحج سنة 1131 فاليوم الذي وصل فيه رجب باشا الى العريش ووصل المسلم الى مصر كان خروج اسمعيل بك بالحج من مصر وارسل رجب باشا مرسوما الى احمد بك الاعسر وجعله قائمقام وامره بانزال علي باشا الى قصر يوسف والاحتفاظ به ففعلوا ذلك ووصل رجب باشا فأحضر علي باشا وخازنداره وكاتب خزينته والروزنامجي وامرهم بعمل حسابه ثم امر بقتله فقتلوه ظلما وسلخوا رأسه وأرسلها الى الروم وضبط مخلفاته ودبر معه أمر بن ايواظ
وأما ما كان من امر الباشا وجركس ومن بمصرفانه فانه لما سافر يوسف بك الجزار ومن معه على الرسم المتقدم عملوا شغلهم وقتلوا اسمعيل بك الدفتردار واسمعيل اغا كتخدا الجاويشية وظهر محمد بك جركس ونزل من القلعة الى بيته وهو راكب ركوبة الدفتردار واستقر الباشا أحمد بك الاعسر دفتردار
ولما وصل المتوجهون الى سطح العقبة نزل يوسف بك الجزار وترك محمد بك بن ايواظ واسمعيل بك جرجا في السطح فلما دخل على الصنجق وسلم عليه اشتغل خاطره وقال له لاي شيء جئت فقال أنا لست وحدي بل صحبتي اخوك محمد بك واسمعيل بك جرجا وعبد الرحمن أغا ولجه
فقال لا اله الا الله كيف انكم تتركون البلد وتأتون اما تعلموا ان لنا أعداء والعثمانية ليس لهم امان ولا صاحب ويصيدون الارنب بالعجلة فأعدوا العدة وسافروا الى مصر وبعد ايام وصل مرسوم بالامان والرضا لاسمعيل بك وجماعته وولوا على مصر محمد باشا من حيث أتى بعدما دفع المائة وعشرين كيسا التي اخذها من دار الضرب وصرفها على تجريدة اجرود ولم يزل محمد بك جركس ومحمد بك بن سيده ومن يلوذ بهم مصرين على حقدهم وعداوتهم للمترجم وهو يتغافل عنهم ويغضي عن مساويهم ويسامح زلاتهم حتى غدروا به وقتلوه بالقلعة على حين غفلة وذلك انه لم يزل ذو الفقار تابع عمر اغا يطالب بفائظ حصته في قمن العروس ويكلم جركس يشفع له عند اسمعيل بك فيقول له اطرد الصيفي من عندك وأرسل الي بعد ذلك ذا الفقار ويأخذ الذي يطلع له عندي الى ان ضاق خناق ذي الفقار من الفشل والاعدام فطلع الى كتخدا الباشا وشكا اليه حاله فقال له وما الذي تريد نفعله قال اريد ان اقتل ابن ايواظ عندما يأتي الى هنا واعطوني صنجقية وعشرين كيسا فائظ من بلاده وكشوفية المنوفية فدخل الكتخدا واخبر مخدومه بذلك فأجابه الى مطلوبه على شرط ان لا يدخلنا في دمه
فنزل ذو الفقار واخبر جركس بما حصل وطلب ان يكون ذلك بحضوره هو وابراهيم بك فارسكور فأجابه الى ذلك ولما اجتمعوا في ثاني يوم عند كتخدا الباشا دخل ذو الفقار وقدم له عرضحال الى اسمعيل بك فاخذه وشرع يقرأ فيه واذا بذي الفقار سحب الخنجر وضرب الصنجق به في مدوده وكان معه قاسم بك الصغير واصلان وقبلان وخلافهم مستعدين لذلك فعندما رأوه ضرب اسمعيل بك سحبوا سيوفهم وضربوا ايضا اسمعيل بك جرجا فقتلوه فهرب صاري علي وكتخدا الجاويشية مشاة الى باب الينكجرية وقطعوا راس الاميرين وشالوا جثثهما الى بيوتهما فغسلوهما وكفنوهما ودفنوهما بمدفن ابي الشوارب الذي بطريق الازبكية عند غيظ الطواشي وذلك في سنة 1136
ثم ارسلوا رأسيهما مسلوخين فدفنوهما ايضا وانقضت دولة اسمعيل بك ابن ايواظ وكانت ايامه سعيدة وافعاله حميدة والاقليم في امن وامان من قطاع الطريق واولاد الحرام وله وقائع مع حبيب واولاده يطول شرحها وسيأتي استطراد بعضها في ترجمة سويلم وكان صاحب عقل وتدبير وسياسة في الاحكام وفطانة ورياسة وفراسة في الامور وله عدة عمائر ومآثر منها انه جدد سقف الجامع الازهر وكان قد آل الى السقوط وانشأ مسجد سيدي ابراهيم الدسوقي بدسوق وكذلك انشأ مسجد سيدي علي المليجي على الصفة التي هما عليها الآن
ولما تمم بناء المسجد المليجي سافر اليه ليراه وذلك في منتصف شهر شعبان سنة 1135
ومن افاعيله الجميلة كان يرسل غلال الحرمين في اوانها ويرسل القومانية الى البنادر ويجعل في بندر السويس والمويلح والينبع غلال سنة قابلة في الشون تشحن السفائن وتسافر في اوانها ويرسل خلافها على هذا النسق
ولما بلغ خبر موته لاهل الحرمين حزنوا عليه وصلوا عليه صلاة الغيبة عند الكعبة وكذلك اهل المدينة صلوا عليه بين المنبر والمقام ومات وله من العمر ثمان وعشرون سنة وطلع امير بالحج ست مرات آخرها سنة ثلاث وثلاثين
وكان منزله هو بيت يوسف بك بدرب الجماميز المجاور لجامع بشناك المطل على بركة الفيل وقد عمره وزخرفه بانواع الرخام الملون وصرف عليه اموالا عظيمة وقد خرب وصار حيشانا ومساكن للفقراء وطريقا يسلك منها المارة الى البركة ويسمونها الخرابة ولما مات لم يخلف سوى ابنة صغيرة ماتت بعده بمدة يسيرة وحملين في سريتين ولدت احداهن ولدا وسموه ايواظ عاش نحو سبعة اشهر ومات وولدت الاخرى بنتا ماتت في فصل كو دون البلوغ فسبحان الحي الذي لا يموت
ومات الامير اسمعيل بك جرجا وكان اصله خازندار ايواظ بك الكبير وامره اسمعيل بك وقلده صنجقا ومنصب جرجا فلذلك لقب بذلك ولم يزل حتى قتل مع ابن سيده في ساعة واحدة ودفن معه في مدفن رضوان بك ابي الشوارب
ومات كل من الامير عبد الله بك والامير محمد بك بن ايواظ والامير ابراهيم بك تابع الجزار قتل الثلاثة المذكورون في ليلة واحدة وذلك انه لما قتل الامير اسمعيل بك بن ايواظ بالقلعة بيد ذي الفقار بممالأة محمد بك جركس في الباطن وعبد الله بك لم يكن حاضرا انضمت طوائف الامراء المقتولين ومماليكهم الى عبد الله بك لكونه زوج اخت المرحوم اسمعيل بك ومن خاصة مماليك ايواظ بك الكبير
وكان كتخداه في حياته وقلده اسمعيل بك الامارة والصنجقية وطلع اميرا بالحج في السنة الماضية التي هي سنة خمس وثلاثين ورجع سنة ست وثلاثين
فلما وقع ذلك انضموا اليه لكونه أرأس الموجودين واعقلهم واقبلت عليه الناس يعزونه في ابن سيده اسمعيل بك وازدحم بيته بالناس وتحقق المبغضون انه ان استمر موجودا ظهر شأنه وانتقم منهم فاعملوا الحيلة في قتله وقتل امرائهم
وطلع في ثاني يوم ذو الفقار قاتل المرحوم اسمعيل بك الى القلعة فخلع عليه الباشا وقلده الامرية والصنجقية وكاشف اقليم المنوفية
ونزل الى بيت جركس ومعه تذكرة من كتخدا الباشا مضمونها انه يجمع عنده عبد الله بك ومحمد بك ابن ايواظ وابراهيم بك الجزار ويعمل الحيلة في قتلهم
فكتب جركس تذكرة الى عبد الله بك وارسلها صحبة كتخداه بطلبه للحضور عنده ليعمل معه تدبيرا في قتل قاتل المرحومين فلما حضر كتخدا جركس الى بيت عبد الله بك بالتذكرة وجد البيت مملؤا بالناس والعساكر والاختيارية والجربجية وواجب رعاياه وعنده علي كتخدا الجلفي عزبان وحسن كتخدا حبانية تابع يوسف كتخدا تابع محمد كتخدا البيوقلي وغيرهم نفر وطوائف كثيرة فأعطاه التذكرة فقرأها ثم قال لعلي بك الهندي خذ محمد بك وابراهيم بك واذهبوا الى بيت محمد بك جركس وانظروا كلامه وارجعوا فاخبروني بما يقول فركبوا وذهبوا عند جركس فدخلوا عليه فوجدوا عنده ذا الفقار بك وهو يتناجى معه سرا فادخلهم الى تنهة المجلس وارسل في الحال الى كتخدا الباشا يخبره بحضور المذكورين عنده ويقول له أرسل إلى عبدالله بك واطلبه فان طلع اليكم وعوقتموه ملكنا غرضنا في باقي الجماعة
فارسل الكتخدا يقول لجركس ان لا يتعرض لعلي بك الهندي لان السلطان اوصى عليه وكذلك صاري علي اوصى عليه الباشا لانه امين العنبر وناصح في الخدمة
وارسل في الحال تذكرة الى عبد الله بك ياخذ خاطره ويعزيه في العزيز ابن سيده ويطلبه للحضور عنده ليدبر معه امر هذه القضية وقتل قاتل المرحوم
فراج عليه ذلك الكلام والتمويه وركب في الحال لاجل نفاذ المقدور وقال لعلي كتخدا اجلس هنا ولا تفارق حتى ارجع وطلع الى القلعة ومعه عشرة من الطائفة ومملوكان والسعادة فقط ودخل على كتخدا الباشا فتلقاه بالبشاشة ورحب به وشاغله بالكلام الى العصر وعندما بلغ محمد بك جركس ركوب عبد الله بك وطلوعه الى القلعة صرف علي بك الهندي ووضع القبض على محمد بك ابن ايواظ وابراهيم بك الجزار وربط خيولهما بالاسطبل وطردوا جماعتهم وطوائفهم وسراجينهم ولم يزل كتخدا الباشا يشاغل عبد الله بك ويحادثه ويلاهيه الى قبيل الغروب حتى قلق عبد الله بك واراد الانصراف فقال له كتخدا الباشا لا بد من ملاقاتك الباشا ومحادثتك معه
وقام يستأذن له ودخل ورجع اليه وقال له ان الباشا لا يخرج من الحريم الا بعد الغروب وانت ضيفي في هذه الليلة لاجل ما نتحادث مع الباشا في الليل
وحسن له ذلك وتركه الى الصباح فطلع محمد بك جركس وابن سيده محمد بك ابن ابي شنب وذو الفقار بك وقاسم بك وابراهيم بك فرسكور واحمد بك الاعسر الدفتردار فخلع الباشا على محمد بك اسمعيل وقلده امير الحاج وقلد عمر اغا كتخدا جاويشية عوضا عن عبد الله اغا وقلد محمد اغا لهلوبة والي ونزلوا الى بيوتهم
وطلعت طوائف عبد الله بك واتباعه وانتظروه حتى انقضى امر الديوان ولم ينزل
فاستمروا في انتظاره الى بعد العصر ثم سألوا عنه فقالوا لهم انه جالس مع الباشا في التنهة فنزلوا وارسل محمد بك جركس لهلوبة الوالي الى بيت كتخدا الباشا فقعد به الى بعد العشاء فدخلت الجو خدارية الى عبد الله بك فاخذوا ثيابه وما في جيوبه وانزلوه وسلموه الى الوالي فاركبه على ظهر كديش ونزل به من باب الميدان وساروا به الى بيت جركس فاوقفوه عند الحوض المرصود ونزلوا بمحمد بك ابن ايواظ وابراهيم بك الجزار فاركبوهما حمارين وسار بهم ابراهيم بك فارسكور والوالي على جزيرة الخيوعية وانزلوهم في المركب وصحبتهم المشاعل فقتلوهم وسلخوا رؤوسهم ورموهم الى البحر ورجعوا وانقضى امرهم وتغيب حالهم وما فعل بهم اياما
وكانت قتلتهم في شهر ربيع الاول سنة 1136
ومات عبد الله بك وهو متقلد امارة الحج وعمره ست وثلاثون سنة وكان حليما سموح النفس صافي الباطن
ومات محمد بك ابن ايواظ بك وسنه ست وعشرون سنة وكان اصغر من اخيه المرحوم
ومات الامير قاسم بك الكبير وهو مملوك ابراهيم بك ابي شنب وخشداش محمد بك جركس تقلد الامارة والصنجقية بعد قتل قيطاس بك في سنة 1126 في ايام عابدي باشا ولما هرب جركس وقبض عليه العربان واحضروه الى اسمعيل بك ونفاه الى قبرص اتفق محمد بك ابن ابي شنب مع قاسم بك سرا على احضاره الى مصر وسافر محمد بك الى الروم بالخزينة واشتغل شغله هناك على قتل اسمعيل بك وارسل في الخفية واحضره الى مصر واخفاه حتى حضر رجب باشا وفعلوا ما تقدم ذكره
ولم يزل اميرا ومتكلما بمصر حتى وقعت حادثة ظهور ذي الفقار بك والمحاربة الكبيرة التي خرج فيها جركس من مصر فقتل قاسم بك المذكور في بيته اصيب برصاصة من منارة الجامع كما تقدم وعندما علم جركس بموته حضر اليه والحرب قائم وكشف وجهه فرآه ميتا وذلك سنة 1138
ومات الامير قاسم بك الصغير وهو ايضا من اتباع ابراهيم بك ابي شنب وكان فرعون هذه الطائفة في دولة محمد بك جركس وهو من جملة المتعصبين مع ذي الفقار على قتل اسمعيل بك ابن ايواظ والضارب فيه ايضا وفي اسمعيل بك جرجا ولم يزل حتى مات في رمضان بولاية البهنسا سنة 1137
ومات محمد اغا متفرقة سنبلاوين وكان اغات وجاق المتفرقة وصاحب وجاهة ومات مقتولا باغراء من محمد بك جركس
ومات الامير ابراهيم افندي كتخدا العزب المذكور قتله سليمان اغا ابو دفية وسليمان كاشف وخازندار ابن ايواظ بالرميلة في حادثة ظهور ذي الفقار كما تقدم ذكر ذلك في ايام علي باشا وملكوا في ذلك الوقت باب العزب وحضر محمد باشا وعلي باشا ووقعت الحروب مع محمد بك جركس حتى خرج من مصر وذلك سنة ثمان وثلاثين وسيأتي تتمة ذلك في ترجمة جركس
ومات الامير عبد الرحمن بك ملتزم الولجة وهو من اتباع ايواظ بك الكبير القاسمي وامره ابنه اسمعيل بك ابن ايواظ وقلده الصنجقية وسافر بالخزينة 1135 وقتل اسمعيل بك في غيابه فلما حضر الى مصر خلع عليه محمد بك ابن ابي شنب الدفتردار قائمقام قفطان ولاية جرجا واستعجله في الذهاب والسفر الى قبلي فقضى اشغاله وبرز خيامه الى ناحية الآثار وخرجت الامراء والاغوات والاختيارية والوجاقات ومشوا في موكبه على العادة ونزلوا بصيوانه وشربوا القهوة والشربات وودعوه ورجعوا الى منازلهم
ثم أنه قال للطوائف والأتباع اذهبوا الى منازلكم واحضروا بعد غد بمتاعكم وانزلوا بالمراكب ونسير على بركة الله تعالى
ثم أنه تعشى هو ومماليكه وخواصه وعلق على الخيول والجمال وركب وسار راجعا من خلف القلعة الى جهة سبيل علام الى الشرقية ولم يزل سائرا الى ان وصل الى بلاد الشام ومنها الى بلاد الروم هذا ما كان من امره
واما جركس فانه احضر علي بك وقاسم بك وعمر بك امير الحاج وامرهم بالركوب بعد العشاء بالطوائف ويأخذوا لهم راحة عند السواقي ثم يركبوا بعد نصف الليل ويهاجموا وطاق عبد الرحمن بك ولجة على حين غفلة ويقتلوه ويأخذوا جميع ما معه ففعلوا ذلك وساروا قرابة فلم يجدوا غير الخيام فاخذوها ورجعوا ولم يزل المترجم حتى وصل الى اسلامبول واجتمع برجال الدولة فاسكنوه في مكان واخذ مكتوبا من أغات دار السعادة خطابا الى وكيله بمصر يتصرف له في حصصه بموجب دفتر المستوفي ويرسل له الفائظ كل سنة واستمر هناك الى ان مات
ومات الامير الشهير محمد بك جركس واصله من مماليك يوسف بك القرد وكان معروفا بالفروسية بين مماليك المذكور فلما مات يوسف بك في سنة 1107 اخذه ابراهيم بك ابو شنب وارخى لحيته وعمله قائمقام الطرانة وتولى كشوفية البحيرة عدة مرار ثم امارة جرجا وسافر الى الروم سر عسكر على السفر في سنة 1128 فضم اليه المبغضين له من الفقارية وغيرهم وتوافقوا على اغتياله ورصد له طائفة منهم ووقفوا له بالرميلة وضربوا عليه بالرصاص فنجاه الله من شرهم وطلع اسمعيل بك وصناجقة الى باب العزب وطلب جركس الى الديوان ليتداعى معه فعصي وامتنع وتهيأ للحرب والقتال فقوتل وهزم وخرج هاربا من مصر فقبض عليه العربان واحضروه اسيرا الى اسمعيل بك فاشاروا عليه بقتله فأبى وقال انه دخل حيا الى بيتي فلا سبيل الى قتله
وانزله بمكان واحضر له الطبيب فداوى جراحته واكرمه واعطاه ملابس وخلع عليه فروة سمور والف دينار ونفاه الى قبرص حسما للشر
واستمر الحقد في قلوب خشداشينه ومحمد بك ابن ابي شنب ابن استاذهم واتفقوا على احضار جركس سرا الى مصر
وسافر ابن ابي شنب بالخزينة الى دار السلطنة فاغرى رجال الدولة ورشاهم وجعل لهم اربعة آلاف كيس على ازالة اسمعيل بك وعشيرته
ووقع ما تقدم ذكره في ولاية رجب باشا وحضر جركس الى مصر في صورة درويش عجمي واختفى عند قاسم بك ودبروا بعد ذلك ما دبروه من قتل الباشا وما تقدم ذكره في ترجمة اسمعيل بك
ونجا اسمعيل بك ايضا من مكرهم وظهر عليهم وسامحهم في كل ما صدر منهم مع قدرته على ازالتهم
ولم يزالوا مضمرين له السوء حتى توافقوا على قتله غدرا وخانوه وقتلوه بالديوان وازالوا دولته وصفا عند ذلك الوقت لمحمد بك جركس وعشيرته فلم يحسن السير وطغى وتجبر وسار في الناس بالعسف والجور واتخذ له سراجا من اقبح خلق الله واظلمهم وهو الذي يقال له الصيفي ورخص له فيما يفعله ولا يقبل فيه قول احد واتخذ له اعوانا من جنسه وخدما وكلهم على طبقته في الظلم والتعدي فكانوا يأخذون الاشياء من الباعة ولا يدفعون لها ثمنا ومن امتنع عليهم ضربوه بل وقتلوه وصاروا يخطفون النساء والاولاد
وصاروا يدخلون بيوت التجار في رمضان بالليل فلا ينصرفون حتى ضاق صدر الباشا وابرز مرسوما من الدولة برفع صنجقية محمد بك جركس وكتب فرامانات وارسلها الى الوجاقات ومشايخ العلم والبكري وشيخ السادات ونقيب الاشراف بالاخبار بذلك وبالمنع من الاجتماع عليه او دخول منزله
ووصل الخبر الى محمد بك جركس فكتب في الحال تذاكر وارسلها الى اختيارية الوجاقات والمشايخ بالحضور ساعة تاريخه لسؤال وجواب فذهب اليه الاختيارية فاكرمهم واجلهم واجلسهم ثم حضر المشايخ فلما تكامل المجلس اوقف طوائفه ومماليكه بالاسلحة ثم قال لهم تكونوا معي او اقتلكم جميعا فلم يسعهم الا انهم قالوا له جميعا نحن معك على ما تريد
فقال اريد عزل الباشا ونزوله فقالوا نحن معك على ما تختار
ثم انهم كتبوا فتوى مضمونها ما قولكم في نائب السلطان اراد الافساد في المملكة وتسليط البعض على البعض وتحريك الفتن لاجل قتلهم واخذ اموالهم فماذا يلزم في ذلك فكتب المشايخ بوجوب ازالته وعزله قمعا للفساد وحقنا للدماء
فاخذ الفتوى منهم وقام واخذ معه رجب كتخدا ومصطفى كتخدا وابراهيم كتخدا عزبان ودخل الى داخل وترك الجماعة في المقعد والحوش وعليهم الحرس وباتوا على ذلك من غير عشاء ولا دثار فلما اصبح صباح يوم الجمعة عاشر القعدة ارسل احمد بك الاعسر الى الباشا يقول له انت تنزل او تحارب وكان ارسل قاسم بك الكبير الى ناحية الجبل بنحو الخمسمائة خيال فقال بل انزل وانظروا الى مكانا انزل فيه
ونزل في ذلك اليوم قبل الصلاة الى بيت محمد اغا الدالي بقوصون ولم يخرج جركس من بيته ولا احد من المعوقين سوى قاسم بك واحمد بك
ثم انه كتب عرضا على موجب الفتوى وختم عليه المشايخ والوجاقات وكتبوا فيه انه باع غلال الحرمين وغلال الانبار وباع من غلال الدشائش والخواسك ثمانية وعشرين الف اردب وختم عليه القاضي ايضا وارسله صحبة ستة انفار من الوجاقلية في غرة الحجة سنة 1137
ولما فعل ذلك اقام محمد بك الدفتردار ابن استاذه قائمقام فصار يعمل الدواوين في منزله ولم يطلع الى القلعة الا في يوم نزول الجامكية
ولما فعل جركس ذلك صفا له الوقت وعزل مملوكه محمد اغا الوالي وقلده الصنجقية وسماه جركس الصغير والبس على اغا مملوكه ابن اخي قاسم بك الصغير صنجقية عمه واعطاه بلاده وماله وجواره وقلد على المحرمجي مملوكه الصنجقية ايضا وكذلك احمد الخازندار مملوك احمد بك الاعسر وسليمان اغا جميزة تابع احمد اغا الوكيل صناجق البسهم الجميع قائمقام في بيته
ولم يتفق نظير ذلك وحضر جن علي باشا وطلع الى القلعة فلم يقابله جركس الا في قصر الحلي وكمل له من الامراء ثلاثة عشر صنجقا واستولوا على جميع المناصب والكشوفيات
ولما تأمر ذو الفقار بعد قتل اسمعيل بك انضم اليه كثير من الفقارية وسافر الى المنوفية فاراد ان يجرد عليه وطلب من الباشا فرمانا بذاك فامتنع فتغير خاطره من الباشا واستوحش كل من الآخر وحصل ما تقدم ذكره من عزل الباشا ثم جرد علي ذي الفقار فاختفى ذو الفقار وتغيب بمصر الى ان حضر علي باشا والي جريد واستقر بالقلعة ودبروا في ظهور ذي الفقار كما تقدم في خبر محمد باشا
وخرج محمد بك جركس هاربا من مصر فنهبوا بيته وبيوت اتباعه وعشيرته فاخرجوا من بيته شيئا لا يحد ولا يوصف حتى انه وجد به من صنف الحديد اكثر من الف قنطار ومن الغنم ازيد من الالف خروف
وبعدما احاطوا بما فيه من المواشي والامتعة ونهبوها هدموه واخذوا اخشابه وشبابيكه وابوابه ولم يمض ذلك النهار حتى خرب عن آخره ولم يبق به مكان قائم الاركان وقد اقام يعمر فيه نحو اربع سنوات فخرب جميعه من الظهر الى قبيل المغرب
وقتلوا كل من وجدوه من اتباعه واختفى منهم من اختفى ومن ظهر بعد ذلك قتلوه ايضا ونهبوا دياره
واخرج خلفه ذو الفقار تجريدة فلم يدركوه وذهب من خلف الجبل الاخضر الى درنه فصادف مركبا من مراكب الافرنج فنزل فيها مع بعض مماليكه وتفرق من كان معه من الامراء بالبلاد القبلية وسافر المترجم الى بلاد الافرنج فاكرموه وتشفعوا فيه عند العثماني بواسطة الالجي فقبلوا شفاعتهم فيه واخذوا له مرسوما بالعودة الى مصر واخذها ان قدر على ذلك بعد ان عرضوا عليه الولاية والباشوية ببعض الممالك فلم يقبل
ولم يرض الا بالعودة الى مصر فوصل الى مالطة وانشأ له سفينة وشحنها بالجبخانة والآلات والمدافع ورجع الى درنة فطلع من هناك وامر الرؤساء بالذهاب بالسفينة الى ثغر اسكندرية
وحضر اليه بعض امرائه واتباعه المتفرقين فركب معهم وذهب الى ناحية البحيرة فصادف حسين بك الخشاب فهرب من وجهه فنهب حملته وخيامه وذهب الى الاسكندرية وكانت سفينته قد وصلت فاخذ ما فيها من المتاع والجبخانة والآلات ورجع الى قبلي على حوش ابن عيسى واجتمع عليه الكثير من العربان وسار الى الفيوم فهجم على دار السعادة وهربت الصيارف فاخذ ما وجده من المال ونزل على بني سويف وكان هناك علي بك المعروف بالوزير فنزل اليه وقابله ثم سار الى القطيعة بالقرب من جرجا ثم عرجا جهة الغرب قبلي جرجا وارسل الى سليمان بك وطلبه للحضور اليه بمن عنده من القاسمية فعدى اليه سليمان بك ومن معه وقابله واطلعه على ما بيده من المرسوم والامان والعفو
وحضر اليه احمد بك الاعسر وجركس الصغير فركب بصحبة الجميع وانحدر الى جهة بحري فتعرض لهم حسن بك والسدادرة وعسكر جرجا وحاربوهم فقتل حسن بك وطائفته ولم ينج منهم الا من دخل تحت بيارق العسكر
ونزل جركس بصيوان حسن بك وانزلوا مطابخهم وعازقهم في المراكب وسار بمن معه طالبين مصر ووصلت اخبارهم الى ذي الفقار بك فعمل جمعية واخذ فرمانا بسفر تجريدة وأميرها عثمان بك تابع ذي الفقار وعلي بك قطامش وعساكر اسباهية وغيرهم فقضوا اشغالهم وعدوا الى ام خنان وصحبتهم الخبيري
وساروا الى وادي البهنسا فتلاقوا مع محمد بك جركس فتحاربوا معه يوما وليلة وكان مع جركس طائفة من الزيدية والهوارة وعرب نصف حرام فكانت الهزيمة على التجريدة واستولى محمد جركس ومن معه على عرضيهم وخيامهم وقتل منهم نحو مائة وسبعين جنديا وحال بينهم الليل ورجع المهزومون لمصر وقالوا لذي الفقار بك ان لم تتداركوا امركم والا دخلوا عليكم البيوت
فجمع ذو الفقار بك الامراء واتفقوا على تشهيل تجريدة اخرى واحتاجوا الى مصروف فطلبوا من الباشا فرمانا بمبلغ ثلثمائة كيس من الميري او من مال البهار على السنة القابلة فامتنع الباشا فركبوا عليه وعزلوه وانزلوه ولبسوا محمد بك قطامش قائمقام واخذوا منه فرمانا وجهزوا امر التجريدة فاخرجوا فيها مدافع كبار واحضروا سالم بن حبيب ومعه نصف سعد ونزل عثمان جاويش القازدغلي بجماعة جهة البدرشين وصحبته علي كتخدا الجلفي بالمراكب ورتبوا امورهم واشغالهم ووصل جركس ومن معه ناحية دهشور والمنشية ووقعت بينهم حروب ووقعت الهزيمة على جركس وقتل سليمان بك ونزلت القرابة المراكب وسارت الخيالة صحبة العرب مقبلين
وسار عثمان جاويش القازدغلي خلف قرا مصطفى جاويش ليلا ونهارا حتى ادركه عند ابي جرج فقبض عليه ومعه ثلاثة واخذ ما وجده معه وانزلهم في المركب واتى بهم الى مصر وقطعوا رؤوسهم وارسلوا فرمانا برجوع التجريدة ولحوق الصنجقيين وأغات البلك والاسباهية وسالم بن حبيب بجركس أينما توجه
فسافروا خلفه اياما ثم عدى الى جهة الشرق ومعه عرب خويلد واقام هناك ينتظر حركة القاسمية بمصر وكانوا عدوا معه سرا على قتل ذي الفقار بك فعدى اليه علي بك قطامش والعسكر وسالم بن حبيب فتلاقوا معه ووقع بينهم مقتلة عظيمة انجلت عن انهزام جركس ومن معه حتى القوا بأنفسهم في البحر
وأما جركس فانه خلع لجام الحصان واراد ان يعدي به بمفرده الى البر الاخر فانغرز الحصان في روبة وتحتها الماء عميق فنزل من على ظهره ليخلصه فزلقت رجله وغرق بجانبه وكان بالقرب منه شادوف وعليه رجلان من الفلاحين ينقلان الماء الى المزرعة فنزلا اليه فوجدا الحصان ميتا وهو غاطس بجانبه ولم يعلما من هو فجراه من رجله وأخذا سلاحه وزرخه وثيابه وما في جيوبه ودفناه بالجزيرة
ومر بهما قارب صياد فطلباه ووضعاه فيه وكان علي بك جالسا بجنب البحر ومعه سالم بن حبيب فنظر سالم الى القارب وهو مقبل فقال ما هذا الا سمكة عظيمة واصلة الينا فأوقفوا القارب في ناحية من البر وتقدم أحد الشدافين الى الصنجق وباس يده فقال له ما خبرك قال وجدنا جنديا من المهزومين وهو غرقان بحصانه فلعله من المطلوبين والا رميناه البحر فلما رآه عرفه ورجع الى الصنجق فأمر باخراجه من القارب ووضع احد الرجلين في الحديد وقال للثاني اذهب فآت بكامل ما أخذتماه وانا أطلق لك رفيقك وأمر بسلخ رأسه وغسلوه وكفنوه ودفنوه ناحية شرونة وارتحلوا وساروا الى مصر
وكان القاسمية الذين بمصر فعلوا فعلهم وقتلوا ذا الفقار بك وذلك في أواخر رمضان والبلد في كرب والقاسمية منتظرون قدوم جركس وأبواب المدينة مقفلة وعلى كل باب أمير من الصناجق والوجاقلية داثرون بالطوف في الشوارع وبأيديهم الاسلحة
فلما وصل علي بك قطامش الى الآثار النبوية وأرسل عرفهم بما حصل خرج اليه عثمان بك ودخل صحبته بموكب والرأس امامهم محمولة في صينية فكان ذلك اليوم يوم سرور عند الفقارية وحزن عظيم عند القاسمية
فطلعوا بالرأس الى القلعة فخلع عليهم الباشا الخلع السمور ونزلوا الى منازلهم وأتتهم التقادم والهدايا فكان بين موت جركس وذي الفقار خمسة ايام ولم يشعر أحدهما بموت الآخر ثم تتبعوا القاسمية وقتلوا منهم الوفا
وبهذه الحوادث انقطعت دولة القاسمية والسبب في دمارهم محمد بك جركس المترجم وابن استاذه محمد بك بن أبي شنب وسوء أفعالهما وخبث نياتهما فان جركس هذا كان من أظلم خلق الله واتباعه كذلك وخصوصا سراجه المعروف بالصيفي وطائفته وكانت ايامه شر الايام وحصل منهم من انواع الفساد والافساد مالا يمكن ضبطه وكان موته في اواخر رمضان سنة 1142

● [ لهذا الجزء بقية فتابعها ] ●


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 19 أغسطس 2018 - 12:46